لغة المرآيا والنصّ الفسيفسائي/زينة الفصول للشاعر عزيز السوداني

35

لغة المرآيا والنصّ الفسيفسائي

بقلم : كريم عبدالله – العراق 31/3/2020

زينة الفصول للشاعر : : عزيزالسوداني – العراق.

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثرفهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة النثر في الشعر الأوربي هي شيء آخر , وفي الشعرالعربي عندما نقول نتحدث عن قصيدة مقطّعة وهي مجرّد تسمية خاطئة , وأنا أسمّي هذاالشعر الذي أكتبه بالشعر الحرّ , كما كان يكتبه إليوت و أودن وكما كان يكتبه شعراءكثيرون في العالم . واذا كانت تسميتها قصيدة النثر , فأنت تبدي جهلك , لأنّ قصيدةالنثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه , أي قصيدة غير مقطّعة . من هنابدأنا نحن وأستلهمنا فكرة القصيدة / السرديّة التعبيريّة / بالأتكاء على مفهومهندسة قصيدة النثر ومن ثمّ التمرّد والشروع في كتابة قصيدة مغايرة لما يُكتب منضجيج كثير بدعوى قصيدة نثر وهي بريئة كل البراءة من هذا الاّ القليل ممن أوفى لهاحسبما يعتقد / وهي غير قصيدة نثر / وأبدع فيها ايما ابداع وتميّز , ونقصد انّ مايُكتب اليوم انما هو نصّ حرّ بعيد كل البُعد عن قصيدة النثر . انّ القصيدةالسرديّة التعبيريّة تتكون من مفردتي / السرد – التعبير / ويخطيء كثيرا مَن يتصورأنّ السرد الذي نقصده هو السرد الحكائي – القصصي , وأنّ التعبير نقصد به الأنشاءوالتعبير عن الأشياء . انّ السرد الذي نقصده انما هو السرد الممانع للسرد أي انّهالسرد بقصد الأيحاء والرمز والخيال الطاغي واللغة العذبة والأنزياحات اللغويّة العظيمةوتعمّد الأبهار ولا نقصد منها الحكاية أو الوصف, أما مفهوم التعبيريّة فأنّه مأخوذمن المدرسة التعبيريّة والتي تتحدث عن العواطف والمشاعر المتأججة والأحاسيسالمرهفة , اي التي تتحدث عن الآلآم العظيمة والمشاعر العميقة وما تثيره الأحداثوالأشياء في الذات الأنسانيّة . انّ ما تشترك به القصيدة السرديّة التعبيريّةوقصيدة النثر هو جعلهما النثر الغاية والوسيلة للوصول الى شعرية عالية وجديدة .انّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي قصيدة لا تعتمد على العروض والأوزان والقافيةالموحّدة ولا التشطير ووضع الفواصل والنقاط الكثيرة او وضع الفراغات بين الفقراتالنصيّة وانّما تسترسل في فقراتها النصيّة المتلاحقة والمتراصة مع بعضها وكأنّهاقطعة نثريّة . أنّ القصيدة السرديّة التعبيريّة هي غيمة حبلى مثقلة بالمشاعرالمتأججة والأحاسيس المرهفة ترمي حملها على الأرض الجرّداء فتخضّر الروح دون عناءأو مشقّة .

وسعياً منّا الى ترسيخ مفهوم القصيدةالسرديّة التعبيريّة قمنا بأنشاء موقع الكترونيّ على ( الفيس بوك ) العام 2015,اعلنا فيه عن ولادة هذه القصيدة والتي سرعان ما أنتشرت على مساحة واسعة من أرضناالعربية ثم ما لبثت أنّ انشرت عالمياً في القارات الأخرى وأنبرى لها كتّاب كانواأوفياء لها وأثبتوا جدارتهم في كتابة هذه القصيدة وأكّدوا على أحقيتها في الأنتشاروأنطلاقها الى آفاق بعيدة وعالية . فصدرت مجاميع شعرية تحمل سمات هذه القصيدةالجديدة في أكثر من بلد عربي وكذلك مجاميع شعرية في أميركا والهند وافريقياواميركا اللاتينية وأوربا وصار لها روّاد وعشّاق يدافعون عنها ويتمسّكون بجماليتهاويحافظون على تطويرها .

سنتحدث تباعاً عن تجلّيات هذه اللغة حسبمايُنشر في مجموعة السرد التعبيري – مؤسسة تجديد الأدبيّة – الفرع العربي , ولتكنهذه المقالات ضياء يهتدي به كل مَنْ يريد التحليق بعيدا في سماوات السرديةالتعبيرية .

هنا نجد قاسما مشتركا تدور وتتمحور حولهفقرات نصّية مختلفة التعابير والرؤى , فمن خلال هذه التعابير نجدها جميعا أخذت دورالمرآة الواحدة التي تعكس لنا مظاهر هذه الثيمة ألا وهي ( الربيع ) , فكأنّ هذاالربيع صار شمساً ومن حوله تدور هذه الفقرات النصيّة , وهذا يعني بأنّ الشاعر طرحفكرة ( الربيع ) بتراكيب لفظية مختلفة , فكان بأستطاعتنا أن ننظر من خلال هذهالتراكيب اللفظية الى ( الربيع ) من زويا مختلفة , وهذا يعني بأنّ هناك زوايامتعددة يمتلكها هذا النصّ , وأنّ النظر الى كل هذه الزوايا سيجعلنا نراها وقدأصبحت تراكيب ملوّنة تشبه الفسيفساء , وكلّ تركيب أو فقرة نصّية صارت وكأنّها مرآةتعكس لنا هذه الثيمة ( الربيع ) بطرق مختلفة ومتعددة , لذا يمكننا هنا أن نصف هذهاللغة بلغة المرآيا والنصّ بالفسيفسائي . فالفسيفسائية هي أن تتلوّن العبارة فيجانب منها متقارب , ويكون بينها قاسم مشترك واحد واضح وجليّ , فتكون كل عبارة هيمرآة لعبارة أخرى في النصّ .

بالعودة الى نصّ الشاعر : عزيز السوداني (زينة الفصول ) , والذي يتحدث عن فصل الربيع نجد أنفسنا أمام نسيج فسفسائيّ صاغهالشاعر بحرفية عالية ومرآتية تعكس لنا جمالية اللغة السرديّة التعبيريّة بعمقتعبيريّ من الأفكار والتعابير النصّية المبهرة . لقد حقق الشاعر في نصّه هذا أنظمةجديدة متعددة متناسقة متناغمة فيما بينها , وكذلك عمقاً تعبيريّاً وحّد جميع هذهالفقرات النصّية وصاغها صياغة أنيقة , ليس فقط في الموضوع الواحد , وأنّما فيالغايات الرؤية والمعنوية , بألأضافة الى وحدة الأسلوب التي تفرضها الفسيفسائيّة .

لقد تكوّن النصّ من وحدات تعبيرية عديدةتتجها جميعها نحو فكرة معينة واحدة , لقد استطاع الشاعر ( عزيز السوداني ) على خلقصور برّاقة تمتلك من عمق تعبيريّ مدهش ولغة فذّة استطاع من خلال السردية التعبيريةأن ينجح أيما نجاح في تحقيق وحدة للموضع وتعدد في زوايا تناول موضوع ( الربيع ) ,فكانت بحق مزيجاً متناغماً . لقد كانت المرآتية النصّية تتمثل عبرة :

1- الفسيفسائيّة المعنويّة : تمثّلت في المقطع / يخرج من قلبِ الشتاءِ وحزنِ الخريفِ بنورِ بهجتهِ ممرجاًمسافاتِ الأيامِ، فتقرأ جذورُ الحياةِ أوراقَ الحبِّ، نبتةٌ تتعلّمُ أسرارَالعشقِ، يتسلقُ الأملُ أغصانَ العطرِ بعد إغفاءةٍ بينَ منحنياتِ الماضي / فنحن أّذاً أمام مرآة معنوية رأينا من خلالها هذه الأشراقة الجميلةوالتجلّي والولادة , وكأنّ الشاعر اراد عن قصد ان يهيّء المتلقي للدخول الى عوالمهالأبداعيّة الزاخرة بكلّ هذا الجمال .

2- الفسيفسائيّةالشعورية : وقد تمثّلت في هذا البناء النصّي الجميل / تتلون الأحلامُ بشذى أزهارِ الدفءِ وحنينِ ظفائرِ السنابلِالشقراء، الشمسُ ترسلُ خيوطها لتصوغَ لحنَ الشجر / فنجد هنا المرآة الشعورية , حيث نقلنا الشاعر من خلالها الى أجواءالنصّ .

3- الفسيفسائيّةالتجريدية : وقد تمثّلت من خلال هذه الفقرة النصّية الجميلة / النسائمُ تدغدغُ شفاهَ العصافيرِ، فترتشفُ من غدرانِ الشوقِ،العنادلُ تُطربُ أطرافَ الفجرِ لحناً سماوياً يهيجُ إستعبارَ الكونِ فينثرُحبّاتِهِ جمالاً يسرُّ الوجود / فنرىهنا بأن اللغة وقد أمتلأت بزخم شعوري لطيف .

4- الفسيفسائيّةالتعبيريّة : وقد تمثّلت من خلال هذا المقطع النصّي / لعلّهُ في أرضي ينسج قصائدَ تجمع أشلاءَ الصبرِ ويرسم قبلةًعلى ضفافِ النهرين ويستعيد أجنحةَ المسيرِ / حيت نجد المرآتية من خلال الفكرة والرؤية والطلب.

5- الفسيفسائيّة الأسلوبيّة : ولقد تمثّلت من خلال هذا المقطع النصّي / مجنونٌ كان ينامُ بعيداً عن عيونِ الطرقاتِ الغافيةِ، همستْبقربهِ الفراشاتُ فنهضَ مرتدياً بسمةَ الأفلاكِ / فنجد المرآتية الأسلوبية قد تمثّلت من خلال هذه النثروشعريةالرائعة .

نلاحظ هنا بجلاء بأنّ كلّ عبارة في النصّ هيعبارة لغيرها , لهذا فلقد حقق هذا النصّ الغاية المرجوّة منه في لغة مرآتيّة عذبة, مما جعل النظر الى النصّ يبدو مشرقاً كـ الفسيفساء .

زينة الفصول / بقلم الشاعر : عزيز السوداني – العراق .

يخرج من قلبِ الشتاءِ وحزنِ الخريفِبنورِ بهجتهِ ممرجاً مسافاتِ الأيامِ، فتقرأ جذورُ الحياةِ أوراقَ الحبِّ، نبتةٌتتعلّمُ أسرارَ العشقِ، يتسلقُ الأملُ أغصانَ العطرِ بعد إغفاءةٍ بينَ منحنياتِالماضي، تتلون الأحلامُ بشذى أزهارِ الدفءِ وحنينِ ظفائرِ السنابلِ الشقراء،الشمسُ ترسلُ خيوطها لتصوغَ لحنَ الشجر، مجنونٌ كان ينامُ بعيداً عن عيونِالطرقاتِ الغافيةِ، همستْ بقربهِ الفراشاتُ فنهضَ مرتدياً بسمةَ الأفلاكِ، ليعلنَبدءَ نشوةِ الحياةِ من جديد، النسائمُ تدغدغُ شفاهَ العصافيرِ، فترتشفُ من غدرانِالشوقِ، العنادلُ تُطربُ أطرافَ الفجرِ لحناً سماوياً يهيجُ إستعبارَ الكونِفينثرُ حبّاتِهِ جمالاً يسرُّ الوجودَ، يمضي مبتسمَ الثغرِ زينةَ الفصولِ، لعلّهُ فيأرضي ينسج قصائدَ تجمع أشلاءَ الصبرِ ويرسم قبلةً على ضفافِ النهرين ويستعيدأجنحةَ المسيرِ….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع