كم هذا العالم الكبير صغير!

166

رسالة لكاتبها

إلى نورة سعدي

تحيّة عربية

أنت شاعرة درستك في عمق خيالي واستنتجت خلاصتك كميسون ترفض القصرالباهي ..هذا ما اكتشفته من خلال حديثك مع موعد جريدة الشعب ..أما أنا يا شاعرة فلست سوى رجل ،وليس هذا المحيط الغريب غير قرية تحكمها نوازع الرجال ..ورغبات النساء ..قارئة المستقبل لا تقرئي مستقبل أطفال الهجرة المقلوب..فكل ما تكشفين من طلاسمها أنها ولدت وتعيش في ساعة الغروب ..ستجهدين عينيك فقط في قراءة الخطوط والبروج ..تستنطقين كل مقلة طفل وكل نظرة منها ..و سترهقين ذهنك الصغير في معرفتها وتفتشين بعدها عن منفذ مابين كل النقاط والبروج ..لكنها تخرس ولا تجيب حينذاك تغرقين .. فالأسرة هنا يا شاعرة تحس بالهجرة تنخر قلبها بأصبعها الطويل الأظافر..فهل جربت ذات مرة أن تنخري قلبك بشيء حاد يشبه الظفر ؟ والطفل هنا يا شاعرة كقط يموء في زاوية غلبته الظلمة والرياح ،كنت أنوي ألا أتحدث إليك عنهم ولو بمقدار كراع نملة واحدة ..لكن واقع كتابات الكتاب الذي أصبحت ألاحظه جعلني أهمس إليك ،الكتابة عن الهجرة تتطلب معاناة مشاكلها ومعايشتها وأنت كما جاء في تصريحك لا يمكنك حضورأمسية أدبية بفعل التقاليد التي تمجدينها ..فكيف يمكنك معايشة مشاكل الأسرة في الهجرة وأنت في الجهة الأخرى ؟ياشاعرة ..هل تلتفتين مجردإلتفاتة للمشكلات المنتشرة هناك وتحاولين بقدر الإمكان النزول  برقم سيما وأنك أستاذة لك تأثير كافي لتهذيب النشء وتوعية المجتمع وغرس القيم والمثل العليا في النفوس وبالتالي تساهمين في زرع الكثير من الأطفال المباركين مثل أعمدة الكهرباء والأشجاروقامات النخيل السامقة عبرأرضنا الجليلة بعدها لن أقول لك يا شاعرة بل أقول لك..

يا امرأة سقطت من عين الشمس

……………………………………………………

كم هذا العالم الكبير صغير !

وصلتني هذه الرسالة منذ سنوات طويلة من بلاد المهجرعلى عنوان الإذاعة الوطنية من قارئ جزائري يبدو أنه كان في زيارة إلى أرض الوطن واطلع على حوارفي جريدة الشعب أجراه معي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي الصحفي الفاضل باديس قدادرة أمد الله في عمره ،أذكر يومها أنني سررت بها أيما سرور، بل لا أظنني أبالغ إن قلت أنني ملئت زهوا إذ حظيت باهتمام قارئ مثله ،

رسالة جميلة خفيفة الوزن،زهريّة اللّون كتبت بقلم حبرأزرق وخط متقن مقروء أنيق، مازلت إلى يومنا هذا أحتفظ بها  وما من مرة رتبت  فيها أوراقي إلا واستخرجتها من الظرف وأعدت تأملها وقراءتها بإعجاب، فأكثر ما شدني إليها لغتها الفصيحة وأسلوبها الجميل الذي نمّ عن مهارة رجل يجيد العزف على الكلمات ويعرف كيف يعرض أفكاره فضلا عن رؤاه الفكرية والجمالية التي تلألأت بين السطور ومع أن المرسل الكريم قد كتب عنوانه وإسمه بالكامل،إلا أنني للأسف لم أردّعليه فور استلامي جوابه  ، وكنت كل مرة أرجئ الرد إلى أن حالت الظروف بيني وبين ذلك فنسيت الأمر تماما  ،

ولعل ما يجدر ذكره في هذا الصدد ،هوأنني كلما سنحت الفرصة وحضرت أمسية شعرية أوندوة فكرية سألت زملائي الأدباء هل يوجد بيننا كاتب أو صحفي أو فنان تشكيلي يحمل هذا الإسم ،طبعا بعدما أهمس لهم به فيهزون رؤوسهم بالنفي إلى أن فقدت الأمل في معرفة المزيد عنه فهو لم  يعرفني بنفسه ولم يذكر ما هي مهنته أو يشر إلى المنصب الذي يشغله في الحياة ،وما كنت لأهتم بهذه التفصيلة لولا شعوري اليقيني أن السيد الموقّر يمتّ بصلة إلى عالم الفن وليس مجرد متذوق للأدب أو متابع لشؤون الثقافة وما يستجدّ من أحداث في دنيا الصحافة ،ومرت الأيام والسنون تترى وظلت الرسالة بما حملته من نصيحة ووجهة نظر ورأي لم أستهجنه أوأعترض عليه تشاكسني مطلة ببهائها من مكان قصيّ في الذاكرة رغم أن ملاحظته بخصوص الكتابة عن أطفال الهجرة والأسرة المغتربة لم تكن  موضوعية مائة بالمائة على الأقل حسبما ارتأيت ،

فقلت بعدما انتهيت من قراءة تعقيبه على بعض أجوبتي ،صحيح ليس الخبركالعيان ولا أجمل من أن يكون المرء في الميدان ليشير دون زيادة أو نقصان إلى الحقائق ويميط اللثام عن معاناة الجالية العربية وبالأخص الجزائرية  منها التي عانت الأمرّين من التميبز العنصري في فرنسا،تمييزحاقد ذهب ضحيته مالا يحصى من الشباب والأولياء وتزعزع  بسببه استقرارالعديد من العائلات وأضفت يومذاك،هل كل من كتب ويكتب عن القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني ذهب إلى فلسطين ،وهل كل يكتب عن قضية من القضايا الإنسانية والاجتماعية في مكان ما من ا لمعمورة على سبيل المثال لا الحصر كان لزاما عليه أن يكون في عين المكان ؟،ألا يشاهد الكتاب الأخبار؟ ألا يقرؤون التحاليل السياسية والاجتماعية ؟،ألا يطلعون على سبرالأراء والأوضاع عبرالتحقيقات و الاستطلاعات التي يقوم بها صحفيون متمرسون فيتفاعل من يهمه الأمر مع الأحداث ويطلع على القارئ بمقال يعبر فيه عن رأيه استنادا إلى المعطيات التي قدمت له مع تحري الدقة وإضافة ما يمكن إضافته إذا جدّ جديد لتعزيز مصداقيته وتنويرالمتلقي ،وأردفت ألا يسافر بعضنا إلى الجهة الأخرى لأيام أوأسابيع أوشهور، إما للسياحة أو الدراسة أو العلاج أو زيارة الأهل ويرى رأي العين ما يدور حوله أثناء فترة إقامته فيدلي بدلوه في الموضوع فما المانع والحالة هذه أن نكتب ونحن في الأعم الأغلب نشير إلى الإشكالية دون أن نقترح الحلول فتلك مهمة منوطة بمسؤولي البلد المضيف وليست من اختصاص الكاتب ؟ وهمست ماالجدوى من الإفضاء والإيضاح بعد مضي تلك العقود وقد يتساءل سائل ألا يفترض أن تسقط أحقّيّة الخوض في تفاصيل ذلك الخطاب بتقادم الزمن ؟بلى قلت لولا أن الصدفة التي هي خير من ألف ميعاد تضعنا أحيانا وجها لوجه أمام ما لم نكن نتوقعه،كأن نلتقي أقارب أوأصدقاء طوى ذكراهم النسيان وتقاطعت بيننا وبينهم سبل اللقاء فذهب كل في طريق ،

أو تجمعنا المصادفة البحتة بغرباء نتفاجأ بمعرفتهم لمن تربطنا بهم سابق معرفة أو سمعنا عنهم عن بعد مثلما حدث معي منذ مدة حينما كنت في مناسبة فرح عائلي وتحديدا في قاعة الضيافة للحفلات المكتظة بنساء من مختلف الأعمار لمّا ساقني القدر إلى طاولة تجلس أمامها سيدة حسنة السّمت حييتها واستأذنتها في الجلوس فابتسمت وقالت مرحبا ، بكل سرور،تفضّلي سيدتي ، المنضدة ليست محجوزة فأجزلت لها الشكر واسترخيت إلى جوارها على كرسي فاخر وثير ورحت أجيل الطرف في أجواء المكان ،تارة أتملى وجوه الجميلات اللاتي كن في أتم ّزينتهن وأخرى أستمتع بالرقص والموسيقى والأضواء ومنظر  المزهريات الملآى  بالورود واللوحات الزيتيّة المعبّرة والمرايا المختلفة الأشكال المذهّبة الأطرالمثبتة على الجدران مما حول فضاء الإحتفال إلى متحف زاخر بالجمال ،وفي تلك الأثناء كانت  الجليسة الحسناء تبادلني بعض الكلمات  بين الفينة و الأخرى

درءا للسأم و كسرا لحاجز الصمت الذي ساد بيني بينها طلبا للأنس والمؤانسة ففي هكذا لقاءات لا تكتفي النسوة باحتساء الشاي والمشروبات وتذوق مختلف أنواع الحلويات والتعليق على فساتين العروس وتسريحة شعرها وإنما يلجئن أيضا إلى الفضفضة والتنفيس عن نفوسهن بما يعتمل في ذواتهن متنقلات من الهم الخاص إلى الهمّ العام إلى أن أدارت رفيقتي لتلك السويعات دفة الحديث

وسألتني ببسمة لا تفارق محياها المشرق بالطيبة عن إسمي وعما إذا كنت أعمل أو جالسة في البيت فأخبرتها عمن أكون وكما تقتضي اللياقة سألتها بدوري عن إسمها ومن أي منطقة هي في وطننا الشاسع فردت بأريحية على سؤالي وما أن تفوهت بإسمها ولقبها حتى طفت الرسالة من جديد فوق مرآة ذاكرتي وتذكرت ذاك  الذي استبطن أعماقي وكون عني فكرة صائبة بمعنى قرأني قراءة صحيحة وكان محقّا في تشبيهي بميسون بنت بحدل الكلبية صاحبة القصيدة الشهيرة التي لها قصة لن أرويها ههنا فمعظم من يهتمون بتراث الأدب العربي يعرفونها وربما يحفظون أبياتها فهي من أجمل ما كتب من شعر نسوي في الحنين إلى الأوطان و مسقط الرأس وتفضيل حياة الريف والبادية على بذخ القصورالواسعة  وما فيها من نعيم وأمر مجاب،فحلقت إثر سماعي اللقب في سماء ماض بعيد ولكنني ما لبثت أن عدت إلى أرض الواقع المعيش لما سألتني الجميلة التي حلّت ضيفىة مثلي على حفل زفاف إحدى قريباتي ،أين أنت وفيم تفكرين ؟ قلت بتلقائية في فلان إنه يحمل نفس لقبك

هل تعرفينه ؟ ارتبكت وبدت علامات الدهشة واضحة على وجهها القسيم والوسيم وقالت دون أن تتريّث أين وجدته ؟أقصد أين تعرفت عليه ؟ قلت على جناح رسالة أدبيّة يتيمة وصلتني منه أسدى لي فيها النصّح إلا أنني قصّرت في حقّه ولم أرد عليه ولم يكن من عادتي إهمال الرد على ما يصلني من بريد ،فافترّ ثغرها عن ابتسامة ذات مغزى وأسرّت لي أن الرّجل  أحد أبناء عشيرتها ،قد سافر مذ أمد بعيد للدراسة في الخارج فتخصّص وتخرج وآثر الاستقرارهناك  وهو خطاط وفنان كليغرافي ولم تضف أكثر من ذلك فابتهجت كمن تحققت له أمنيّة غالية وهتفت في سرّي أخيرا صدق حدسي ربّاه كم هذا العالم الكبيرصغير !

نورة سعدي

………………………………………………………..

ميسون بنت بحدل الكلبية أشهر شاعرات العصر الأموي وهي من بدو بني كلب في بادية الشام

زوجة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه وأم يزيد إبنه الوحيد ،إشتهرت بقصيدة لها قصة

إلا أنه يبدو أن هذه الشهرة تعود إلى امرأة أخرى  لها الاسم ذاته هي ميسون بنت جندل الفزارية

لبيت تخفق الأرواح فيه
أحب إليَّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني
أحب إليَّ من لبس الشفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي
أحب إليَّ من أكل الرغيف
وأصوات الرياح بكل فج
أحب إليَّ من نقر الدفوف
وكلب ينبح الطراق دوني
أحب إليَّ من قط ألوف

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع