كلمة مالها وما عليها

121

كلمة مالها وما عليها

بقلم لطفي شفيق سعيد

للوهلة الأولى وبسبب العنوان سيتصور القارئ أن موضوعها تافه، إلا أن هنالك جوانب أخرى مهمة تتعلق بهذه التسمية وما يتعلق فيه من أمور’ حيث أن الضرطه موجودة وقائمة منذ أن وجد الإنسان والحيوان عل وجه الأرض وقد وجد في المدونات التاريخية القديمة وفي العهد السومري ذكر للضرطة وهي أن امرأة كلما تنام في حضن زوجها تأخذ بالضراط.
إن سبب اختياري لهذا العنوان الغريب والمثير هو لمتابعة محتواه وما يتضمنه من أفكار تتعلق فيه. فالمتعارف عليه أن الضرطه هي عمل شائن ومكروه وهي تدخل في قائمة المعيبات شأنها شأن كل المعيبات وكلمة العيب الذي ورثنا العديد منها من آبائنا وامهاتنا وأطراف أخرى كان لها السلطة والحق بفرضها علينا, إلا أن حقيقة الأمر أن الضرطة هي كلمة عربية فصحى لا مناص من ذكرها وكان العرب يقولون عن عمر بن هند أنه مضرط الحجارة لشدته وصرامته وكلمة الضرطة قد وردت في اشعار الشعراء العرب المشهورين ومنها:
للشاعر جرير أليس طبعا في بني آدم أن يخجل الضارط من ضرطته
وقوله: فضح الكتيبة يوم يضرط قائما سلح النعامة شبه بن عقال
وقوله: فهلا سألت الناس إن كنت جاهلا بإيامنا يا بن الضراط فتعلما
وللبحتري في الهجاء:
يا بن التي ضرطت من تحت نائكها ضرط الحمار ضعا من كي بيطار
ولحسان بن ثابت:
فما منع العير الضروط ذماره وما منعت مخزاه والدها هند
وللمتنبي:
فكنت تفخر تيه فصرت تضرط رهبة
ولابن الرومي:
ويضرط هذا على رجله ويضرط هذا على أربعة
وهناك العديد من ذكر الضرطة في اشعار العرب لا يتسع المجال من ذكرها.

الضرطة هي عملية مهمة لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن التقليل من أهميتها وهي ليست مدارا للضحك والسخرية فقط فهي ظاهرة علمية إنسانية يدرسها العلماء والمختصون ويساهم الأطباء والصيادلة في تذليل اطلاقها إلى خارج بطن المريض بغض النظر عن تبعات اطلاقها وللإنسان الحرية المطلقة من ممارستها ولا يمكن اعتبارها جريمة يحاسب عليها القانون ولا توجد مادة أو فقرة تشير إلى ذلك حيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بالنص كما أنها تندرج في حرية التعبير عن الارتياح النفسي والتخلص من الألم الظالم ’ولكن لو سألت أحدا هل توافق على اطلاقها امام الملآ فالجواب: سيكون حتما كلا لأن ذلك الأمر يعتبر خارج المألوف والعادات المتعارف عليها في مجتمعنا .
وقد يكون الضراط مهما ومطلوبا عند بعض كبار السن حيث يعاني هؤلاء من عسر الهضم وتراكم الغازات المزعجة في بطنهم وإن اطلاق الضراط يكون مصدرا لراحتهم مما يجعلهم يتنفسون الصعداء بعد تلك العملية أما بالنسبة لأطفال حديثي الولادة فقد كان تأثير اطلاقها مهما أيضا فقد كان الآباء والأمهات تعرف أن سبب بكاء وصراخ وتألم أطفالهم واحفادهم الصغار حديثي الولادة هو انحباس الغازات في بطنهم وامعاءهم لذلك فقد كانوا يفرحون ويصفقون لهم عنما يطلق واحد منهم وابلا من الضراط, ومن فوائد الضراط أيضا أن الأشخاص المتواجدين في الغابات يعرفون مكان تواجد الشمبانزي عن طريق أطلاقه ضرطات متواصلة وبصوت عال فيتجنبوا تلك الأماكن بسبب شراسة ذلك الحيوان وفي الصين قديما كان هناك اشخاص متخصصين يطلق عليهم تسمية الشمامين واجبهم شم الغازات والضراط الذي يطلقها المريض لمعرفة نوع المرض المصاب فيه.
إن الضرطة في بعض الدول تعتبر عملا محمودا ومهما فالأتراك والقدماء منهم العثمانيون وبعض العراقيين الذي عاصروا فترة الحكم العثماني يطلقون تسمية (دوشمان) على الضرطة أي بمعنى عدو باللغة العربية فعلى المرء أن يتخلص من هذا العدو ويطرده خارجا وبعكس ذلك فانهم يعتبرون التجشؤ بصوت عال عيبا .
وبهذه المناسبة التي تتعلق بطرد الضرطة وعدم الاحتفاظ بها تحضرني حادثة نقلها الي أحد الضباط الشباب من الذين التحقوا لوحدتي العسكرية وهو خريج الكلية العسكرية البريطانية (سانت هيرس) حيث روى تلك الحادثة التي تتعلق بموضوع الضراط مبينا أنه ما أن انتهى التعداد المسائي وانطلاق الطلبة الى مهاجعهم وخلال ما كان هو يهم بنزع بدلته العسكرية وارتداء منامتة حتى وجد أن جميع افراد فصيله يقفون على اسرتهم في وضع الاستعداد عراة تماما حتى من ملابسهم الداخلية ينتظرون الأمر الذي سيصدره عريف الفصيل وقد بدأ الأمر (بالعد واحد إثنين ثلاثة أبدأ) وعندها بدأ الطلاب يطلقون وابلا من الضراط ولعدة دقائق قبل أن يندسوا في اسرتهم وهم عراة ايضا ’ ويستمر الضابط بالقول إنني في الأيام الأولى كنت استغرب من هذا التصرف كعادتنا وبعد فترة وجدت نفسي مشاركا بهذه الممارسة لكي لا تؤخذ عني فكرة سيئة بأنني متخلف أو شاذ عنهم.
نعود لكلمة الضرطه ومكانتها في الأمثال والموروث الشعبي العراقي فهناك أمثلة عديدة ومنها المثل القائل (مثل ضرطة بسوك الصفافير) وسوق الصفافير أو الصفارين الذي يعج بأصوات المطارق وما تحدثه من ضجيج واصوات عالية عند ارتطامها بالأواني النحاسية لذلك فإن صوت الضرطه يضيع داخل تلك الأصوات والضجيج ولا يكون لها أثرا والمثل يعكس مدى استخفاف المسؤولين بمطالب العراقيين واحتجاجاتهم دون أن يعيروا اليها أذنا صاغية أو تشغل اهتمامهم حتى لو أدت تلك المطالب إلى سفك الدماء وسقوط آلاف الضحايا لآن في عرفهم أن تلك الصيحات والمطاليب سرعان ما تنتهي أو انهاءها باستخدام القوة الغاشمة وبمختلف الأسلحة و أن تلك الاحتجاجات برأيهم ماهي إلا (ضرطة بسوك الصفافير) أو بالأحرى بسوك السلاطين المتسلطين ووعاظهم.
ومن الأمثلة الشعبية الأخرى التي يتداولها العراقيون وخاصة القدماء منهم والتي تقارن بما يجري في مجتمعهم من تناقضات المثل القائل (هذا ضراط الي مينفه) ويبدوا أن هنالك فعلا مثل هذا الضراط فمهما أطلق منه من جوف المريض فإنه لا يحقق نتيجة مرجوة وكما يجري للمريض وحالته المستعصية ينطبق على حالة الشعب وانعدام ثقته بالمسؤولين ورؤساء الكتل وجميع من اصبح في موقع المسؤولية وما يصرحون فيه من وعود حول تحسين الأوضاع ومكافحة الفساد الذي استشرى منذ ان استحوذوا على السلطة والمال العام والقيام بتنفيذ المشاريع التي لها علاقة بحياة الناس الخدمية والاجتماعية وغيرها من المشاريع والتي غاب واندثر اثرها أساسا خلال فترة تسلطهم إضافة لتراكم الأزمات واتساعها والتي أثرت كثيرا في عدم استقرار وضع البلد وعقدت الحياة وجميع مفاصلها وإن عدم ظهور ما يؤكد أو يشير لتنفيذ تلك الوعود على ارض الواقع جعل كل فرد في المجتمع يرى ان تلك التصريحات ما هي إلا هواء في شبك واشبه ما تكون بظراط لا ينفه ولا قيمة له.
ومثل أخر هو(يسمع ضراط النمل) ولم يطلق هذا المثل اعتباطا والمعروف أن لا أحد يمكنه أن يسمع هذا الضراط إن وجد فعلا ولكنه أطلق تحذيرا للناس من آذان السلطة وجواسيسها ومخبريها وكاتبي التقارير الذين يسترقون اصوت الناس وما يدور بينهم من احاديث حتى ولو كان همسا والتي كان معظمها يعكس حالة التذمر من اجراءات السلطة وزبانيتها المسعورين .والمثل الثالث والمهم هو(اللي يمشي وره الحمار عليه أن يتلقى ضراطه) وكم من حشود وكتل بشرية مشت خلف تلك الحمير وتلقت من ضراط وتفاهات وخرافات يطلقها من جوفه واصبح هذا المثل وما يحمله من معاني ملازما لحياة الكثير من العراقيين وخلال عقود طويلة دون أن يشعروا بخطورته وتأثيره السلبي المدمر على حياتهم والغرض منه إبقاءهم في دائرة التخلف والفقر والتردي والحرمان وعدم مواكبة التطور والرفاهية التي تنعم فيها بعض شعوب الدول المتقدمة ,إن تأثر هؤلاء المطلق بما يقوله ويتفوه فيه السيد والحاج وسيادة الرئيس والمسؤول الحكومي من توجيهات وأوامر تعتبر بالنسبة اليهم وفي تصورهم المريض أنها مقدسة وأن من يطلقها يمتلك صفة القداسة وحرام المساس بها وإن مخالفة رأيه وافكاره البالية هو حرام أيضا ولا يجوز عدم اطاعتها وإن رفضها وإنكارها يعني عدم الاعتراف بتلك المقدسات ورموزها والخروج عن الملة والمذهب ،إن استمرار السير خلف تلك الحمير يعني استمرار تلقي ضراطها وعندها لا جدوى من جميع المطاليب المتعلقة بتصحيح الاوضاع المتردية كمعالجة ازمة الكهرباء المزمنة ومعالجة شبكات المياه والصرف الصحي واجبار الحكومة على اتخاذ خطوات فعالة وناجعة للقضاء على كل ما تردى في مفاصل المجتمع وإنقاذ الناس وبالأخص الحشود والكتل البشرية من الفقراء والمعورين وانتشالهم من التمادي والغرق في مستنقع الخرافات والغيبيات ومؤثراتها التي تفتك بهم والتي أشبه ما تكون كمن بتعاطي المخدرات و الأفيون الذي ينعش متعاطيه في أول الأمر ومن ثم يدمره ويقضي على حياته تماما والحل الوحيد هو أن تتظافر جهود جميع المخلصين الواعين لفداحة ذلك الأمر والعمل بجد لانتشالهم من تلك الأوضاع المتردية والأخذ بأيديهم إلى بر الأمان وإلى مصافي الدول الراقية والمتقدمة وهو السبيل الوحيد لإنقاذ العراق والعراقيين وتوفير الحياة الكريمة التي تليق بمكانتهم وسمعتهم بين الدول , وإلا فإن استمرار هذه الحشود البشرية في المشي و الركض خلف تلك الرموز الحمير فإنهم سيظلون يتلقون ضراطها السام والمميت إلى أبد الأبدين وإلى أن تنجلي هذه الغمة عن هذه الأمة أقول:
(نحن خير من مشى خلف المطايا وأكثر خلق الناس تلقينا ضراطها.)
مدينة رالي 30 كانون ثان 2023

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع