كتاب(مَوسُوعَةُ مَدِينَةِ العَزِيزِيَّةِ)/مع تعاقب الزمان,شجرة الشط تعشش في الاذهان

61
مع تعاقب الزمان _شجرة الشط تعشش في الاذهان
كتاب(مَوسُوعَةُ مَدِينَةِ العَزِيزِيَّةِ)
تَأليفُ وإعِدادُ مَحمُودٍ دَاوودَ برغلٍ

 

مع تعاقب الزمان _شجرة الشط تعشش في الاذهان

لايكتمل الحديث عن مدينة العزيزية من دون المرور على شجرة الشط .مأوى الحمام والبلابل والعصافير ، وحائط الذكريات والرسومات والتعابير
شجرة الكالبتوس التي يتفيء تحت ظلها مرتادو نهر دجلة وسدتها التراببة ، شجرة تعشعش في اذهاننا واذهان كل من مر بها شجرة تغازل الضحى والليل والقمر لم تتكسر اغصانها يوما في الزمن البعيد فهي بعيدة المنال عن ايدي العابثين يوم كانت الحياة هنا في العزيزية لينةً بسيطة متواضعة.
كان الخيرون من اهالي البلدة ينحرون تحتها الذبائح تقربا لله تعالى لدفع البلاء عن الشبان من الغرق عند سباحتهم وكانت الذبيحة تلقى الى النهر مع طلائع كل صيف لدفع الاقدار الحزينة.

وراء كل شجرة رواية وحكاية

يصعب الحصول على القصة الحقيقية لهذه الشجرة التي منذ أن انتهكت حرمتها والبلدة لا تتنفس هواء نقي او نسيم عذب منعش كما كنا من قبل ..
جذعها الضخم واغصانها الوارفة التي كان يتسلقها السباحون الماهرون الشباب التي عرفت بهم المدينة ينتزعون من ثنايا حياة الاباء البسيطة هواياتهم والعابهم ومتعهم.
رؤوس تغوص تحت الماء وتظهر من جديد والقفز من اعلى الشجرة والغوص الذي يحبس الانفاس وحركة التيار السريعة.
الذين يمارسون السباحة في هذا المكان العميق الذى اضحى مرسى للسفن النهرية التي تنقل الحبوب والتمور والوقود بين البصرة وبغداد لم يتعلموا السباحة الا في السواقي الكبيرة والجداول الزراعية البعيدة بعد ان اشبعوا هواياتهم فيها حتى اصبحوا سباحين ماهرين بعد ان تدربوا بالفطرة على ( الاطبش ) في تلك السواقي بمعية احد افراد العائلة او المعارف .
من أبرز فنون السباحة تحت ظلال شجرة الكالبتوس التي تتدلى اغصانها الى النهر هي الغطس ( الغط)
يغط السباح لمدة زمنية والعيون ترنو اليه شاخصة وقد ساد الوجوه الوجوم وانتابها القلق كلما مضت الدقائق حتى يظهر البطل الى سطح الماء من جديد وسط عاصفة من التصفيق والصفير
مستوى الماء هنا يصل حافة السدة الا قليلا اذ كان بمقدور السباح ان يلقي نفسه من السدة الترابية الى النهر مباشرة
دارت الايام ..وجاء زمان غير الزمان فعاشت الشجرة سنواتها الاخيرة في صراع ومعاناة من اجل البقاء ..تعرضت لهجوم شرس قطعت بعض اوصالها وازيلت اجزاء كبيرة من لحائها بالسكاكين واحرقت الاجزاء اليابسة منها وهي واقفة تنتج اغصان جديدة دون جدوى .
وللتاربخ لابد من الإشارة الى لعبة شعبية انقرضت كان عدد من ممارسيها يجلسون تحت ظلال هذه الشجرة وهم يلعبون (اللكو) والجتري في ايام الأعياد بعيدا عن اعين رجال الشرطة الذين يطاردون لاعبيها ويصادرون مستلزماتها وقد انقرضت هذه اللعبة لانها محرمة لاشتمالها على المقامرة .

ان الذين تطاولوا على شجرة الشط لاتربطهم بها اية عاطفة او صلة لاننا نعرف ان الارتباط الحقيقي للانسان بالمكان يجعل من الاشياء المحيطة جزء من تفاصيل حياته لا سيما اذا كانت تنبض بالحياة والخضرة والجمال .
غادرتنا الشجرة التي اجتثت وبقي ظلها يكبر ويكبر وعالقا عند محبيها وروادها في الاذهان
سيبقى ذكرى ماضيها يطوف على شط الزمان
سلام عليك ايتها الشجرة الخضراء
التي لم تعد مزهرة
يا صاحبة الجذور العميقة في جسد الارض غائرة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع