كاريزما (قصّة قصيرة)

211

سألت صديقي و نحن في مكتبه و قد كان منفعلا، لم ألحظ عليه يوما مثل ذلك الانفعال، سألته: لماذا مزّقت صفحة من هذا القاموس الّذي بين يديك؟. لقد أفقدته بذلك جزءا هامّا من قيمته !

أجابني بنفس الانفعال أو أشدّ:

  • لأنّك قلتها
  • ما هي الّتي قلتها؟

ظننت أنّني ربّما أسأت إليه و دون قصد بكلمة ما.قد يحصل ذلك أحيانا بين أصحاب اللّغة الواحدة، إذا كانوا منحدرين من مناطق مختلفة،قد يختلف فيها مدلول الكلمات إلى حدّ الضدّ أحيانا.

أعدت له سؤالي باستغراب:

ما هي الّتي قلتها؟ . هل قلت شيئا يمكن أن يجرحك في شيء؟

  • طبعا لا ..
  • ما الأمر إذا ؟
  • إنّها كلمة “كاريزما” . لقد أقسمت آخر مرّة أن أزيلها من قاموسي تماما،  لو سمعتها مرّة أخرى.و هذا ما حصل بالفعل.

ابتسمت ابتسامة تحتمل أكثر من معنى.أوّلا إحساسا بالارتياح ، أنّه لم يصدر منّي ما يستحقّ فعلا أن يحصل من أجله ما حصل. ثانيا لأنّ الموقف كان طريفا رغم تشنّجه.هذا ما زادني إصرارا أن أعرف حقيقة الأمر.

سألت صديقي  بشيء من الدّعابة الممزوجة بشيء من الخبث:

  • ما قصّتك مع ” الكاريزما” ؟ هيّا قل لي .. لكن بدون انفعال، أرجوك !

هدأ قليلا .. أخذ نفسا طويلا من سيجارته .. نفث منه سحابة كبيرة من الدّخان غطّت جزءا من مكتبه الّذي كنّا نجلس فيه. ثمّ انخرط في ضحكة طويلة كمن سمع نكتة طريفة لأوّل مرّة.

فهمت أن صاحبي قد أدرك أنّ الأمر لم يكن يستحقّ ما فعله بقاموسه، ثمّ استرسل في الحديث:

  • مرّت عليّ فترة كنت أسمع فيها هذه الكلمة مرّات عديدة في اليوم الواحد، و أحيانا في الجلسة الواحدة.

كنت أسمعها كثيرا من أشخاص كان يحلو لهم أن يسمّوا أنفسهم بالمثقّفين، و يحلو لي أن أسمّيهم بالمتعلّمين المتحذلقين، و أحيانا من أشخاص على قدر متواضع من التّعلّم . كنت أسمعها في موضعها و في غير موضعها،

و في أكثر من موضع. فلان، يعجبني كثيرا لأنّه صاحب كاريزما.. إذا أردت أن تكون مقنعا للنّاس ينبغي أن تكون لديك كاريزما.. بدون كاريزما لا يمكن للمرء أن ينجح .. أرأيت اللاعب الفلاني ، لا يعجبني ، ليست له كاريزما..فلان لا يتمتّع بكاريزما مع زوجته و أطفاله…

خذ هذه ! .أخذت سيّارتي مرّة  إلى ميكانيكيّ أجبرتني العادة و قربه من مكان إقامتي على التّعامل معه، لعيب ما كنت أريد إصلاحه، حتى لا يتسبّب ذلك  في تعطّب السيّارة و تعطيلي عن قضاء بعض شؤوني.

أمام مستودع الميكانيكي أشباح سيّارات، أجزم أنّها لن تسير في يوم من الأيّام حتّى لو جلبوا لها أكبر مهندس ميكانيكا متخرّج من أشهر كلّيات العلوم التّقنيّة باليابان أو الصّين، المعروفة بالـــ”بوليتكنيك”.للأمانة، لا أعرف حتّى هذه اللّحظة، الحكمة من وجودها في واجهة المحلّ.قلت في نفسي مرّة، لعلّ صاحب المحلّ يقصد من خلالها، لفت انتباه المارة إلى وجود محل لإصلاح السّيّارات.لكن حين رفعت رأسي قليلا رأيت لافتة إشهاريّة مجهّزة بمستلزمات الإنارة اللّيليّة الثّابتة و الرفّافة، كتب عليها بالحروف العريضة ذات الأبعاد الثّلاثة : مصحّة ميكانيكا السيّارات لفلان الفلاني، و على الجانب الأيسر من واجهة المحلّ صورة كبيرة لشاحنة لجرّ السيّارات المعطّبة، كتب تحتها : إسعاف و نقل السيّارات المعطّبة.

داخل المستودع أربع سيّارات، محرّكاتها مفكّكة جرئيّا أو كلّيا. تحت اثنتين منها تمدّد اثنان من الصّبيان بثيابهما الملطّخة بالزّيوت و الشّحوم المشبعة بالغبار، يعالج كلّ منهما السيّارة الّتي أوكل إليه أمر إصلاحها بنخبة من المفاتيح الأمريكيّة               و الفرنسيّة و الإنجليزيّة و مفكّات البراغي و غيرها من الأدوات الّتي لا يحسن لا المعلّم و لا صبيانه تسميتها بأسمائها الأجنبيّة الصحيحة ، فلا يخلو الأمر من لحن أو تحريف في نطقها.

صاحب المحلّ،  عندما رآني أتّجه إليه لأسأله إن كان قد انتهى من إصلاح سيّارتي الّتي سلّمتها له في اليوم السّابق، بادرني بابتسامة عريضة مصطنعة و سألني سؤال من لا يرغب في ردّ، إن كنت أرغب في شرب قهوة .و صاح في أحد الصبيّين :

  • أحضر قهوة لعمّك فلان و اسأله كم يريد من قطعة سكّر.

شكرته على كرمه و اعتذرت عن القهوة ، فلم يظهر على وجهه أيّ علامة تدلّ على الإلحاح ، و بادرني بالكلام عن الطّقس و كرة القدم و الأحوال  السّياسة في البلد و في العالم، منتقلا  من موضوع إلى آخر دون ربط أو مقدّمات:

  • مقدّمة النشرة الجويّة في القناة الوطنيّة تتمتّع بكاريزما عالية … أكيد أنت تعرف مدرّب فريق ” ريال مدريد “، أرأيت ما عنده من كاريزما؟ بكل صراحة يستحق المرتّب العالي الّذي يتقاضاه … هل رأيت رئيس كوريا الشمالية في نشرة الأخبار .. يا أخي،  الرّجل صاحب كاريزما لا يوجد مثلها .

ثمّ تحوّل إلى الحديث عن مشاكل العائلة و طلبات الزّوجة و الأطفال ، و عن الكاريزما الّتي كان يعالج بهاما يواجهه من مشاكل العائلة. بصراحة لم يترك لي المجال لأعرف إن كان قد أصلح السيّارة أم لا. لم أتفطّن إلاّ و هو يصيح في صبيّيه .

  • هيا .. علّقوا المفاتيح على اللوحة الحائطيّة .. ضعوا كلّ شيء في مكانه .. هيّا قليلا من الكاريزما ..

انتهى عملنا اليوم .. لا تنسيا أن تأتيا غدا باكرا.

و دون أن أسأله عن السيّارة، و دّعته و عدت إلى البيت بخفّي حنين. عندها أدركت أنّ السيّدالميكانيكي يتمتّع فعلا بكاريزما عالية،  ما دام قد لفّ بي دورة حول العالم، و لم يخبرني عن السيّارة  شيئا، و لا حتّى ترك لي المجال لأسأل عنها.هذه واحدة  من حكاياتي مع الكاريزما.. ما رأيك ؟ ! ألا تستحقّ أن أمزّق من أجلها القاموس بأكمله لا صفحة واحدة.

08/10/2018

محمد الصالح الغريسي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع