قوس من سعف النخيل

78

ظل حسام الفتى ذو الثلاثة عشر خريفا .. عفوا ربيعا من عمره يحلم بالسلام ويتمناه وظل يراه في حلمه مرة قادما بهدوء غيمة , ومرة بشخص رجل على فرس بيضاء يحمل راية بيضاء ترفرف فوق رأسه , ومرة بشكل امرأة تحمل طفلا يشع كما الشمس . غير أنه لا يزال يستيقظ على أصوات تفجيرات ضاجة تحطم كل حلم رآه الى شظايا من زجاج قاتل . وتحيل بنايات بلدته الحلوة الى حطام وأزهارها الى نثار وتحول أطفالها الى دمى ثلجية ترقد في قبور صغيرة بدل علب الكارتون الملونة المزخرفة . حتى الطريق المسفلت الذي كان يقطعه جريا لينضم الى فريق كرة القدم مع زملائه في الحي غدا جبلا رماديا يرقد في عرض الشارع باترا إياه الى نصفين لا يلتقيان . وليث صديقه حتى العظم هناك خلف الجبل الرمادي ما عاد يستطيع اللقاء به والتسلل معه لساعات في متاهات الأرصفة يحملهم حديث الطفولة الى جزر خضراء لا حجارة فيها لتفترس الأقدام ولا متفجرات لتعبث بالأعمار .
لو في الإمكان متسع لخط على كل جدار كلمته ” لا للحرب نعم للسلام ” ليظل الاخوة اخوة برغم غسيل الدماغ ويقول لهم لنشرع بغسيل القلوب . ولنام هنيئا كل ليلة وكفه فوق خده وهو يقول سلاما سلاما يا وطني , سلاما سلاما يا أصدقائي ناموا بحضن الوطن جميعا على سرر السلامة . ولمّا يئس من الأحلام وظنها مستحيلة وبدأت تقطيبة عبوس تعلو وجهه وتدفع بكوعها ابتسامته الحلوة . حتى غدا يتثاقل أن يترك فراشه مثل عصفور مع الندى المتساقط من ورق الأشجار , بل يظل فيه حتى تنتزعه أصوات الباعة المتجولين وضوضاؤهم بالقوة . ويوم نسي أن هناك أحلام وإن الأحلام يمكن أن تفوز على الظلمة ويمكن أن توقد الليل ليغدو نهارا أبلجا ويمكن للنهر أن يُطفىء النار ويغسل الرماد ويترع القلب ريا . نسي أن المتفجرات يمكن أن توجه لقلوب بائعيها وزارعيها وإن الله سلام يحب السلام وذات صباح استيقظ من نومه على رؤى كوكب يبيض حمامة بيضاء كبيرة تملأ السماء وتحمل بين رجليها كرة هائلة من ثلج لها لمعان اللؤلؤ وملمس المرمر أخذت تعطر السماء بمرآها وتعكس ظلها على شراذم المتعبين المتلهفين لشيء من سلام يحلُّ بأرضهم , وإذ نزلت الحمامة أخيرا الى السماء الدنيا رمت الكرة الثلجية لتنفلق على الأرض فتغدو نثارا يذيب جبل الإسفلت الرمادي فتمحقه فانفتحت المدينة الى فضاء يتسع باستمرار ويمتلأ بغابات من ورود شتى ليعود الناس مرفرفين الى أحضان بعضهم وهم يقطفون الورود ليجعلوا بعضها ضمات يقدمونها للعجائز الذين امتحنوا بالفراق وغياب الأبناء وضياعهم في الأرض أو خلودهم في السماء أما البعض الآخر فقد قطفوا ملء سلال وسلال من ورود منفرطة لينثروها عند أبواب المدارس والجامعات والمكتبات أو يلقونها في ماء نافورات المدينة وعند أبواب المساجد شكرا لله كما عُقدت بعض الزهور أكاليل لرؤوس العذارى الصابرات . هرع الناس بعضهم الى أعناق بعض لا فرق بين جانب وجانب فالله واحد وحب الوطن من الايمان ومن فرح زين الناس شوارعهم وأبوابهم بالبالونات والورود والورق الذهبي الملون المضفور كرات وعناقيد وقلوبا فلبست المدينة أجمل ثوب وغدت كعروس تتباهى بحلتها وحليها , وأهدرت أموال لهذا الغرض فقد سخا القوم على عرس مدينتهم وعودة الصفاء . تلفت حسام من فرح وحبور وأراد أن يعبر عما يعتمل في نفسه كما الآخرين غير إنه يعرف ما لدى ذويه من حاجة وليس الإسراف ملائما لهم ولا هو شيمة لديهم مهما كان سببه نظر الى بابهم ورآها تطالب هي الاخرى بالفرح والزينة كما أبواب الآخرين ونظر نظرة اخرى الى داخل بيته وومضت في ذهنه رؤيا فدخل فناء داره شرقية الطراز وعدا بالسلم الخشبي الى النخلة – حيث هو لا يستطيع تسلقها كما كان يفعل جده – وهذه النخلة حديقته الوحيدة وظله وحلوى شتائه , أنزل سعفتين خضراوين منها وعمد الى الباب سريعا ليطوقها بساعديه .. وبالسعفتين .. بهالة جميلة وبقوس نصر مهيب .

سمية العبيدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع