قصيدة:نجمةالفجر(للشاعرة رشا اهلال السيد احمد المفتي)

111

اللغة الصوفية في السردية التعبيرية 

بقلم : كريم عبدالله .. بغداد – العراق 16/4/2019

قصيدة : نجمةالفجر .. للشاعرة : رشا اهلال السيد احمد المفتي ( سيدة المعبد )

متىما أُبتلي القلب بنيران الحبّ وعصفت به مواجيد البُعد والحرمان , حدثت في أعماقالنفس صراعات نفسية ومكابدة تستدعي منها الاحتماء خلف جدار الصمت والرمزية وعدمالتصريح او تعلن التمرّد والافصاح عمّا يعتريها من مرارات واخفاقات وعثرات فيمحاولة للتخلّص من ضغوطات قد تؤدي الى حدّ الانفجار, فكيف اذا كان هذا القلب قلبشاعر .. وكيف لو كان قلب شاعرة ..؟؟ !.

انالذات الشاعرة المبتلية دائما تبحث عن النجاة وتشرئب كلماتها نحو الضياء , وقدترتفع وتسمو عن الارض وما فيها من المحن واللجوء الى السماء والتقرّب من الذاتالمقدّسة والاحتماء تحت انوارها القدسية , فتكون حينذاك اللغة عبارة عن مفرداتمكتوبة فوق سطح الروح بهيّة , انها عبارة عن ترانيم منتزعة من أعماق هذه الذات ,لغة حبّ عظيم وتجلّي وسلام لغة راعشة كالغصن الطريّ حين تداعبه الريح , غضّةمتفتحة كالازهار تفوح بالعطر اذا ما أحسّت بالهناء والهدوء والسكينة , وضامرةتتوشّح بالسواد اذا ما انتابها الهجر والبُعد عن الحبيب .

مثلهكذا لغة يمكننا ان نطلق عليها اللغة الصوفية كزنها لغة اشراق تصدر عن معرفة لاسلطة للعقل عليها , لغة تنبعث من مواجيد القلب المتيّم , انها الجسر الذي تعبر عليهالروح في محاولة للكشف والبحث عن الاطمئنان والخلاص كونها نابعة عن تجربة صادقة ,يلعب الخيال الشعري الخصب لعبته في عملية الترابط ما بين المحسوس واللامحسوس وبينما هو ظاهري ولا ظاهري وما بين المقدّس والمدنّس , انها لغة المناجاة والهمس مابين العاشق والمعشوق .

منخلال متابعاتنا اليومية لمجموعة السرد التعبيري , المجموعة التي تهتم وتعتنيبالقصيدة السردية التعبيرية الافقية والتي تكتب على شكل كتلة واحدة وبفقرات نصّيةمتوالية من دون تشطير او فراغات او نقاط , بدأنا نكتشف ملامح قصائد كبيرة يتوجبالوقوف عندها طويلا وقراءتها بما يتناسب مع جماليتها ومستوى الابداع فيها , معالعلم نحن لسنا بنقاد وانما نقراءها كمتذوقين للشعر والجمال ونهتم بهكذا كتابةابداعية جديدة . واليوم اخترت قصيدة الشاعرة السورية المغتربة : رشا اهلال السيداحمد المفتي ( سيدة المعبد ) لما وجدنا فيها من لغة صوفية مشرقة , من العنوان سوفنتلمس الصوفية واضحة ومتجلّية فيها / نجمة الفجر / حيث انجلاء الظلام وذهابالعتمة ومجيء الفجر , وهذا وقت انكشاف الضوء قبل شروق الشمس وهو وقت جلوس العاشقفي محراب المعشوق في محرابه وممارسة طقوسه . تبدا القصيدة بـ / فراشة قلبي /هذه اللغة الشفيفة المنبعثة من أعماق الذات الشاعرة المبصرة بقلبها الممتلىء عشقاووجدا وهياما في سرد تعبيريّ لغته هامسة جوانيّة وحوارية ملامحها تنمّ عن تجربةروحية نقيّة ../ تسأل عن حديث الروح للروح و عن حديث النفسللنفس وتهزأ من سكرة الإلم إذا ما أشتد عصفها في أصقاعي من لُجة البُعد ../ .. هنانجد ارتباط الشعر بروح الذات الشاعرة ارتباطا وثيقا والتلذذ بالألم المبرحلارتباطه بالمحبوب , فكل ما يأتي منه فهو خير كونها قريبة جدا ومرتبطة ارتباطاروحيا ونفسيا وهذا ما نجده هنا .. / أيها العرفانيالمحلق .. أقذفني ببعدك أكثر ولا تبالي !!!!!!../ .. ان الذات الشاعرة قد توحّدت مع الذاتالاخرى وانصهرت لتتشكّل متعالقة معها كي تحيا بها ومعها , فوجود الذات الشاعرةمرتهن بوجود هذه الذات كما في هذا المقطع .. / تظل أنتَ هوائي الذي أتنفسه حياة ونبضَ حياتي الذي أستقيه لأحيا ../ .. ومنثم تنحى الذات الشاعرة منحى فلسفيا وبلغة صوفية ممتعة لترسم لنا هذا القربوالتماهي مع الذات الاخرى رغم اتساع رقعة / المكان والزمان / كون العلاقة علاقةروحية تفاعلية ايجابية كما في هذا المقطع ../ فمهما أمتد البعد بيننا فأنت بقية نفسي التي أهوى وروحاً من روحي إشتقهاالإله ../ .. وتتلاشى الذات الشاعرة مع الذات الاخرىحيث يعصف في أعماقها بحر من الوجد والهيام , فهي طمّاعة في طلب العشق والبحث عنالسلام والهدوء , باحثة عن كنه هذه الذات واسرارها الخفية , لكنها مستيقنة بهذاالحضور والذوبان والتماهي كما في هذا المقط ../ ومن حديث الجوى زدني أيها الفارع في قلبي حد السماء , السماء التي تبوحنيبأسرارك الخفيات ساعة التجلي لتذوب داخلي أكثر ../ .. انها تصرّح علنا بأنّ عشقها عشق عذريّ بدأمنذ القدم , وكأنها تتحدث عن عالم الذر وكيف تآلفت واستكانت الى هذه الذات الاخرىكونهما قد تعرفا هناك وعندما حلّت في جسديهما تابعتا حياتهما على الأرض فاصابهماما أصابهما من الكدر والتعب والألم والبُعد , انه قدرهما الذي لا مفرّ منه ../ تيمُكَ ذاك الذي تخاف يصل بكَ حد الوله بي , هو ولهٌ وتولّهٌ بكَ قبلآلاف السنين فلا تلقي بالاً وما هي ألا أقداراً مختومة يفضُها القلب !../ .. انّالقلوب النقيّة والمحبة دائما يتبعث منها الجمال والسلام والاشراقات , كونهاملتهبة بالحبّ ترى بان هذا العالم عبارة عن صفحة تتكشّف لها حينا بعد حين وهي تنظربعين البصيرة , فهي ذوّاقة تنساب منها العبارات مشحونة بالعاطفة المتأججة  ../ ولا تعجب إن كان وهجُ نفسي يهبُ إليكَ طقوساً إستوائية كل حين يستقيضَوعاً طيباً من فجرِ النساك الأسياد , فوحدك من يتوضأ بعبقهِ القلب دوناً عنالعالمين
و عصافير قلبي السامية الغناء تسكن حدائقك قدراًفوق شجرة الياسمين التي تعلوها نجوم السماء الشعر البوح فلا تعجب إذ رشيتُ داخلكهو فضل الإله حين يشاء ../ .. لو تأملنا هذاالمقطع لوجدنا المفردات التالية / وهجُ  / نفسي / طقوساً / فجرِ / النساك / فوحدك / يتوضأ / القلب / دوناً عن العالمين /قلبي / قدراً / السماء / البوح / داخلك / الإله / نجدهاذات دلالات صوفية تنمّ عن تجربة تعيشها الشاعرة , وهذا المقطع بالذات نشمّ فيهرائحة تواشيح صوفية تلهب النفس وتثير المشاعر لدى المتلقي , نجد هنا كيف تشرّب هذاالعشق الطافح بكل هذه المشاعر في قلب الشاعرة فأصبحت هذه المقطوعة عبارة عن شعلةمتأججة لا تعرف الانطفاء . وهنا نجد لغة جوانية مشرقة ../ فأنتَ رعشة الفؤادالمُنبعثُ وأنت نبضيَ المتكلمُ من بهاءِ الأولين داخلي ../ .. فاذا تأملنا هذاالمقطع سنجد تماسك هذه اللغة التي ترتفع بالذات الشاعرة بعيدا تسبح في عالم منالبهاء والضياء , لغة راعشة تكشف عن ذات مرهفة واحساس مشعّ وعن مقدرة عالية فيتطويع المفردة واعادة صياغتها بكل هذا البهاء والانزياح المدهش . وهكذا تستمرالشاعرة في تراتيلها الصوفية الوجدانية الزاخرة بالصور الشعرية التي تمتلك منالازياح ما تمتلكه اللغة ومن ايقاع موسيقي داخلي عذب يترقرق , وكأن الشاعرة فيتسابيحها هذه في رحلة تعرج روحها الى محراب المعشوق بسلام وطمأنينة , انها رحلةتطهير الروح وتخليصها مما لحق بها من درنات الدنيا ومشقاتها والبحث عن اللذّةالروحية والتسامي . وهنا في هذا المقطع ../ هذي نفُسكَ .. روحكَ ..قلبكَ ..قَصائدُكَ .. نثركَ .. أنفاسكَ .. تموج بدمي موجاً إن كتبت أحرفه حباً لن أنتهي ,فسبحان من سواك مسكني وسبحان من جعلني لك موطناً ../ .. كيف تتماهىالذات الشاعرة مع الذات الاخرى وكيف تتخلّص من ثقل الجسد وهمومه وسطوته , وكيفيكون اللقاء مع المعشوق والترفّع والسمو . لتختتم الشاعرة قصيدتها الصوفية بهذاالزخم الشعوري العنيف والمجلجل ../ فزدني ببعدك طعناً ما عادت تكترث الروح فأنْمتُ فأنتَ سر إنبعاثي ../ .. انها لحظة التلذذ بالألموالتلاشي مع الاخر والانبعاث من جديد كروح نقيّة متطهّرة من كل ما لحق بها بسببهذه الحياة .

هكذا استطاعت السردية التعبيرية ان تمنح الشاعرة : رشا اهلال السيد احمدالمفتي ( سيدة المعبد ) هذا الفضاء الشاسع والمترامي الاطراف لتنعشنا بهذه المقطوعةالزاخرة بكل هذا التوهج والجمال والدهشة .

النصّ :

فراشةقلبي …..
تسأل عن حديث الروح للروح و عن حديث النفس للنفسوتهزأ من سكرة الإلم إذا ما أشتد عصفها في أصقاعي من لُجة البعد
أيها العرفاتي المحلق ..
أقذفني ببعدك أكثر ولا تبالي !!!!!!
تظل أنتَ هوائي الذي أتنفسه حياة ونبضَ حياتي الذيأستقيه لأحيا
فمهما أمتد البعد بيننا فأنت بقية نفسي التي أهوىوروحاً من روحي إشتقها الإله
ومن حديث الجوى زدني أيها الفارع في قلبي حدالسماء , السماء التي تبوحني بأسرارك الخفيات ساعة التجلي لتذوب داخلي أكثر
تيمُكَ ذاك الذي تخاف يصل بكَ حد الوله بي , هوولهٌ وتولّهٌ بكَ قبل آلاف السنين فلا تلقي بالاً وما هي ألا أقداراً مختومةيفضُها القلب !
ولا تعجب إن كان وهجُ نفسي يهبُ إليكَ طقوساًإستوائية كل حين يستقي ضَوعاً طيباً من فجرِ النساك الأسياد , فوحدك من يتوضأبعبقهِ القلب دوناً عن العالمين
و عصافير قلبي السامية الغناء تسكن حدائقك قدراًفوق شجرة الياسمين التي تعلوها نجوم السماء الشعر البوح فلا تعجب إذ رشيتُ داخلكهو فضل الإله حين يشاء

فأنتَ رعشة الفؤادالمُنبعثُ وأنت نبضيَ المتكلمُ من بهاءِ الأولين داخلي

نجمة الصبح …
تلك التي أسمهاالرشا لها من عينيكَ كل فجرٍ سكرة ونشوة إنبعاث فأنت تعلم كم تحب إرتشاف خمرةالروح كلما تضوع مسكك في إفقي وفاح الحنين
هي نجمة يعبقهافرطُ الولعٍ فزدني ولا تبالي فكأسي لا تملأ ترياقها إلا من سلطان قلبي بريقٍ رقَلي بوحه حتى لامس مني الشغاف والأنجما
تبوحني أسراراً فيالنفس رهيفات تغرق أعماقي من لذة شفوفها قبل أن تنتهي تداهمني السكينة بثوب مننعاس
قد أنِسَ البُعادبيننا موطناُ وأن كنا في تساكن لا يبرح الأنفس ِ فمتى ستطوي مسافات البعد ولعيونيالمولعة تحضرُ ؟؟!!

هذي نفُسكَ ..روحكَ ..قلبكَ .. قَصائدُكَ .. نثركَ .. أنفاسكَ .. تموج بدمي موجاً إن كتبت أحرفهحباً لن أنتهي , فسبحان من سواك مسكني وسبحان من جعلني لك موطناً
فزدني ببعدك طعناًما عادت تكترث الروح فأنْ متُ فأنتَ سر إنبعاثي .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع