قراءة في مسرحيّة(داني) تأليف و اخراج خلود غازي الشاوي

25

مسرح الدمى وأثرهُ النفسي في تعديل السلوك

قراءة في مسرحيّة ( داني ) – تأليف ,اخراج : خلود غازي الشاوي- البصرة .

بقلم : كريم عبدالله – بغداد / العراق 10/6 / 2020 .

 

أنّ ما تتعرّض له الشعوب والأمم من محنوويلات وحروب وكوارث سيعمّ خرابها على الجميع وتترك بصمات آثارها وتأثيراتها واضحةفي النفس البشريّة , وستتأثّر الحياة بما تنتجه من تأثرات سلبيّة عديدة لا ينجومنها الكبير والصغير , وستغيّر من سلوكيات المجتمع وستفرض نمطاً آخر للحياة ,وطرقا مناسبة للتعامل معها ضمن هذه الظروف الجديدة , وستظهر ثقافة أخرى تحمل نكهةهذه الكوارث والويلات . وبسبب هذه الظروف الجديدة فقدنا الكثير من الجمال , وزحفالخراب ممتشقاً سيفه يحزّ بوادر الخير والضياء , ومن ضمن ما فقدناه تحت قسوة هذهالحياة الجديدة مسرح الطفل وبالخصوص مسرح الدمى , هذا المسرح الذي كان وسيبقى ضمندائرة أهتمام الطفل وتعلّقه به , هذا المسرح الذي ينمّي قدرات الطفل المختلفةالذهنية والحركية والوجدانية والحسيّة وحتى الجمالية . هذه الشخصيات ( الدمى )البشرية والحيوانية الصغيرة لها تأثراتها النفسية في لفت أنظار وأنتباه الطفلوتحريك مخيّلته وتصحيح السلوكيات الخاطئة بطريقة مسليّة من خلال اثارة الضحكوالمرح والأهتمام والتركيز على ما تطرحه هذه الشخصيات من أفكار يجب أن تتوافقأولاً مع حالة الطفل النفسية واستعداداته والمراحل العمرية له , هذه الشخصيات (الدمى ) بالوانها الزاهية وحركتها المثيرة للضحك والمتعة ستكون قريبة جداَ منذهنية الطفل وبمقدورها تصحيح الأفكار الخاطئة وزرع نزعة البحث عن الصواب عن طريقالتثقيف وأيصال القيم الفاضلة وتعزيز النبيلة في نفوس الأطفال والتي هي عبارة (نفوس الأطفال ) عن صفحة بيضاء يمكننا بسهولة الكتابة فيها كل ما نريد عن طريقالتخطيط الصحيح والمدروس علمياً ونفسياً واجتماعياً .

أنّ مسرحية الدمى ( داني ) وهذا هو عنوانها ,أستطاعت مؤلفتها ومخرجتها الأستاذة : خلود غازي الشاوي أن تجعل من شخصياتها شخصياتفاعلة ومؤثرة من خلال النصّ المسرحي , ومن خلال طريقة تحريك هذه الشخصيات ( الدمى) وحركتها على المسرح , بحيث كانت هذه الشخصيات ( الدمى ) قريبة جداً من الأطفال .

من خلال قراءة النصّ المسرحي يتبين لنا أنّالأجواء تبدو مشحونة بالقلق والخوف هذا منجهة , ومن جهة ثانية سيطرة الثقافة الجديدة على افكار ومشاعر وأهتمامات الأطفالوتمرّدهم وعدم اللامبالاة , كما في هذا المقطع من النصّ المسرحي / داني يدخل منالباب وهو يستمع الى أغنية ( الوقاية للأطفال ) / في جوّاله / ويتراقص عليها / وهويرتدي كفوف وكمّامة / ويرمي كيس شيبس / . هنا نجد بأنّ ( الدمية – داني ) كان خارجالبيت , وسنعلم فيما بعد عن طريق قراءة النصّ بأنّ هذا اليوم هو يوم الأمتحان له ,ثم نجد هناك أغنية تدعو الأطفال للوقاية يستمع إليها من خلال جوّاله الشخصيّ ,بينما هو يرقص وفي نفس الوقت يرتدي كفوف وكمّامة , وبكل سهولة وبعدم اللامبالاةيرمي كيس الشبس . هذه المشاهد كلّها مشاهد تدلّ على بوادر ثقافة جديدة وتغيّرات فينمط الحياة وسلوكيات أطفالنا ما عهدناها من قبل , هذه التغيّرات تركت بصماتهاواضحة عليهم , ولمسنا ذلك من خلال تصرّفات ( داني ) الطفل المشاغب والعنيد . ثمنجد حرص الأم وخوفها الشديد على تعقيم كلّ شيء حتى ولدها ( الدمية -داني ) , فيردّعليها ببراءة / ما هذا يا امّي هل انا حشرة ..؟! / ,. ثم تدخل الأم الى صميم الموضوع أو الحدث حينما تقول له / لكن فايروسكورونا يبقى على الأسطح / . أذاً نحن أمام مشكلة وكارثة حقيقية وليست طرفة كمايتصورها الطفل ( الدمية – داني ) . ثم نجد ملامح غريبة وغير مقبولة أجتماعياً فيشخصيته متمثّلة بـ / العناد / عدم الأستماع الى النصائح والأرشادات / والكذب / رغمكلّ التأكيدات , ثم حالى اللامبالاة حينما نعرف من خلال النصذ المسرحي بأنّه لمْيرتدِ الكمّامة والكفوف حينما كان خارج البيت , ثم تظهر على المسرح شخصية أخرى (شخصية أيجابية ) هي شخصية ( الدمية – زينة ) شقيقة ( الدمية – داني ) المثابرةوالمجتهدة حينما تُجيب على جميع الأسئلة الخاص بها , وهنا أيضا نجد ملامح جديدة فيحياتنا وهي / الأمتحان الألكتروني / , وهذا ما فرضته علينا وعلى أولادنا الظروفالجديدة التي نعيشها الآن بسبب هذا الوباء اللعين . وبعدها نشاهد ملامح خطيرة فيسلوكيات هذا الـ ( الدمية – داني ) وهي لعبة ( البوبجي ) , هذه اللعبة التي تتحدثعن / القتل / السلاح / الموت / الرعب / الخوف , نتلمس ذلك من خلال ما جاء في النصّالمسرحي , فنقرأ / يلعب البوبجي / اين السلاح / سوف يقتلوني / أوف لقد قتلوني /,هذه ملامح وسلوكيات فرضها علينا الواقع الجديد , واقع الأزمات والقتل والحروبوالدمار , سلوكيات خطيرة أينعت بذورها في نفوس أطفالنا وترعرعت في أحضانها . ثمنجد الفشل الذي كان ينتظر شخصية ( الدمية – داني ) حينما نجده خلال النصّ المسرحي/ يصرخ / السؤال الأول صعب / والسؤال الثاني صعب / والثالث ايضاً / أنا لا أستطيعأن أُجيب على اي سؤال / , أنّها حالة الفشل الذريع .

لقد استطاعت المؤلفة والمخرجة : خلود غازيالشاوي من خلال مسرحية الدمى هذه أن تنفخ في الرماد وتدعو الى الأهتمام بهذاالمسرح المهم والفعّال في حياة الطفل من خلال نصّ مسرحي نموذجي مترابط الأفكارومتسلسل الأحداث , وبدون ترهّل أو حشو , فكانت الفكرة واضحة وقريبة من تفكير الطفلعن طريق واقعيتها مكانياً وزمانياً . أنّ أختيار الشخصيات في هذه المسرحية كانمدروساً وذكياً عن طريق قلّة هذه الشخصيات وفعاليتها ضمن الأحداث المرسومة بعنايةودراية لها , وطريقة طرحها للفكرة بصورة بسيطة وغير معقّدة ومحبّبة وقريبة من خيالالطفل , ثلاثة شخصيات فقط هي / الأم / الأبن / البنت / جعلت من يشاهدها يتفاعلمعها ايجابياً وتشدّه إليها من البداية حتى النهاية .

أنّ صناعة الدمى بهذه الملامح الغير معقّدةستجعل الطفل ( المتلقي الأول ) يتمكن من الأحتفاظ بها في ذاكرته , ومن ثمّ يسترجعالفكرة التي طرحتها في هذا العمل المسرحي . لقد استطاعت ( خلود غازي الشاوي ) انتشغل كلّ حيز التفكير الطفل وشحنه بفكرة واحدة هي الوقاية والتثقيف والترفيهوالتسلية , وتحريكها بطريقة ذكية تتلائم مع الفكرة المطروحة في هذا العمل . كاناستخدام بعض المشاهد المساعدة استخداماً ذكياً استطاعت ان تُنضج فكرة المسرحية عنطريق الأغنية الأولى في بداية المسرحية والأغنية الثانية في نهاية المسرحية , كونهكذا أغاني تثير فضول الطفل وتجعله يتفاعل ايجابياً مع الأحداث المرسومة فيالمسرحية وتقبّلها دون عناء , حتى الصوات كانت تتلائم مع أعمار الدمى في المسرحية, فكانت اكثر حيوية وواقعية .

أنّ التكوين العقلي والنفسي للطفل تجعله لا يتذوقالألحان الموسيقية المعقّدة والتي تشمل توزيعاً موسيقيقاً دقيقاً للأنغام والأصوات, لكن في هذه المسرحية نجد أن الأيقاعات الموسيقية كانت محبّبة ومنسجمة جعلت منالطفل يطرب لها ويتفاعل معها . ثمّ أنّ العين في مرحلة الطفولة هي عبارة عن عضوغير مكتمل , ومن ثمّ لم يكن من الملائم للطفل في هذه المرحلة العمرية أن يزاولويتابع اي عمل يتطلب تدقيق واجهاد والبصر , وإلاّ الحقنا ضرراً جسيماً بصحتهالجسمية والنفسية , لكن من خلال هذا العمل المسرحي نجد سهولة وبساطة الشخصياتوالأحداث وعدم تعقيدها , مما يسبب الأرهاق والنفور لدى الطفل . أما الأنتباه ,فنحن نعلم أنّ الأنتباه إلى شيء معين او فكرة ما يتطلب قدرة على حصر النشاط الذهنيفي أتجاه معين مدة معينة من الزمن , في هذه المسرحية لم نجد اي جهد مضاعف من الطفللمشاهدة ومتابعة أحداث هذه المسرحية . ثم أنّ هذا العمل تطرّق الى أفكار بسيطة وغير معقدة لكنها تحمل مضامينمهمة , افكار واضحة وقليلة , وهذا يعني إذا اردنا أن نلقّن الطفل شيئاً ما , وجبعلينا أن نراعي بساطة المادة وقلّتها ,اهميتها في نفس الوقت , ومن هنا نجد الصعوبةالبالغة في الكتابة للطفل , لأنّ من الصعوبة على الطفل ان يركّز نشاطه الذهني علىعمل واحد ولفترة طويلة , لأنّ قدرته على حصر الأنتباه لا تتعدى سوى فترة ضئيلة منالزمن تطول أو تقصر تبعاً لأهتمام الطفل بهذا العمل أو عدم أهتمامه به . وهنا فيهذا العمل نجد قصر الوقت وبساطة الفكرة ووضوحها كما قلنا سابقاً , جعل من هذا العملالمسرحي عملاً ممتعاً وبثذ روح التفاعل الأيجابي لدى الطفل , فكان هذا العمل قدعبّأ الدوافع النفسية ونظمّها من اجل تحقيق الغرض ومن ثمّ زاد في القدرة علىالتحرر من كلّ دخيل من المنبهات الخارجية التي تشغل تفكير الطفل وتشتت تركيزه .

أنّ مسرح الدمى يستطيع أن يمرّن الطفل علىثتبيت أنتباهه بمجهود ارادي متصل وتعويده على التحكم في نشاطه الذهني من خلال عملفني منظّم يهدف الى مساعدة الطفل على تجنب الوقوع في المشاكل بصورة عامة ,وأختياره الحلّ والتكيّف وفقاً للوضع الجديد , واكتسابه المقدرة على توجيه ذاتهدون الأعتماد على اي شخص الآ في المشاكل التي تتطلب تدخل الأخرين حينما يعجز عنايجاد الحلّ المناسب لها .

لقد فقدنا وافتقدنا الى مسرح الطفل وبالخصوصمسرح ( الدمى ) الفعّال والجادّ , وأسلمنا أطفالنا يضيعون في متاهات الشبكةالعنكبوتية , وتلبّدتْ براءتهم وتصحّرتْ نتيجة هذا الهوس داخل عالم مليءبالمتناقضات . مازال الكثير من الأجيال تتذكر مسرح الدمى وبالخصوص شخصية ( القرقوز) تلك الشخصية التي أحبّها ويحبّها للآن الكبير قبل الصغير , تلك الشخصية المحبّبةوالعجيبة التي جعلت الجميع يتفاعل معها أيجابياً وتقبّل الأفكار التي كانت تطرحهابطريقة كوميدية هادفة .

أنّ هذا العمل الجادّ هو دعوة حقيقية للجميعفي أن تتضافر جهودهم وتنتشل طفولتنا من الضياع القادم , وبثّ روح الأمل في مسرحالدمى من جديد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع