قراءة في قصّة (لمن تشرق الشّمس) للكاتبة القاصّة هدى حجاجي أحمد

50

قراءة في قصّة (لمن تشرق الشّمس) للكاتبة القاصّة المصريّة الأستاذة الصّحفيّة هدى حجاجي أحمد
محمد موسى العويسات ــ القدس ـ جبل المكبّر


القصّة وقائعها في قرية الكاتبة الحاجر كما أشارت في تذييلها للقصّة،
تبدأ القصّة بطفل يضع في حجره رأس أبيه الذي كان يُحتضر، وأخذ يتذكّر طفولته وهو يتصبّب عرقا في ظلمة حالكة، ومن هنا أي من خلال تذكّره بدأت الكاتبة بتصوير بؤس الحياة في تلك القرية، ومعاناة أطفالها، ومشقّة التّعليم فيها، وصعوبة الوصول إلى المدرسة. وهكذا رسمت الكاتبة من خلال هذا الطّفل الذي لم تسمّه، أنموذجا لكلّ أطفال الأرياف والقرى النّائية البائسة، بل رسمت صورة لحياة تلك القرى من خلال هذا الطفل، تغلغلت الكاتبة في تصوير نفسيّة هذا الطفل بدقّة شديدة، فهو طفل يتيم الأمّ، ماتت أمّه وهي تضع أخته، يتكبّد عناء الوصول إلى المدرسة في أجواء ماطرة، تبلّلت ثيابه، يقسو عليه معلّمه فيبقى تحت المطر، الطّفل في صراع نفسي أثاره سؤال: “لماذا يذهب إلى المدرسة”. لماذا لا يكون كالذين ضاعوا في الصّحراء. يعني لم يتعلموا. الطّفل يعاني العزلة بعد أن وصفه زملاؤه بالعبيط ونبذوه، ولم يكن يلعب إلا مع أخته الذي تسبّب في موتها، الطّفل دائم التذكّر لأمّه يحفظ بعض أقوالها، وقد وزعت الكاتبه حضور أمّه في القصّة لليتناسق مع جوّ الأحداث، ففي طريق عودته إلى القرية سيرا على الأقدام، منهكا جائعا عريان، ناقما على الحياة، حانقا مبغضا للمتخمين أصحاب العربات، يتذكّر قولة أمّه (إنّ الشّمس لا تشرق لأمثالنا أبدا يا بنيّ)… ثمّ عندما عاد إلى القرية ليشهد موت أبيه، وأطلّ عليها من التّلال، وتمتّع بمنظرها، تذكّر قول أمّه: ” إنّها لا تخشى الموت ولكنّها تخشى الغياب بعد الموت وتخاف ذلك السّكون الذى يتبع النّار المطفأة، إنّ الميول والرّغبات ترقد فى النّهاية تحت القبر المتجمّد قبل أن تنال حظها من التّحقيق” أوحى له ذلك بالسّؤال: فما فائدة التّعليم إذن, إنّ المتعلّمين والنّاجحين يتجنّبون النّتائج الحقيقيّة ومعظمهم سيّئون، وهكذا أوحى له سكون القرية عندما أطلّ عليها في أول المساء، أجواء من الظّلمة والموت. ولكنّه تذكّر أيضا قولها: سيأتى يوم يعيش فيه الناس سعداء وأصحاء ولن يموت إلا الكبار. فهناك بعض الأمل، فتذكّره لأقوالها هذه على تناقضها يعكس الصّراع النّفسي الذي يعيشه الطّفل، يعاني ويتذكّر مقولة أمّه المحبطة (الشمس لا تشرق لأمثالنا)، ثمّ يراوده شيء من الأمل فيتذكّر نبوءتها بأن يأتي زمان يعيش فيه النّاس سعداء.
وهكذا تكون الكاتبة قد أبدعت في التوصيف النّفسيّ لطفل من قرية تعيش البؤس والتخلّف المدنيّ والفقر وقلّة التعليم وانعدام المدارس، وتردّي الأوضاع الصّحيّة التي يموت فيها الصّغار قبل الكبار، فالطّفل يعاني اليتم، والفقر، والعريّ، والتّعب، والشّقاء، فولّدت لديه الشّعور بالعزلة، والعدوانيّة، والنّظرة السّلبيّة للعلم والمتعلّمين، وعقدة الذّنب، والحقد على المترفين والمتعلّمين، ولكنّه يحتفظ بإنسانيّته وعواطفه، فيبكي على أخته ويبكي على أبيه، ويأمل أن يأتي يوم يعيش فيه النّاس سعداء أصحّاء.
وقد أبدعت الكاتبة أيضا في الرّبط بين الشّخصيّة والمكان، فأرض مبلّلة كالطّفل أيضا، والشّارع طويل، ” كان يترنح قليلا وهو يصعد حافة تلال القرية الجنوبيّ، ظلّ ينظر إلى أسفل مستمتعا برؤية القرية من فوق التّلال”، فالمكان وطبيعته له أثر في تكوين هذه الشّخصيّة، وكذلك الأجواء البيئية من مطر وارتفاع لدرجات الحرارة، والشّمس الحارقة، والظلّ الذي كان يراه الطفل صديقه المخلص.
كان اختيار الشّخصيّات الثانويّة، في غاية من الأهمّيّة، وبخاصّة العنصر النّسائيّ، الأمّ التي تزوره في منامه وبحفظ أقوالها الحكيمة، وأضاع المصحف الصّغير الذي أهدته إياه، والأختين إحداهما تسبّب في موتها فورث عقدة الذّنب، ومريم التي كانت أول من أحسّ بقدومه فألقت بعذق التّمر واستقبلته، والجدّة التي كفّ بصرها، وكلّ واحدة من هذه الثلاثة الأم والجدّة والأخت، لها دلالات وإيحاءات يقف عندها القارئ المتمعّن، فقد تكون الأم الحاضر المفقود البائس، والجدّة التّاريخ الذي ولّى، والأخت المستقبل الذي تهاوى بعضه بموت البنت أحلام وبقي بعضه في مريم… أمّا موت الأب فلا شكّ أنّ له دلالات كبيرة في البيئة القرويّة، منه فقدان الرعاية والضّياع، وفقدان الهويّة. وقد وفّقت الكاتبة في هندسة القصّة بحسن الاستهلال وحسن الغلق، فقد بدأت باحتضار الأبّ في حجر ابنه وانطفاء النّار التي أضاءت المكان واستغراق الطّفل في التّذكّر، وانتهت بالجدّة التي كفّ بصرها، وسؤال الطّفل: هل مات أبي؟ “تحسّسته بيدها الخشنة المليئة بالعظام، وجهه ورقبته وأكتافه كما يتحسّس الطّبيب جسد مريضه، ثمّ تنهّدت بعمق وسالت الدّموع فوق وجهها القديم… خفض الحاضرون رؤوسهم كما يحدث للصّلاة وقال : هل مات أبي يا أمّي .. هل مات دون ان أراه …. فسكت الجميع.” فالعلاقة بين هذين الطرفين الاستهلال والغلق وثيقة جدا، وفائقة النّجاح.
أمّا اللّغة فقد جاءت ترسم الصّورة باللّون والحركة والصّوت في ألفاظ سهلة سلسة ذات دلالات موحيّة، ضمن أسلوب يليق به أن يوصف بالسّهل الممتنع. وكان التّرابط اللّغويّ السّرديّ والقصصيّ وثيقا، مع حفاظه على الفجوات الفنيّة في تسلسل الأحداث، وانعطافاتها الجميلة.
وأخيرا قد وجدت الكاتبة قد أبدعت بخيالها الواسع في وصف الواقع المحسوس الملموس في كثير من بيئاتنا العربيّة المهمّشة التي لا تعرف من الرّعاية شيئا، ويعيش أهلها بين موت ماحق وجهل مدقع، فهذه القصّة من الأدب الواقعيّ، الذي يحمل رسالة جليلة.
القدس 26/12/2020

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع