قراءة في ديوان(مرايا زرقاء) للشاعرة أروى شريف جاف

25

جلال جاف/

قراءة في ديوان(مرايا زرقاء) للشاعرة أروى شريف جاف

يطرح عنوان هذا الديوان أسئلة متشاكلة بين نصوصه التي تنقسم الى مجموعتين شعريتين, حيث وجّهت الشاعرة خطابها الشعري كنبع جمالي من آلية المكاشفة البصرية بين مرايا اللون الأزرق وموجهات النّص, تجربة الشاعرة “أروى الشريف” تقوم على أساس إنعكاس اللون الأزرق في مرايا النصوص التي تتوسع بتأثير فعل “اللون الأزرق” مسهما في تفعيل مسارات جديدة لإثارة الصور الشعرية السحرية في ذاكرة المتلقي , لذا فان لشعرية “الزرقة” أهمية معقدة ذات طابع إشكالي , كونها ترتبط بالتراث العالمي في أنساق التعبير و الإيحاء و هنا تكمن صعوبة اللغة المستعملة , وكيفية تصوير وإبداع لون أزرق يطفو على كل النصوص. وكيف سنجد في رحلة إكتشافنا للديوان موهبة الشاعرة في الإنتماء الى “مدرسة الشعر الأزرق” ؟
تبدأ رحلة الشاعرة بالغوص في بحر من الإشارات الصوفية والدلالات التي تعكس مقامات ومرايا اللون الازرق من سماء وماء و جبال “أهقار” تتفجر منها نواة الإبداع والمخيال البعيد المدى , إذ تتمكن الشاعرة من تطوير أدوات الكتابة بلغة شعرية زرقاء معتمدة على تقنية “التناص” مع نصوص تؤثث لخطاب سردي بحيث يمّكنها من إبتكار لغة نثرية لا تقوم على الإبلاغ والإخبار بل على زخم ووهج صور شعرية جديدة تنبع من عناصر الزرقة “الصهيل , البريق , دم الحريق ” حتى تتناسب مع موضوع كل قصيدة بشعرية التصوير والإيحاء فإذا “النثر مشبعا بالصور الشعرية” ومتوهجا بالرؤى الزرقاء و الأنوار ذات الخصوصية الشعرية “الجينية” التي تحدد أهم خاصية ل”المدرسة الزرقاء” و تلك الخصوصية الشعرية هي مغامرة لم يكن ممكنا أن تقوم بها الشاعرة لولا “إستعدادها الجيني” بفضل الإرث الثقافي الذي تزخر به تلك المحاورة الوجدانية الممتدة على ألاف السنين من خلق الانسان وتأملات الذات الهادئة و الثائرة في نفس الوقت لرسم معالم حلم يضيء مسارات هي مقامات الروح المتصوفة التي تشع زرقة و نورا و تحولات كل قصيدة , في شعر الزرقة لا تعطي الشاعرة تفاصيل عن الرجل و لا تكتب بدلالات الجسد لأنها إختارت لغة القداسة الشفيفة لروح الحبيب.

تركز الشاعرة على تشكيل فضاء النص مستلهمة “العناصر الزرقاء” من بيئتها لتبعث الواحات من صمتها بألوانها الذهبية و تحولها الى ألوان البحر و السماء وتمزج ألوانها الصحراوية بحميمية المشاعر و تنقل العرش الى عرش الانسان الأول حيث يكون الماء عنصر التكوين الأول وتلقي الضوء على رموز تجردت من بيئتها البكر؛ نذكر على سبيل المثال :
طارت اليمامة من شباكي..

يمامة جالت بالحديقة
المستلقية بين” السيف”* و” الدزيرة”*
طارت ثم حطت على جيد نخلة
تسمو في سماء دانية القطوف
شدت بقرب الواحة الزرقاء
تغنت بالحان صوفية ضوئية.

إنّ تفاصيل حياة المرأة في الجنوب الغربي الجزائري تنعكس على كتابة الشاعرة في محاولات لإعطاء المرأة مكانتها الحقيقية و التي تتلبس بوشاح الزرقة و لا تكشف الشاعرة عن رغباتها أو تتعمق في ذلك بل تترك القارئ يكتشف ملامح المرأة التي تعشق داخل هالة من الرذاذ و عاصفة من برق و رعد. نتوقف عند قصيدة:

إنّه يشبه قلبي و لكن..

ذلك الزورق الأزرق هناك..
أراه يزحف في بطن الصحراء
ذلك الزورق هناك
يتطاول على الكثبان
و على إستبداد الشمس
و الاحتراق
يبحث عن واحة مطرية

حيث تشّبه الشاعرة قلبها بملحمة “زورق أزرق” و الزورق لا يبحر في الرمال بل أرادت الشاعرة نسج علاقة سيميائية بين إشارتين تسبحان في فضاء متناقض بين فضاء الصحراء وفضاء البحر كدلالة واضحة على أن الشاعرة تشق طريقها بقلب أزرق كالبحر نحو فضاء تتطلع اليه في عالم الشعر الواسع الآفاق و” سماء أخرى” في كون الزرقة لتحلق فيها بحرفها و كلماتها.
من الضروري الإشارة الى أنّ الديوان مقسم الى مجموعتين من النصوص الشعرية ترسمان تفرد عملية الكتابة عند الشاعرة بكونها رحلة داخل كون ضاج بانزياحات و صور لكل واحدة منها نمطية كتابة و إبداع تختلف باختلاف الإشارات النصية و الدلالات مما يدفعنا للقول أنّ عملية “الفرادة” عنصر أساسي في كتابة الشعر كخاصية تنفرد بها مدرسة الزرقة. إستطاعت الشاعرة كتابة الديوان على أساس بناء فني هو آلية خلق و إبداع تتم في إنحناءات حركة الإنتاج اي أنّ عملها يكتسي طابعا شعريا يكشف عن الحركة الباطنية لروح الأشياء الزرقاء وعمقها كتفجير ل”نواة” الشعر التي تتشبع بروح الزرقة وعمقها عند الشاعرة هو إرتباط وجداني و روحي بالأماكن ,فتتجلى لغة شعرية خاصة لا تهب نفسها إلا لقارئ حريص على ملامسة زرقة “أهقار” و السباحة في بحر أمواج “جبال التاسيلي ناجر ” و رمال متحركة من فضاء الى فضاء إذ أن قصيدة :

أمير التوق :

رجّ السحابُ وجهي.
سماءُ السقي.. مطركَ العرش,
إزحفْ برقاً على تضاريسي
لتعبث المرآة بنا…
نارك الزرقاء تراقص حَطبي المعتّق
السّعير أنتَ.. زاحفاً على رذاذي
توسّد..أمير ألتوق..سوسَناتي البارقات

تمثل عمق روح العالم الباطني في سديم الكون الذكي المليء بالإشارات و الإرتدادات ,إذ تطفو الشاعرة على حدود وهمية بين جبال “العمور” و جبال “أهقار” و تتبنى النظرة الانثوية المحاربة و الشجاعة متأثرة بملكة الرجال الزرق ” تنهينان ” كامتداد لثقافة “المرأة الزرقاء” على مرّ العصور إذ هي الآلهة, الملكة والمحاربة التي تحب الرجل و تحميه و تبني حضارة و أساطير بحبه. فالإبداع عمل شمولي يصقل بأزميل تعدد الثقافات و إزدواجية اللغة باعتبارها مترجمة في اللغتين العربية و الفرنسية حيث تحاول الغوص في جوهر الحياة و إنصهارها في كل ما يحيط بها من “عناصر الزرقة” فتترسخ عناصر الأديم الأول و يتدفق إبداعها كفيض تسقي به بيئتها المباشرة “العين الصفراء” مسقط رأسها او فضاءات أخرى إتجهت كلها الى إبتكار الجديد و المختلف.
وإذا كان النص المفتوح عند الشاعرة يستكشف اللغة الشعرية بممارسة و إبتكار طرق للتعبير تكون في مستوى ولادة كون أزرق عن شخصية الفرادة للإنسان الاول الذي يسمو في الكون الأزرق فشكّل الإبداع عند الشاعرة مغامرة فريدة ,فإبحار في عالم المجهول الذي تنحته الشاعرة بوعي جديد ممزوج برموز العالم القديم و أساطيره مع التراث المحلي والعالمي وهي التي “تشتهي المستحيل” معبّرة عن توق في إبتكار عوالم ضاجة باللون الأزرق والأنوار الاشعاعية الخاصة بكتابة الزرقة وهذا ما دفع الشاعرة الى تصدير ديوانها بنصوص حديثة مروضة الكتابة الشعرية الى كتابة شعرية زرقاء صوفية و حركية تشبه الإنعراج والإرتقاء حيث ترتقي في نصها :

زمنُ الخَط..أنتَ

أرتقيكَ..
أجتاحُ عينيكَ نوراً من هجير الشوق ,
بدمي:
أكتبُ حكاية جبينك العرش,
أنا…
“انانا*” الجنون و قيثارة الاغواء.
عرشي أنت؛
حول كفيك أوتاري.
تَسلبني الأعاصيرُ بُردتي,
شفقاً..غسقاً:
و مطراً من قمر.
زمنُ الخَط..أنتَ:
السَحرُ و الرَمق.
دمي قطراتُ ندى في عرشك؛

إنّ تقنية التلاقح و التبادل بين الثقافات الانسانية من رموز وأساطير العالم القديم وبين بصمات صوفية مشبعة بإرث إكتسبته الشاعرة في كنف عائلة تمتد أصالتها في ريادة الزوايا يمكن استكشافها في قصيدة الياقوتة:

الياقوتة*

“إهداء الى الشاعر الأزرق”

الشمس فرحة
عانقت مجرات الذهول
تركت السرير لها …
ذهبتُ أخطو بعدها بُعدَ المجهول
ما أسعدها بالتسبيح حول شفتيك.
كل الزوايا عسل, أغرقت السرير
يشدو البلبل على طاولتك كلَ الفرح

الشمس خيمتي
الليل لوعتي
على خطى النجوم
أذوب بخورا و انتشر,
الليل نور خافت فوق صدر الضوء.

تنسج الشاعرة اللغة في مجاز توليدي إذ تتضمن القصيدة أبعادا رمزية و صوفية تسمح بالكشف ومكاشفة جوانب الظل الأزرق بنورانية فريدة متأصلة في عمق تاريخي وبعد زمني لا يخضع للنسبية بل هو إمتداد لفضاء آخر غير مرئي و لا يمكن المسك به,فنسبح في مدارات نورانية على شكل دائري في نص:

“مدارات الصبح و المساء”

أهاجر إلى أول ابتسامة
في لحظة كونية خلق الله لها الأنوار
أهاجر إلى أول نقطة نورانية
أشعت على ثغر الأشياء
أهاجر باسم الأرض التي انزوت عن مدارها
و انزاحت بي
بدوراني الجنوني
حتى انفصلت عن خطوطها العتيقة
قمرا صغيرا وحيد الثريا
يتوق الرجوع إلى نور الحبيب
يهاجر القمر من خلال الحروف الدائرية
يتوهج و يلج المتاهة

لتوحي للقارئ بتفكير علمي بأن الكون الأزرق مجموعة من الدوائر الخفية تشهد إنعطافا بنشأة صوفية مائية التكوين من “الرمق و النديم” إتخذت ميزة المحاورة مع الباطن وولوج فضاء الكشف حتى صبغت الزرقة فضاءات المكاشفة في نص :

الغوث الأزرق

الصبح غريق الزوايا منساب الألق
الزهر ندي الملمس مبصر معسعس,
الرمق نديم الزوايا حين ينشد السحاب,
امتياز البحر أنتَ ..أنتَ طيفه..
غارق الضباب في سحنة التسبيح,
مجرةُ قلبي مركبُُ ُطائر,
غارق الأوتار في مقامِ العود متشاكل.
الحرف نسيمُُ أيقظ الأندلس صبحاً..
اليمامة وفية للقمر لا تخشى المجرة السوداء,
في أخر الأكوان..
في أول الكون..
كانت ريحاً..

حتى تتمكن الشاعرة من إبتكار صور شعرية نورانية ذات الإشعاع الأزرق المتصل بعالم السديم وعناصر الزرقة من الكون الأول في نص :
السهم أنت :

رفعة الأقاصي وجهُكَ
الترحالُ السرمدي في الأزمان,
الذاكرُ الواصل..أنتَ.. في مددي,
الأميرُ…سمة المَدد,
دهرُ أمري,
الواردُ في الربع الأخير
من السّديم.
أستعيرُ أمكنة الضوء ,
مرابعَ الأقمار

إنّ صدور باكورة إبداع الشاعرة “أروى الشريف” هو إمتداد لمسيرة تطور الشعر الحداثي وتحقق نمطية مختلفة عن الشعر النسائي الذي يعاتب و يرسخ حدودا بينه و بين شعر الرجل بل دعوتها وأملها هو صفاء القلب وأن ينعم العالم بالمحبة والسلام ,في نفس الوقت إنّ مواسم الهجرة التي تحدثت عنها في نصها :

في أقاصي الشمال

في أقاصي الشمال
لي
قلب هاجر
إلى مروج زرقاء
لي
قلب سافر
غامر و خاطر.
إلى أقاصي الشمال
نوارس حملت الربيع
في كواكب الليل
و مواكب أسكرت النجوم
حضنت فساتين القمر
لي
قلب كنبع الفضة
لي
قلب تتفجر فيه
مروج الذهب
سافر قلبي
و لم يعد

هي نظرة رومانسية تذكرنا برحلة “جبران خليل جبران” حيث النوارس دائمة السفر لكن لا نلمس ألم الغربة بل هي رحلة باطنية راقية و نورانية إكتشفنا من خلالها خصائص كتابة الزرقة و عناصر لثورة كتابة شعرية حداثية تبشر بما بعد الحداثة.

الشاعر ,المترجم و الناقد جلال جاف“الأزرق”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع