قراءة أولية في رواية(جراح الروح و الجسد)للكاتبة المغربية مليكة مستظرف

76

جراح الروح والجسد

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏‏


رواية الفضيحة وإزدواجية المعايير في مجتمعنا الذكوري وفضيحة للثقافة أيضاً
إذا إنتهيت من قراءة “جراح الروح والجسد” للراحلة المغربية مليكة المستظرف.
تسيطر عليك فكرة الظلم الذي لحق بتلك الكاتبة فقد رحلت دون أن تلقى احتفاءً
نقديّا يليق بما كتبت وأبدعت وفضحت، رحلت وهي مصنّفة ضمن الملعونين والمذمومين
الخارجين على القانون، بعد أن قضت عمرها تحتضر ببطء، تخضع لغسيل الكلى ثلاث
مرّات أسبوعيا مذ كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وسط تجاهل رسميّ وثقافيّ
مفجع.
تأخذك “فضائحها” مباشرة فتقارن بين ما حصدته الراحلة من آلام وتجاهل وتعتيم
على قصتها جراح الروح والجسد مقابل الثناء على الروائي المغربي محمد شكري بعد
كتابته “الخبز الحافي”، مع أنّ كلا الروايتين تنتميان إلى ما يمكن تسميته
بالنصّ الفاضح، ، والخارج على كلّ فنون “اللياقة” في الكتابة، سواء من ناحية
موضوع كتابتهما في التعبير عن القاع المغربي بكل وحشيته وعهره، أو موضوع اللغة
المستخدمة الخارجة بدورها عن كلّ بلاغة الأدب العربي
إذا ماقارنا كتابتها في رواية جراح الروح والجسد نرى فيها جرأة أكثر من جرأة
نصّ محمد شكري بكثير، حيث أنها إتخذت من عائلتها نموذجاً وفضحتها كنموذج لكلّ
عائلات المغرب المنغمس في الفقر والجهل والعهر والغريزة البدائية، الأمر الذي
دفع عائلتها إلى التبرّؤ منها ورفضها ونبذها.
لكن فكر مجتمعنا الذكوري يبيح للرجل ما لا يبيحه للمرأة؟
إذاً هناك خطوط حمراء لا يجوز للمرأة أن تتخطّاها، خاصة فيما يتعلق بفضح
العائلة، وبالتالي فإنّ تشجيع المرأة على الفضح بمثل تلك القسوة كانت كارثية
على مجتمع يتستّر على فضائحه
أسئلة تحتاج لدراسةً معمّقة لتاريخ الرواية العربية والشعر الذي تكتبه المرأة،
ومقارنة ذلك بما يكتب النقّاد عنها قياسا بما يكتبه عن المبدع الذكر، وهنا
تكمن فضيحة الثقافة والنقد، المتمثّلة في بروز ذكورية نقدية مضمرة، تسمح
للمبدع الذكر بما لا يسمح به للمبدعة الأنثى مليكة المستظرف ذهبت في رواياتها
إلى أقصى ما يمكن أن يصله الفضح والهتك بالأخلاق وأقصى ما يمكن من الشجاعة حين
مسكت قلمها وفضحت أهلها والعهر المحيط بها، شجاعة تصل حدود التهوّر .
كتبت عن نفسها ومعاناتها وهي تواجه وَحلَ هذا العالم المحيط بها متسلّحة
بالحلم بعالم هادئ لا وحل فيه ولا اغتصاب، عالم لا وحوش فيه تفترس الطفولة
المسالمة، عالم يبدو أنه سيبقى حلما في خيال الأنثى في مجتمع يبح للرجل
مايحرمه على الأنثى
تبدأ الرواية بسرد تم لإغتصاب البطلة وهي في الرابعة من عمرها من قبل رجل يقول
لها إنّه سيأخذها إلى أبيها، فيأخذها إلى عمارة ويفرغ قذارته عليها، “تقول
أحسست يداً مرتعشة تتحسّس صدري ونهدي. وأيّ نهد لطفلة بعمرأربع سنوات
وتكمل سردها لم أعترض. كنت أعرف أنه لا جدوى من المقاومة. استسلمتُ وأنا ألعن
كلّ شيء في سرّي”.
وعادت الطفلة إلى المنزل لتخبر أمها، فبدأت بضربها وكأنّها هي المذنبة، وفكرة
واحدة سيطرت على الأم لا غير، هل فقدت ابنتها بكارتها أم لا؟ تترك الأمّ كلّ
شيء وضع الطفلة النفسي والاعتداء الذي حصل عليها؟ ومن الجاني الذي فعل بإبنتها
هذا–؟
والخوف من معرفة الأب بالأمر.. لتركّز على شيء واحد : البكارة التي وحدها
تقرّر مصير الفتاة، إن كانت تستحقّ الشفقة أم لا!
يطمئنّ قلب الأمّ عندما تزفّ إليها القابلة الخبر بأنّ “البكارة سليمة”، ولكن
ذلك لا ينقذ الفتاة من الضرب وكيّ فخذها بقضيب محمى بالنار بعد أن مسكتها
أختها خديجة كي ينفذ ذلك العقاب بها لتتعلّم تلك الطفلة كيف تحافظ على ذلك
الشيء الموجود بين فخذيها ، وفعلا تعلّمت الطفلة أن لا تحكي شيئا بعد الآن،
لكنها تعيد أسئلتها بينها وبين ذاتها : ماذا فعلت كي أستوجب هذا العقاب؟ وما
هو ذلك الشيء المقدّس الموجود بين الفخذين الذي يشير إليه الجميع دون أن
يسمّوه باسمه، يخشونه ويحمونه ويومئون إليه بشبق وخوف ومتعة وتبجيل غير معلن…
أليس له اسم؟ الطفلة سكنها الخوف، تعلّمت الصمت واختزان الألم، ممّا دفع
“قدور” الذي يعيش معهم في المنزل، إلى الاعتداء عليها مرارا دون أن تجرأ على
التفوّه بكلمة خوفا من العقاب الذي ينتظرها، وحتى عندما تمّ اكتشاف أمر قدور
تعاقب هي مرّة أخرى دون أن تفهم لماذا؟ فإن صمتت تعاقب وإن تكلّمت تعاقب؟ وهي
المعتدى عليها من قبل وحوش لا قدرة لها على ردّ شبقهم ومكبوتاتهم الجنسية التي
تتفجّر اغتصابا وانتهاكا لطفولتها يترك قدور البيت مسافراً لفرنسا وهناك يتزوج
من فرنسية وينجب منها إناثاً وذكوراً قدور من جديد يطلب بطلة قصتنا للزواج بها
لخلاف مع زوجته المسيحية ويريد أن يربي أبنائه في مجتمع مسلم يعرف الأخلاق
الحميدة ويفرح الأب بهذا الطلب لكون قدور أصبح ثرياً .
قدور الذي اغتصب البطلة في طفولتها ينتحر بعد اكتشاف زوجته الفرنسية أنه كان
يغتصب بناته وأبناءه منها! الأمّ الفرنسية تفاجأ بأنّ ابنتها “إلهام” تغتصب من
قبل أخيها وابنها فتطردهما من المنزل…
استطاعت الكاتبة بدهاء أن تعرّي سمة أساسية في مجتمعات الفقر والقاع السفلي
للمجتمع، ازدواجية الشخصية يحيا بها الجميع، ويعيشها كقدر لا مفرّ منه،
والجميع ينكر ذلك ، حياة ظاهرة ملؤها التقى وكل من فيها يرتدي جلباب العفّة
والإيمان والشرف وفي الخفاء يرتدي ثياب الرذيلة يعيشها بكل أنواعها
ليجد صاحب الضمير نفسه محكوما بالصمت وحده، مؤجّلا “كلامه” إلى وقت ما، الناس
هنا لا يريدون من يذكّرهم بالحقيقة، وهذا ما يحصل مع البطلة حين تكتشف أنّ
أختها خديجة التي كانت دائماً ترافقها بطلب من الأم لتكون حجة لها أمام أبيها
وأمها تذهب إلى بيت الدعارة بعد أن تكذب على أمّها، وتضطرّ الصغيرة أن تكذب كي
لا تبيتها أختها في التواليت مع الفئران عقوبة لها، هكذا تفتح الصغيرة عينيها
على عالم القاع بأحطّ أشكاله : عهر مفتوح واستغلال جنسيّ قبيح، وأمّ تصدق
ببلاهة حتى عندما تضطرّ الصغيرة لفضح أختها نتيجة شجار بينهما الأم تكذّبها !
وعندما تكتشف الأمّ كذب خديجة يكون الأوان قد فات، تقول لإبنتها مليكة وهي
تحتضر: سامحيني يا ابنتي على كل ما فعلته معك في الطفولة أنا جاهلة ولا أعرف
شيء في أصول التربية..والدك ألغى شخصيتي وأختك ألغت عقلي”
لعل أقسى مافي القصة، عندما تتفاجأ البنت العاهرة خديجة بأن أبيها عند باب
إحدى شقق الدعارة، وعندما تسأل ماذا يفعل هنا يقال لها إنّه من أهمّ الزبائن
المتردّدين على بيوت الدعارة، لتصاب بالصدمة : ماذا لو التقى الأب ابنته في
بيت دعارة تنتظره للمتعة ؟الحقيقة لم تكن مليكة وحدها من سبق تعرية المجتع
العربي بل هناك الكاتب المصري نجيب محفوظ الذي حاز على جائزة نوبل عن ثلاثيته
بين قصرين (1956) وقصر الشوق ،والسكرية (1957)حيث كتب وانتقد نفس الموضوع يباح
للرجل جهراً مايمنع عن المرأة فتمارسه بالسر لنعود لإزدواجية المعايير في
تطبيق
العدل والمساواة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي
سؤال يخرج عن حدود المنطق والعقل، ولكنه يحصل في مجتمع يمنح الذكر حقّ التبجّح
بعهره علنا ويسمح به للأنثى شرط أن يبقى سرّا ومعتما وغير معلن!! هذه
الازدواجية المرعبة هي ما تسعى مليكة لكسره، وخلخلة أسس بنائه المجتمعيّ عبر
تسليط الضوء على أنّ الجميع سواسية في العهر، وأنّه لا فرق بين عاهر وعاهرة،
ولعلّ الحوار الدائر بينها وبين أبيها، عندما يشكّ بأفعال زوجته الثانية التي
تزوّجها بعد وفاة أمها، إذ يسألها إن كانت زوجته تخونه، فتردّ عليه بطلة
قصتنا: إن كنت تخونها فهي حتما خانتك.. ليقول لها بأنّ الرجل ليس كما المرأة
فتردّ بأنّهما متساويان في العهر.
والملفت أنّ هذه الثنائية المتمثلة بالعهر الذكوريّ المضمر والعهر الأنثويّ
الموارب، تنسحب بدورها لتكشف عن ثنائيات أخرى مفجعة وغريبة، فالأب المتحدّث في
العائلة عن الطهر والأخلاق هو نفسه الذي لا يتوانى عن إشباع غريزته عبر تجواله
على الفتيات الصغيرات من مدينة إلى أخرى ليمتع نفسه، والأخ الذي كانت تصرف
عليه أخته العاهرة خديجة أيام جامعته هو نفسه الذي يستيقظ شرفه فجأة ليسألها
بعد انتفاء حاجته إلى مالها : من أين اتيتِ بمالك هذا؟ والأّم المستفيدة من
أموال ابنتها الحرام هي نفسها التي تجد ألف مبرّر ومبرّر (ولو بالعقل الباطن)
لأعمال ابنتها، دون أن تتساءل عن ماهيتها، والأختان الباقيتان هما اللتان
تتلقّيان من أختهما العاهرة راتبا شهريا لقاء عدم فضحها بعد أن تزوجت وأصبح
زوجها يأتيها بالزبائن إلى المنزل!
هكذا إذن، كلّ شيء مسموح ويغضّ النظر عنه طالما يتم بالخفاء، مقابل ذكورية
فجّة ترفع شعار العفّة والأخلاق ظاهرا
عدالة تستمدّ منطقها من غرابة هذا العالم. فالضحية تصبح جلادا لضحية أخرى لا
تلبث أن تصبح جلادا بدورها لغيرها، إلى درجة تشعر معها كأنّ هناك ترتيبا خفيا
يقود الأمور ويحقّق عدالته على طريقته، فالأب العاهر والمزواج يتزوّج زوجة
تخونه في الوقت الذي يخونها فيه، قدور الذي اغتصب البطلة في طفولتها ينتحر بعد
اكتشاف زوجته الفرنسية أنه كان يغتصب بناته وأبناءه منها! الأمّ زوجة
قدورتفاجأ بأنّ ابنتها “إلهام” تغتصب من قبل أخيها وابنها لتطردهما من
المنزل…هكذا نجد أنّ كلّ ضحيّة تتعرّض لاغتصاب ما يدفعها بدورها للانتقام
اغتصابا من أحد آخر، وفق متوالية مرعبة من الاغتصاب والاغتصاب المتبادل،
فالجميع ضحايا وقتلة بذات الوقت، فالأمّ ضحية التقاليد التي علّمتها أن تصمت
للرجل على كل ما يريد لتكون النتيجة ضياع العائلة، والزوجة الثانية للأب ضحيّة
أمّها التي قالت لها “تزوّجي وأحبي من شئت”، وعندما تقول الفتاة لأمّها: ماذا
سأفعل برجل لا يجلس في البيت؟ تقول لها الأمّ هذا لحسن حظك فماذا ستفعلين برجل
يظل بجانبك العمر كله يخنق أنفاسك؟” لتكون النتيجة الطلاق بعد أن يعرف الزوج
بخياناتها المتكررة
ولعل من أهم الأشياء التي نلتقطها من قراءة الرواية هو معرفة الأرضية والبيئة
التي يتخرج منها العنف، إذ أنّ تلك البيئات المفتوحة على كلّ أشكال الامتهان
والعبودية -التي تبدأ من الوعي الأسروي الممهد للقبول بالإذعان للانتهاك
الجنسي- تكاد تكون هي المفرّخ الطبيعيّ لكلّ هذا العنف في حياتنا، فالشخصيات
المنتهكة والمذلولة ينتهي بها المطاف بعد أن يصل حقدها إلى درجة غير قابلة
للاحتمال، إمّا إلى القتل أو الجنون أوالانتحار.

ولعلّ صورة واحدة نجتزؤها هنا من الرواية يدلّنا على حجم العنف المغروس في
اللاوعي، إذ عندما تسأل البطلة صديقتها “إلهام” عن رأيها بطلب أبيها تزويجها
لقدور الذي اغتصبها في طفولتها، تقول إلهام : نعم تزوّجيه وفي ليلة الدخلة ضعي
له منوّما واقطعي له عضوه وضعيه حول رقبته”.

وبعدها تقترح عليها أن تعطيه “التوكال -(نوع من أنواع السحر الذي إن تناوله
الشخص عن طريف الفم قد يقتله ببطء لأنه يبقى في المعدة )” لـ”يبقى طريح الفراش
لا هو بميت.. ولا هو بحيّ يتساقط شعره وينحل جسمه يموت ببطء وتتلذّذين
بتعذيبه”.
ولعلّ ما سبق يعطي مؤشّرا واضحا على حجم العنف الذي يعتمل في ذوات هذه
الشخصيات المسحوقة ، هذا العنف الذي سيتفجّر يوما ولا شكّ إرهابا وجرائم
واغتصابا!
ورغم قسوة الشخصيات وجلافتها وانحلال قيمها، إضافة لعهر الوسط الذي تتحدّث عنه
مليكة فهي لا تلغي الأمل، إذ أنّ كثافة اليأس وفداحة الخسائر وانغماسها في
سلبية مطلقة لم تمنعها من رؤية الإنسان في دواخل تلك الشخصيات، الإنسان
المهمّش والمستلب والحزين، والباحث بدوره عن فرصة أو منفذ ليطلّ من باطن أكوام
القاذورات الذي وضعته الحياة في داخلها، وكأنّ مليكة تريد القول إنّ هذه
الشخصيات المغرقة في شذوذها وعهرها وتلوّثها يمكنها أن تكون كائنات سويّة لو
توفّرت لها شروط حياة صحية تساعدها على الخروج من مستنقعها العفن.

أخيرا، يمكن للمرء أن يحزن حقا على رحيل واحدة من أشجع الروائيات العربيات دون
أن تتمكن من كتابة ما كانت تودّ فضحه، وهي القائلة : ليس سهلا أن تقف عاريا
وينظر الجميع لعريك. لكن يوما ما سأتعرّى حتى من ورق التوت.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع