في مجزرة حي “الوحدة”

"شيماء أبو العوف" طبيبةٌ عروس استعجلت الزفاف إلى السماء

99
في مجزرة حي “الوحدة”..
“شيماء أبو العوف” طبيبةٌ عروس استعجلت الزفاف إلى السماء
غزة-سجى حمدان


الواحدة بعد منتصف الليل، الطائراتُ تخيمُ فوق جمع البيوت المتعانقة، الجميعُ يخوضُ جولات إقناع مع دماغه كي ينام، والقصف يلغي أي احتمال بالراحة.. اشتدَّت الانفجارات وتعالت ألسنة اللهب في المكان، أمسكت ميساء أبو العوف بيد ابن خالها الصغير “محمد” ذو العينين الزرقاوين، وركضت مع عائلتها باتجاه الممر كي يخرجوا بأسرع وقت من المنزل.. لكن الصاروخ أسرع من الجميع.
السواد يحاصر أطراف الرؤية.. ويدٌ مثنيةٌ تحاول التملص من اختناقها، ” ماما.. شيماء .. وينكم؟!” تحاول ميساء استيعاب الكابوس قبل أن تشعر بشيءٍ رطبٍّ يتسلل إلى جسدها أعطاها الدماغ إشارةً أنه “دمُ” أحد النائمين بجانبها تحت الركام.
“مجزرة حي الوحدة” في غزة التي اُستهدفت فيها عمارتين سكنيتين، قضى فيها 42 شهيداً ونحو 50 إصابة بجراح مختلفة معظمهم من الأطفال والسيدات بحسب إفادة وزارة الصحة الفلسطينية.

“أم الشلة”

“يا ناس.. في حدا هان؟!” كان صوتُ المسعف الصارخُ فوق الأنقاض يقبض على قلب “هيا عبد العال” صديقة شيماء التي تراقبُ المشهد وترجو أن تكون صديقتها على قيد الحياة بشكلٍّ أو بآخر رغم ضآلة الاحتمال، “شيماء أختي، ذهبنا إلى نفس المدرسة، خطبنا في نفس الوقت، وكنا نتسوق سويَّا لتجهيز منازلنا.. ” تتحدثُ هيا بصوتها الذي تكبح فيه الرغبة بالبكاء.
لا زالت هيا لا تتخيل كيف رحلت شيماء بهذه السرعة دون أن تجد من تشاركه تفاصيل يومها بعد الآن خلال جلسة “النسكافيه” التي اعتادوا علينا بالتزامن مع حلول وقت “المغرب”، ومحاولاتهن للغناء التي دومًا ما تبوء بالفشل الذريع فتسقط كل منهما على الأرض من شدة الضحك.
“كانت تهتم بنا كما تهتم الأمّ بأولادها، فلا تأكل حتى نأكل جميعًا، ولا ترى أحدًا حزينًا إلا وتُسرع لإرضائه” تقول أريج صيام صديقة شيماء منذ الثالث الابتدائي، وتحاول تلخيص الفكرة ب “أم الشلة” التي لا يهدأ لها بالًا ولا خاطر حتى يهنأ الجميع.

شيماء التي تحبُّ طبخة “الملوخية” خاصةً عندما تسكب شيئًا منها على ملابسها عائدةً إلى براءة الطفولة التي لم تغادرها، وتعشقُ القصص فتكثر من قول “يلا.. تحدتوا” طالبةً من صديقاتها أو أخواتها فتح مواضيعٍ شيقة وقصص مسلية يغوصون بتفاصيلها.

“شمشوم”… الطبيبة العروس

شيماء التي تضع خريطة بيتها تحت مخدتها فتخرجها يوميًا وتشرح عليها لخطيبها وأخواتها ماذا تريد أن يكون في هذه الزاوية، وكيف سنلون جدران الجهة الأخرى، فتُريدُ “خزانةً كبيرة في غرفة النوم ملتصقة بالحائط، وتفكر بصنع بركة ماءٍ في الطابق العلوي بجانبها بعض الأزهار (..) فشيماء تعشق البحر ولونه، وتحبّ كل ما يذكرها به” تتحدث ميساء مبتسمةً وهي تتحدث كأنما شيماء جالسة تحدِّثُها في هذه اللحظة.
“شمشوم” اللقب الذي اتفقت صديقاتها عليه.. فلا ينعتنها إلا به، قد أقاموا الاحتفالات بعدما حصلت شيماء على معدل 96.6%، وبدأت بأولى خطواتها نحو الحلم حين التحقت بكلية طب الأسنان، فتنقضُ على الكتب بنهم، وتحفظ ما كتب فيها حتى تصل الخربشات أو الملاحظات المكتوبة على أطراف الصفحات.
“كانت تأخذ مني كل ما يخص التخصص من كتب وملازم وتلخيصات قبل بدأ الفصل لتتهيأ للجولة القادمة، نتبادل آرائنا عن صعوبة المواد وانطباعنا عن الأساتذة(..) لا أتخيل كيف ستمرُّ السنتين القادمتين دون أن نفعل شيئًا من هذا ودون أن اراها تقفز بين العيادات” تقول شهد الشوا –زميلتها في الكلية-وقد بات صوتها يرتجف بفعل البكاء.
اتفقت مع خطيبها أن تبدأ بالتجهيز لحفل زفافها بعد إنهاء سنتها الجامعية الثالثة، وذلك لصعوبة السنوات الأولى من التخصص، كما حددوا موعدًا لذلك بعد عيد الأضحى.
“أنس اليازجي” الممتن للقدر الذي جمعه بشيماء بعد طول انتظار: “كنا معجبين ببعضنا منذ أن كنا صغارًا” يتحدث وهو يعاود التفتيش بين ركام الذكريات، فلا يجد أنس وصفًا يليق بخطوبتهما الممتدة لعامين ونصف سوى ب ” عُمُرْ”، حيث امتلأت بالسعادة والمواقف والحروب الصغيرة التي سرعان ما تنتهي بال “الصلح” الذي يركض كلٌّ منهما لترسيمه، فلا خصام مع الحبّ./
أنس الذي فاجئها قبل أيامٍ من الحادثة بدمية “خيلٍ أبيض” تحتوي على الشوكولاتة، وخططوا لتصميم المنزل وهم يتناولون “بيتزا الطابون”، يؤكد أن شيماء كانت تشعر باقتراب شهادتها حين قالت له:” قلبي ناقزني” ليهُمَّ بالذهاب إليها حتى يراها ويطمئن على حالها، إلا أنها منعته من ذلك قائلةً: “لا تأتِ، أشعر أن شيئًا ما سوف يحدث”.

15 ساعة من البحث

ليلة الأحد، السادس عشر من مايو 2021 حين انقض الصاروخ على الأحلام، وانفجر فوق رؤوس الحالمين، ذلك اليوم بقيت رسالة أنس “اختبئي جيدًا” معلقة في منتصف طريقها إلى شيماء، فلم تصل، كان في محاولاتٍ حثيثة لإعادة الاتصال بها قبل أن يسمع صراخ “بناية أبو العوف قد قُصفت!”.
“لماذا”، “بأيِّ ذنب؟”، “ما هي التهمة؟”، كثيرةٌ كانت الأسئلة تتخابط في رأس أنس وتتدحرجُ على لسانه، قبل أن تداهمه قدماه بالركض إليها ليجد رجال الدفاع المدني والإسعاف يحاولون استلال الأجساد من تحت الردم!
كان الأمل يشد رحاله إلى قلب أنس طيلة ال15 ساعة التي حاول فيها انتشال الشهداء والمصابين من تحت الأنقاض مع رجال الإسعاف، بأن تكون شيماء “لا زالت على قيد الحياة”، وبعد خروج آخر جثمان، هرع للبحث عن شيماء في المشفى علّه يجدها هناك..
“هذا دم شيماء” هكذا أجابت أختها ميساء مشيرةً إلى ملابسها ويديها بعد سؤالها عن مكان أختها شيماء قبل القصف، فبعد ساعاتٍ من البحث المطول، كانت بلوزة شيماء “الوردية” هي الاستدلال الوحيد عليها، ليجدها أنس في انتظاره داخل “الثلاجة”!
شاء القدر أن تقضي شيماء وأختها روان، وتبقى والدتهما في العناية المشددة حتى هذه اللحظة، فيصلي عليهما المصلون، ويرفع أنس يديه بعد دفنهما، داعيًا لهما بالرحمة والمغفرة بصوته الخاشع ونفسه المطمئنة التي تحدثه بأن “شيماء” سبقته ليس إلّا، أن لا هروب ولا اعتراض على حكم القدر.
لا زال أنس مقتنعًا أنه رأى شيماء داخل ثلاجات الموتى “تضحكُ له”، وأن هذه من بشريات الشهادة، فقد كانت أيضًا رافعة “أصبع السبابة” في محاولة واضحة لنطق الشهادة.
ورغم أنه لا ينام إلا قليلًا، إلا أنه متأكدٌ أن شيماء ستزوره في الأيام القادمة بأحلامه، ويتحدثا سويًا كما اعتادَ أن يفعل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع