فلورا الافتراضية

88
فلورا الافتراضية
هدى توفيق

 

هذا الأزيز الذي في أذنيها أخذ يتزايد بقوة، في المرة الأولى شعرت ببدايته في الأذن اليسرى، وتجاهلت لأي ظن سيء، بأنه ربما يكون هاجسًا لا معنى له، وأنها صدفة، وسيرحل سريعًا كما أتى سريعًا تلك المرة.
لكن تلك المرة الأولى تكررت، منذ أن بدأت تتناول الحبوب المهدئة، وقد أخذ يتزايد، وأصبح هذا الهاجس الطارئ، حالة مرضية أصابتها بالذعر والخوف الرهيب من المجهول، لم يستمر ذلك طويلًا، فبعد برهة فقدت وعيها، ونقلتها الأم إلى المستشفى، لتجلس بجانبها تتذكر تلك الطفلة، التي تمنت إنجابها لسنوات بعد إجهاض لا إرادي ثلاث مرات، وأصبحت محور حياتها، وجلَّ اهتمامها.
منذ أن وُلدت بهية الطلعة، شقراء، بيضاء بعيون واسعة زرقاء، وجبين منبسط، تكاد تشبه القطط، يشع من عينيها بريق نافذ، مثل ذلك الذي ينبعث في الظلام من القطط، كنور مشع، الذي يصادفك، ويصيبك برعشة من الخوف، والتقاط الأنفاس إذا قابلتها صدفة أثناء صعود السلالم أو مرورك في أحد الشوارع المظلمة.
لكن فلورا لا تحب القطط إطلاقًا، وتقول أنها حين تقترب من القطط، وتسمع أنفاسها المكتومة تصيبها بالضيق، والتوتر الشديد، تتذكر أيضًا بدء انخراطها مع العوالم الافتراضية، منذ أحضرت لها الكمبيوتر، وقامت بتحميل الألعاب، والانخراط في دهاليز هوس اللعب، والتفاعل إلى حد الاندماج المفرط، والطرق على مكتبها بعصبية إذا خسرت في اللعبة.
وقد خربت مفاتيح اللعب والفارة أكثر من مرة، والنزوح عن تناول وجبات الطعام، وعدم الخروج، والاهتمام بمن حولها، لانغماسها في مواجهة عالمها الخاص بين الحرب، واللين، والغضب، والفرح، حتى خرجت من حجرتها في إحدى المرات مهللة، فرحة، تطلب وجبة من دجاج (تكا) المغرمة بها، مع طبق كبير لأرز (بسماتيك)، وزجاجة من مشروب مياه غازية (شويبس) برتقال أو تفاح، وكيس (بطاطس شيبسي) من الحجم العائلي، قائلة وهي تحتضن أمها وتُقبلها:
– ماما أنا لعبت عشر ماتشات وكسبتهم، وباقي لي 28 ماتش.
واستطردت وعيونها الزرقاء اللامعة تكاد تدمع:
– تعرفي لازم أكسب كام علشان آخذ الكأس.
وسريعًا أجابت وقد بسطت أساريرها بغتة وتباهيًا:
– 38 ماتش يا أحلى أم.
تقهقرت الأم بالانحناء إلى الأمام، واضعة وجهها داخل يديها، وكأنها تزيح الذكريات، والأفكار السيئة المتربصة بها، وانسالت دموعها غزيرة، منهكة، تنشج وتتنهد، وتتأوه بوجع، وهزت رأسها الغائرة بين كتفيها البائسين، وتحسرت وهي ترجو داعية متمتمة داخلها:
– يا ربي، إنها ابنتي الوحيدة، لا تأخذها مني مثلما أخذت الثلاثة السابقين، نجها يا إلهي من أجلي، لا أستطيع العيش بدونها، هي حياتي.
حيث أخبرها الطبيب، المعالج النفسي لحالة ابنتها الوحيدة، إن إدمان ابنتها للسوشيال ميديا، جعلها بعيدة عن الواقع تمامًا، وعندما توجب الأمرعند دخولها إلى الجامعة التفاعل والتحدث، لا تعرف كيف تتعامل مع أصدقائها وصديقاتها، ويسخرون، ويتضاحكون عليها.
فسّره الطبيب بسبب انغلاقها داخل عالم الألعاب منذ صغرها، وتلك العوالم الافتراضية، والتي حرمتها من الحراك الاجتماعي، والتداخل الفعلي، داخل واقع البشرالحي، والنابض بالخير والشر؛ لأنها محبوسة داخل فلورا الافتراضية ذات العيون الزرقاء، والسحنة الغريبة، التي تشبه القطط، وتلفت الأنظار إليها، التي تهوى وتدمن شراء مناديل فلورا الناعمة الملمس، والسميكة للتجفيف، خاصة المبللة المعطرة برائحة البنفسج، الذي تعشق رائحة عطره، كغسول للاستحمام، وكبرفان للتعطر أو رائحة الخوخ الذي أيضًا تعشق مذاقه.
هدى توفيق
مصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع