عين على السردية التعبيرية(على مدارج الحنين/Nostalgie)بقلم الأديب النّاقد الأستاذ عبد الله الميّاح

382

عين على السردية التعبيرية ( على مدارج الحنين ) (Nostalgie ) بقلم الأديب النّاقد الأستاذ عبد الله الميّاح الموقّر. مشكورًا لهذا التفنيد المتقن لكلّ نسمة حنين تنفّستها
منذ مطلع النّصّ وحتى نهايته مقدّرة جدا تلك الجهود المبذولة لتسليط الضوء على مدارج حنين ريحانة جنوب لبنان.

النّص :
على مدارج الحنين (Nostalgie )
كنسمةٍ متثائبة أُفلتتْ من زمن غابر بات يرقد في جحر ماضٍ لاقى حتفه مع دورة السّنين المتعاقبة تعبرني كمن يفرّج كرب مسجون قضى حكمه براء نسمة تجرُّ إثرها نسيمات تسرّبتْ من ثقوب النّسيان تخترق مسالك ذاكرة حيّة كحبل نمال تراكم في العراء يقتحم الأوكار وكلّ الظّنّ أنّ السّتار أُسدل عليها إلى غير رجعة هبّتْ تشعل الحنين للدّيار التي شهدت صرختي البكر يوم خرّت الأسقف مباركة مولدي للدّروب درجتُ عليها فتيًّا فدأبتْ تعزّز طفولتي تصنع من أحلامي رؤى لمستقبل جميل تدفع شهقات الفرح من ثنايا النّفس تبعثرها في حقول عَدْوي ولهوي، للعليل العذب يمسّد وجناتي يدغدغ تفاؤلي بحياة ملؤها السّعادة والرّخاء ، لأيّام جمعت عقد عائلتي على موائد المحبّة والوئام قبل أن تنفرط السّبحة فترسخ في البال حكايا جدّتي أمام موقد متأجّج توجيهات والدي مرشدًا للسير على الصّراط المستقيم وصايا والدتي بصون النّفس عن الرّذائل لأعياد كنّا نستثمر فيها الفرح حتى الجنون لمقاعد الدّراسة تخطف أنفاسنا عصا المعلّم وقسوة النّظام بعقاب متفلّت من اعتدال لمنظر الألعاب بألوانها الزّاهية البرّاقة تُسبي بصري إلى واجهات المحال التّجاريّة يشدّني إليها قطار اللّهو والمرح فكان والدي يأبى إلّا أن يبتاع كلّ ما في الخاطر يغمرنا بما طاب وراق وما لذّ من أطايب كاسرًا أعيننا من الحرمان هذا غيض من فيض ما علق في ذاكرتي، صور من وقائع الزّمن الجميل وتغريدات عبد الحليم تحتلّ مكانتها توقظ الخاطرة على أنغام عشقها القلب. حرام نسكت على قلوبنا .حرام الشّوق يدوّبنا. تعال نحبّ ونسلّم بأمر الحبّ.

جميلة مزرعاني
ريحانة جنوب لبنان
تعليق عبدالله المياح على النص اعلاه
على مدارج الحنين
بقلم / الشاعرة جميلة مزرعاني
منذ عتبة العنوان يتبين للقارىء ان شاعرتنا المبهرة ، كانت تتنفس الصعداء وكأن صدرها الحرج يتصعد للسماء … وحين استشعرت نسمة متثائبة لامست جبينها الطهور .. أحست ان هذه النسمة تبتغي ارجاعها الى أزمان مرت في حياتها وقد داهمت ذكريات هذه الاوقات مشاعر الحنين الى ماض جميل تتمنى ان يعود ، وكأنها تقف على مدارج هذا الحنين بأنتظار زائر السعد هذا ، ليعيدها لتلك اللحظات الشعورية التي سجلت فيها ما اعتلج في صدرها انذاك من قيم أخلاقية راسخة بمثلها واعرافها وتقاليدها . بالاضافة الى سيادة القيم الدينية المستلهمة النقية والمتشربة في ذوات ابناء أسرتها و المجتمع انذاك ، أستلهمتها طواعية ودون تكلف او ادعاء ، بل بأعتناق ثابت لا يهتز ولا يتزعزع ولا يتغير . والجميل ان هذا الوازع الاخلاقي الديني كان مؤطرا بعواطف لا يتأتى لها الاستقرار والنزول في حيز التطبيق والمعايشة والممارسة ما لم يتم تلاقحه مع هذا الخليط المتجانس من قيم السماء … اي ان هذه القيم لا يبرز حضورها للعيان ما لم تزرع في مناخ وارض خصبة وجو نظيف وسليم ، ولعل صورة التناقض بين ماض جميل عريق وحاضر صاخب بالاغتراب ، يجعل من الصعوبة بمكان الافلات من ربقة الاستلاب الحاضر والعودة الى ما كان سائدا هناك وشائعا كديدن محبب معتاد… يعيد شاعرتنا.. اشبه برحلة من ايام عجاف قسرت على ان تتأقلم معها رغم رفضها لها لتعود لايام جميلة مطعمة بالحنين لماض جميل وتوق لأيام انغمسنا فيها للشوق الحبيس بين اضلاعنا ………وكيف لا نشتاق لدور اب حان يزرع الفضيلة كمعلم تعهد على ان يمنحنا فرض الافلات من ربقة حاضر تسيطر فيه لحظات استلاب ، فقدنا فيها الصلة مع ما كان شائعا كديدن محبب معتاد، و تعد المقارنة اشبه برحله من ايام عجاف قسرنا على ان نتأقلم معها قسرا رغم رفضنا لها لنعود الى ايام جميلة مطعمة ومطرزة بالشوق الحبيس بين اضالعنا … فكيف لانشتاق لدور اب حانٍ يكرس الأستقامة ويعمق في ذواتنا كل ما يحصننا ويحمينا من اي تداعيات مع قلتها انذاك …. وكيف ننسى دور ام قديسة وقوراعطتنا كل ما لديها من حنان وحب تجذر في نفوسنا بهذه الحيثيات ولعل شاعرتنا حين وصفت النسيمات التي ذكرتها بالماضي بانها….( نسيمات ترسبت من ثقوب النسيان ،واخترقت مسالك ذاكرة حية كحبل نمال تراكم في العراء …) لقد ركزت شاعرتنا على كل هذا لا كذكر جاء عفو الخاطر، انما لتشعرنا بان لهذه الذكريات انشداد كما يفعل الحبل النمال الذي يربط في اعناق الحيوانات كلجام اوطوق …… و بالعودة ألى عتبة النص الموسوم ب ( على مدارج الحنين ) وذكر مصطلح (nostalgie) ان (النولستوجيا ) و هي حالة دفاعية يتسلح بها العقل ابان استشعاره بمشاعر الحنين للماضي الذي لن يعود انما يخلف عندنا وفينا استحضاره سورة حنين تنداح ابانها حسرات واستشعار بالاكتئاب المر بسبب التيقن من عدم عودة الماضي الجميل والقنوط من اي رجعه لاي لحظة من لحظاته ..وهذا ما يخلف في وجداننا استشعار الوحدة والتحسس من فقدان (زمكان) كنا فيه كما يقول الشاعر :- وكنا في اجتماع كالثريا فصيرنا الزمان بنات نعش ومصداقا لما ذهبنا اليه نجد أن شاعرتنا القديرة تقول : (وكل الظن ان الستار اسدل عليها الى غير رجعة) اي ان عودة تاريخ تلك الجماعة صار ذكرى لن ترجع بالمطلق ،وان تلك العصبة التي التأم شملها على المحبة وسلامة الاشواق ذات يوم والحرص والتعاون المتبادل بين افرادها الذين جمعهم سقف واحد .حتى صارت وحدة المصير ضالتهم و واقعهم المعاش..وعلى حين غرة صارت لحمتهم قيد ادراج الرياح و ران على لحظات الفرح النسيان .. وان تذكر هذا الزمن الجميل والمكان الاجمل والاسنى بات حالة صراع بين حاضر مر نعيشه وماض راحل شهد حالات فرح منها ما يستحضره أفراد العائلة الذين تعايشوا مع ايام فرح غامر ..مثلما فرحوا بولادة الشاعرة التي شهدت ساعة ولادتها احتفاء وشهقات الفرح خصوصا مع دعابة وحراك.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع