عمر سيف الدين1969- 1922/ بقلم بهجت أحمد

34

عمر سيف الدين
1969- 1922
بهجت أحمد*

في تاريخنا الكردي الكثير من الشخصيات التي خلدت أسماءها في ذاكرة ووجدان كل كردي شريف، واليوم سنتحدث عن شخصية كردية ظل صاحبها محباً لانتمائه الكردي وضحى بروحه في سبيل ذلك الانتماء وتلك الدماء النبيلة التي سرت في عروقه ألا وهو المرحوم عمر سيف الدين
ولد عمر سيف الدين ميلاني في ميلان التابعة لمدينة سيرت بشمالي كردستان من عائلة ثرية ذات جاه ومال ومن سلالة شيوخ حيث كان جده الشيخ محمد ميلاني معروفاً في عموم المناطق الكردية بآرائه الدينية المعتدلة وحكمته ونزاهته، كما كان والده سيف الدين وجيهاً من وجهاء منطقته، ومناضلاً صلباً ومدافعاً عن قضايا شعبه وأمته.
هاجر والده مع مجموعة من العائلات الأخرى من “سرخت” إلى “بنخت” بعد تعرضهم للملاحقة والاعتقالات، وترك هو وغيره من الرجال الذين كانوا معه خلفهم أموالهم وأملاكهم وكلهم أمل أن تهدأ الأمور، وتجد عصبة الأمم حلاً سريعاً لقضايا شعبهم ليعودوا إلى أرض آبائهم وأجدادهم وأملاكهم ولكن إرادة القوى الكبرى خيّبت آمالهم.
سكن عمر مع عائلته المؤلفة من والده وإخوته الخمسة وأخته الوحيدة في البداية في قرية گرزيرين التابعة لمدينة ديريك، ولكن الموت خطف شقيقه الأصغر طاهر، ومن ثم شقيقه عبد الحميد الذي كان حينها عريساً في عامه الأول، ما زاد حال والده سيف الدين بؤساً وحزناً بالإضافة إلى حالة حزنهم بترك أرضهم وموطنهم وكذلك فقدانه لزوجته وحبيبته أم أولاده من قبل، وقد دفن في القرية.
بعد وفاة والدهم تركوا قرية گرزيرين واستقر بهم المقام في قرية تل خنزير التابعة أيضاً لديريك.
بعد زواجه توجه إلى مدينة ديريك عام 1949واستقر فيها إلى تاريخ رحيله، وخلّف خمس بنات وابنين.
هنا لا بد من الإشارة إلى القصة المؤلمة التي حدثت معهم أثناء عبورهم الحدود بين “سرخت وبنخت”، حيث كانت تؤكد أخته الوحيدة “ستي” على أنه بعد أن فر والدهم مع مجموعة من الرجال أرادوا أن تلتحق بهم عائلاتهم، لكن والدتهم “فاطمة گارسي” وهي من عائلة “گارسي” المعروفة رفضت القرار تماماً وفضلت أن تظل في دارها وعلى أرضها وبين ناسها وأهلها ومع إصرار والده سيف الدين ووعوده لها أنهم سيمكثون هناك لفترة مؤقتة اضطرت إلى الموافقة على طلب والدهم. تؤكد “ستي” على أن ما حدث معهم على الحدود بين الخطين يفوق الخيال، حيث كانت والدتهم حاملاً وقبل اجتيازهم الحدود فاجأتها آلام المخاض، فاضطروا إلى أن ينتظروا لحين وضعها لمولودها، وفي هذه الأثناء ومع ازدياد آلام المخاض والطلق بدأت الوالدة تقول:
((اللهم يا رب العالمين! تقول وقولك الحق أنك قريب من عبادك تستجيب لدعائهم، وقد سمعت أن دعاء المرأة الحامل في لحظات الطلق مستجابة فإنني أدعوك أن ترسل ملك الموت الآن ليسلم روحي إليك ولا تدعني أتجاوز الحدود. أنا ابنة العز والجاه والدلال أعرف جيداً الغربة وتبعاتها وكيف أنها تهين الكريم وتذل المعز فلا تدعني مهانة ذليلة ودعني أموت وأنا ابنة عز وجاه وكرم))، وتضع فاطمة گارسي مولودها ثم يستجيب ربها لدعائها وترحل من هذه الدنيا في الحال. وهنا نود الإشارة إلى أن الوالدة أنجبت بنتاً ولأن أولادها كانوا صغاراً فقد أخذها رجل من حرس الحدود، وأكد لهم أنه سيسلمها إلى عائلة ثرية وأرستقراطية لا تملك أولاداً وأنهم سيرعونها ويهتمون بها.
لم يتعلم عمر في المدارس بل تعلم تلاوة وقراءة القرآن على يد والده الشيخ سيف الدين، وبعدها بدأ يقرأ ويكتب بشكل جيد إلى أن تفوق على العديد من أقرانه حينذاك.
توارث عمر سيف الدين المشاعر الوطنية وحب الأرض والأمة من والده سيف الدين ميلاني ومن عائلته ومن أخواله الگارسيين، لذلك انضم إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تأسس في سوريا عام 1957 وتعرض إثر ذلك للاعتقال والتعذيب من قبل السلطات آنذاك ولكنه ظل وفياً لقضية شعبه ولمبادئه القومية والوطنية.
من أبرز مواقفه السياسية:
أولاً: بعد انتسابه للحزب ونشاطه المميز مع رفاقه وإحيائهم لليلة عيد نوروز سراً تم اعتقالهم، وظل مخلصاً لرفاقه ونهجه ولم يعترف عليهم رغم الضرب والتهديد والوعيد ولولا إصدار عفو عام عنهم لكان قد أصدر بحقه حكماً قاسياً
ثانياً: عندما تعرض هو ورفاقه إلى الاعتقال وخلال الاستجواب كان يسألهم المحقق : “يجب أن تؤكد لنا الآن هل أنت مسلم أم كردي” فكان يرد كل واحد منهم: “أنا كردي ومسلم” وكان عمر من الأشخاص المصرين على التأكيد على هذه المقولة لذلك عذبوه وضربوه وظلت آثار ذلك عليه بعد خروجه من السجن لفترة طويلة، وقد ظل لفترة طويلة طريح الفراش لا يستطيع السير على قدميه.
ثالثاً: كانت آثار هذه المرة عليه كارثية، لأنهم كانوا يضريون المعتقلين بوحشية وقسوة وبعد ذلك كانوا يقولون لكل واحد منهم:
“إذا صرخت أثناء الضرب والتعذيب وتوسلت إلينا وقلت آخ وآه وآي” سوف نفرج عنك، عمر سيف الدين كان من الأشخاص الذين رفضوا قول ذلك، فازدادوا تعذيباً له حتى أنهم طرحوه أرضاً وضربوه على صدره وكتموا أنفاسه، لكنه قال لهم:
“الرب واحد والموت واحد ولو ضربتموني حتى الموت لن أستسلم ولن أصرخ وسوف أظل مخلصاً لقضيتي وشعبي ولن أعترف لكم بكلمة واحدة لأننا أصحاب حق ويجب أن نعيش بحرية وسلام “.
أصيب في المعتقل بالتهاب رئوي حاد وبعد خروجه منه حاول معالجة نفسه لكنه لم يعمر بعد ذلك طويلاً وتوفي بمرض الربو وهو في ريعان شبابه.
لهذه الأسباب وغيرها تؤكد عائلته والكثير من العائلات الأخرى في ديريك ونواحيها على أنه يمكن اعتباره شهيداً من شهداء المبادئ والدعوة إلى الحريات لأنه تعرض للتعذيب والعنف والضرب في المعتقل ما أدى إلى إصابته بالربو ورحيله المبكر بعد خروجه من المعتقل وهو لم يتجاوز 47 عاماً من العمر
حياته الأسرية والاجتماعية:
كان عمر سيف الدين ميسور الحال ومعروفاً لدى أهل ديريك والقرى والنواحي التابعة لها. كان يملك محل سمانة كبيراً في وسط المدينة ويشغّل ماله في تجارة المواشي والأغنام، وكان كريماً وسخياً يحب عائلته وأهله وجيرانه ويساعد المحتاجين ويُقال إن داره كانت عامرة بالكرم والسخاء ومفتوحة للجميع والكثير من الناس في ذلك الوقت وحتى بعد وفاته كانوا يقولون: “بيت عمر سيف الدين مثل فندق يؤمه الناس بأريحية وهدوء” لأن ديريك في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت مدينة صغيرة ولم يكن فيها فنادق فكان أهل القرى يأتون إلى أهلهم ومعارفهم.
كان معروفاً بحكمته وآرائه القيّمة ومن بعض آرائه وتوقعاته الصائبة:
يقال إنه حين توفي كان الناس يقولون:
” رحم الله عمر، صحيح أنه رحل في عز شبابه ولكنه ترك نبعاً من المال والذهب لهم لن يجف ولكن الأقدار شاءت أن يجف النبع وتنقلب عليهم الأحوال ويبدو أنه توقع ذلك قبل رحيله حيث كان يردد دائماً:
“أنا لا أخاف من الموت لأنه حق وكلنا للموت ولكنني أتوقع إذا رحلت من الدنيا في عز شبابي ألا يحكم أولادي التصرف بحياتهم وأمورهم وأن تسوء بهم الأحوال وتنال منهم المصائب. مع الأسف صدق في توقعاته، فعلى الرغم من حياة الغنى والعز التي عاشها أولاده من بعده لعدة سنوات إلا أن مصائب الدنيا أيضاً تمكنت منهم وتغيرت أحوالهم ويبدو أن حكمة الله شاءت أن يعيشوا الغنى والفقر والسعادة والتعاسة ونعيم الحياة وشقاءها، ولكنهم على الرغم من كل ذلك ظلوا وما زالوا محافظين على مبادئ وقيم والدهم، وخمسة من أولاده من أصل سبعة نالوا حظهم من التعليم والتحصيل العلمي والجامعي، ومنهم شعراء وكتاب أيضاً “عادل عمر سيف الدين الإنسان المثقف والشاعر، درس الأدب العربي في جامعة حلب في سبعينيات القرن العشرين وله ديوان شعري مطبوع بعنوان آزادا شيرين وقد غنى من أشعاره بعض الفنانين الكرد ومنهم محمد شيخو وقصيدة آزادا شيرين وابنته الكبرى بريخان “پري” التي تكفلت برعاية إخوتها وأخواتها بعد رحيل أمها، وربتهم خير تربية وشجعتهم على التعليم وضحت من أجلهم وكانت معروفة بطيبتها وحكمتها، والأدبية الأستاذة نارين عمر” والتي لها مكانة هامة وبارزة في الحركة الثقافية والأدبية الكردية ولها العديد من الكتب المطبوعة والحائزة على الكثير من الجوائز الكردية والعربية تكريماً لدورها الرائد في الحركة الأدبية.
رحل عمر سيف الدين عن هذه الدنيا ولكن أكمل أولاده مسيرته وذكره الطيب بين الناس من خلال تبنيهم فكره و طريقته في محبه وخدمه أبناء قومه والإخلاص لقضيه شعبه
المظلوم والذي حرم منذ أزل التاريخ من أبسط حقوقه وتكالبت عليه ضباع العالم وقسموا أرضهم ونهبوا خيراتهم و حاربوا وقتلوا كل ثائر أو مطالب بحقوقه أمثال عمر سيف الدين.
أشكر كل من ساهم في إعداد هذه المادة عن شخصيه ظل اسمه محفوراً في ذاكرة كل أبناء مدينه ديريك.
…………………………………………………………….

بهجت أحمد
كاتب ومؤرخ من مواليد مدينة ديريك
حاصل على ماجستير في التاريخ وكان الأول على مستوى سوريا بمادة التاريخ عام ٢٠١٠
وله أكثر من ١٥٠٠ مقال منشور في الصحف والجرائد والمواقع الالكترونية وكتاب مطبوع وكتاب قيد الطباعة.
مقيم حالياً في ألمانيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع