عذرا يادار

156

عندما رفع بائع الكتب الادبية والمجلات العربية الذي يمتلك طاولة متواضعة جنب مصرف الرشيد في مدينة جميلة يعرض عليها كتبه للبيع رأسه بعد سماعه لسلامي عليه راودني احساس غريب ، احساس بين الغبطة والتعجب ، لأنه عرفني على الفور ورد بحرارة علي قائلاً : ياالف هله ومرحبا ست ، ماهذه الغيبة الطويلة . تعجبت لانه لازال يتذكرني، وعندما سألته والله زين افرحتني لأنك لم تنساني ؟ قال وكيف يمكن ان انساك ، تفضلي واختاري اي من الكتب تبغين ، قلبت الكتب واخترت اربعة منها ومجلة العربي التي لم اطالعها منذ عام 1980 . وقع نظري على رواية  كنت قد اشتريتها من لبنان مؤخراً قلت بشكل عفوي لابن خالتي الذي كان يرافقني : هذا الكتاب انا اشتريته من لبنان .

 سألني البائع : بالله عليك بكم اشتريتيه ؟ قبل ان اجيبه سألته وانت بكم تبيعه ؟, ضحك وقال : ستة الاف ونصف دينار عراقي قلت : بالحقيقة انا لا اتذكر بكم اشتريته ولكنه كتاب جيد للغاية . أرجو ان يسامحني الله لأني كذبت عليه حتى لا يشعر بالغبن ، فإني اشتريت الكتاب في لبنان بنحو عشرين دولاراً امريكياً …. باع الرجل لي كل الكتب الخمسة بخمسة وعشرين الف دينار عراقي لا غير،  ولم يأبه لاعتراضي على خفضه للسعر ، مؤكدا ان كنت ارغب في اي وقت، استطيع ان  اتصل به وهو سياتي بالكتب لباب دارنا .. خفق قلبي بشدة بين اضلعي وشب لهيب نارٌ في جوارحي كلها ، اجبته وأنا اداري دمعة حيرى كادت ان تنحدر من عيني : انا لم اعد اسكن في دارنا انما  بعيدٌ جدا عن هنا …

كان شيء ما  يضغط على صدري ويشعرني بالضيق وعدم الرضا من نفسي وسلوكي حيال بعض الأمور، طلبت من ابن خالتي ونحن قريبون من ساحة مظفر ان نعود لأني اريد ان القي نظرة على دارنا … تعجب من كلامي وقال داركم ؟ ولماذا ؟

كان له الحق ان يتعجب لانني منذ ان غادرت للمرة الثانية دارنا عام 2010 بشكل مباغت ولاسباب أمنية طارئة وسكنت السليمانية لم أمر عليه و لم القي نظرة على مبناه خلال زياراتي الكثيرة لبغداد،  رغم اني قضيت فيه اجمل سنوات عمري ولي ذكرى في كل زاوية من زواياه ، لصعوبة الأمر علي واحساسي بالاكتئاب كلما كنت افكر به فكيف ان رأيته رؤى العين .. وحتى عندما بعته لم اتي لنقل او بيع اي من اثاث الدار حتى لا اتراجع عن بيعه فكل جزء منه كان لي فيه ذكريات عالقة بوجداني … والغريب اني خلال سنوات التهجير القسري كنت كلما احلم ببيتنا احلم بجزء خاص فيه فقط وهي زاوية من جدران غرفة الهول الذي كان فيه رطوبة ويضطر الوالد أن يصلح الخلل دائما ولكن بلا جدوى فترى بعد فترة وجيزة ان الرطوبة بدات بالظهور مرة اخرى ،  وعندما عدت الى البيت بعد فراق طال 23 عاماً رأيت ان ذلك الجزء لازال كما كان دائماً رطباً !  

اعادني أبن الخالة الى زقاقنا … فوجئت لأن لم يكن لدارنا أي وجود !، فقد هُدِّم وبُني في ارضه التي كانت مساحتها 1250 متراً مربعاً ثلاثة بيوت ولا تزال هناك قطعة من الارض غير مبنية … غمرني حزن عميق وكدت ان ابكي عليه وعلينا ، تساءلت أين كنا وأين أصبحنا ؟ شعرتُ اني غدرتُ بدارنا عندما قبلتُ ان ابيعه وانسلختُ من كل ما كان عزيزاً على قلبي … همست لما تبقى من أرضه… 

عُذراً يادار …

أضنْ مو كلّ الذنب ذنبي

باللّي جرى عليك وصار

هَلي وكلّ اللي كانوا يجوك خُطار

شافوا الويل والقتل والتشريد

على ايد هذولك الاشرار  

شوفتك والله اليوم چوت گلبي

اشد من چوية جمرة النار 

لا تضن اني في يوم انساك

لأن شايلتك هَمْ على چتافي

وسُكناك ابوسط روحي

ياريحة هلي ورفقتي يادار

نظيرة اسماعيل كريم/ بغداد 25/2/2019   

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع