طائرٌ من وطني

158
طائرٌ من وطني
مرام عطية

قال طائرٌ معتقلٌ في زنزانةِ الخوف
اعذرني ياوطنُ
لم أكنْ أدري
أنَّ الشدوَ في الأفراح والأتراح من المحرماتِ
ولم أكنْ أدركُ أنَّ الأمانَ في عشي حزمةٌ من الكمالياتِ
وأنَّ الرغيفَ والضوءَ ، الدفءَ والماءِ
حفنةُ توابلَ أو رشةُ بهاراتِ !!
*
يامن ترفلونَ بوشاحِ الحياةِ
وتنعمونَ بنسائمِ الحريةِ
إذا رأيتم أباً يطوف النهارَ
يفتشُ عن وطنٍ أضاعهُ في زحمةِ الجراحِ
يفتشُ عن نافذةِ ضياءٍ
يسألُ عن قلبٍ يسمعُ أنينَ روحهِ
عن وجبةٍ تعيدُ له الأمانَ المفقودَ
عن عملٍ شريفٍ يقيهِ مرارةَ السؤالِ
فلا يعاقِرُ السرابَ
أو يعودُ إلى بيتهِ وعلى ظهرهِ أكياسُ القهرِ
وبين يديه سلةُ أحزان
عيناهُ خجولتان تهربان من نداء أطفاله
هل اشتريت لي قطعة حلوى ياأبي ؟!
فاعلموا أنَّ ذاكَ المنهكَ يكونُ أبي
*
و إذا رأيتم امرأةً تمشي على الأشواكِ برشاقةِ نحلةٍ
وتلوكُ الصَّبر برجاءٍ
تقفُ في وجهِ الريحِ كصفصافةٍ شجاعةٍ
امرأةً تقرأُ في عينيها كلَّ الفصولِ
تختصرُ بنونها جميعَ النساءِ
و على خطوها يهدبُ الربيعُ وتلهو الفراشاتُ
ترعى الغزلان في قامتها
وعلى جبينها مسارحُ الغار
بين يديها تستحيلُ الصحارى واحاتٍ
فاعلموا أنَّها تكون أمِّي
*
واذا سمعتم حقولَ القمحِ والزيتون
تتساءلُ عن غيابِ فلاحٍ يباكرهما غدوةً
و يعودُ إليهما في المساءِ ، تعلوه بشائرُ الرضا
والآن يسكنُ لجةَ الغيابِ
فاعلموا أنَّ تلك الحقولَ تكونُ قريتي
وذاك الفلاحُ يكونُ في البريةِ أخي
*
وإذا رأيتم زمناً تتصدَّعُ صروحهُ
ينهارُ سلمُ الجمالِ فيه ، و تتلاشى لبناتُ الأخلاقِ
زمناً يعتقلُ الربيعَ ويحتطبُ الوردَ
فاعلمو أنَّهُ أعمى لايبصرُ نورَ العلمِ
أبكمُ لا ينطقُ بالحقيقةِ
يستبدلُ مكتشفاتِ الحضارةِ
بتفاسيرِ الجهالةِ
زمنٌ يزحفُ كسلحفاةٍ نحو جبلٍ
أعرجُ يحطُّ ركابهُ حيثُ يجدُ ماءً أو كلأ
وإذا حدَّثكم الوقتُ عن مرضٍ عضالٍ
أو شحوبٍ في وجههِ أو وجعٍ في خاصرتهِ
فاعلموا أنَّ هذا الزمنَ هو الآن سريري
ودثاري ، هوائي و رغيفي
وماصوته المتهدِّجُ إلاَّ صدى آهاتي ونحيبي
*
وإذا رأيتم عاشقةً
تكتبُ رسائلها للشَّمسِ والنرجس
للسنابلِ والنجومِ
وتنثرُ قصائدها الدمشقيَّةَ في الكونِ
كما ينثرُ النسيمُ زهرَ شجرِ الدرَّاقِ في نيسانَ
وتحترقُ في محرابِ الحقِّ
كفراشةٍ أمامَ اللهبِ
فلا يجيبها إلاَّ الله
فاعلموا أنَّها حبيبتي سوريةَ
جاءت ترتِّلُ في كنائسِ الحبِّ
لتُخفِّفَ ملوحةَ الأحزانِ
ويزهرَ ياسمينُ السَّلامِ

مرام عطية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع