ضمائر غائبة: في ذاكرة الأزمنة..

50

بقلم محمد أمين المكشاح

 

“وتعود الى الأصل الأول، أين أنت؟ من تكون؟”

“في النهاية قد أعود سريعا وحينها سأكتب عنك كما لم أكتب من قبل… في كل الحالات أنتظر أن تغني للجميع”

 

السابعة إلا خمسة عشرة دقيقة صباحا، أسرعت نحو أقرب مقعد على الجانب الأيسر من الحافلة المتجهة إلى العاصمة.

هاهي غار الملح، عروسي تتزين بسماء من ضوء وبنفسج وآيات مقدسات، تبتسم وآثار النعاس بادية على ملامحها، تودعني حتى حين…

“لابد أن تعود” تهمس في قلبي “تذكرني، سأكون تعويذة لك وحصنا، سأدرأ عنك النزف والإعصار…”

لكنك جرحي النازف الذي يشرب منه الفقراء وعاصفتي درع بيد الضعفاء، أحبك كما أنت… أنت.

مريم تتبدى في كل شيء، هذه الحكاية أعرفها جيدا، أحملها في تفاصيلي، أتنفسها، أنتظرها وتنتظرني، لكننا لا نختار غير الرحيل لقاء.

فجأة لمع شيء هاهنا ودوى صوت قامت الدنيا له ولم تقعد… تفجرت الأزمنة الثلاث، تناثرت شظايا…

“لابد أن أعود، عروسي تنتظر وفي أحشاءها انتظرني أولد من جديد…”

ظلمة، أين؟ متى؟ كيف؟ ضاعت أناي مني وتلك الآية المقدسة نظرت في حنو وحب جارف لتلتحف بعدها السواد… تمزقت غير أن طعم الملح لم يختفي والحلم…

قطار وأنت تقتفي ذاتك البعيدة، جلس المفكر على طريق الذاكرة: أنتظر المساء منذ ما يناهز مسيرة دخان نحو أرض الميلاد- لم يقبل، أنكر الوفاة، ثار على التراب، وتبرأ من بصره… هنا لا شيء لي، قال واللعنة تضيء طريق الرحلة إلى بداية نهاية أخرى حيث لا فواصل بين دموع الفرح وضباب الفكرة: كطفل، أو ربما، كشيطان مارق عن أصل الغواية الأولى…

لا شيء يختفي في الليل، ظهور السماء الباقية التقاء الذكرى بالحلم- بالظلام… مثل رقصة طفلة وصفعة على خد ملك منفي إلى الأرض… أن أفترش الأرض حذوك، أن أبعث زهرة إلى جانبك، في ترابك: ثقيل الروح، مطأطأ الحلم، أضاع لغته واختفى في البياض… “أشتهي الوصول إلى قلبي، علي أصل إليك…” قال المفكر مؤمنا بعبثية أمنيته، ضحك، بكى وعرج إلى السماء الأخيرة…

 

“لا شيء، لا شيء…”

حدثني المخمور ورائحة الذكريات تنبعث من ثيابه الرثة ذات مرة… “لم يبقى من الرقي على هذه الأرض غير بقايا موسيقى دأبت على البحث عنها في تفاصيل وجوهكم.”

أدخل يده في جيب معطفه ليسحب سيجارة ثانية من ذلك الصنف الرديء الذي يداوم على استهلاكه تشبها بالفقراء بعد أن أطفئ أخرى لتوه في المنفضة المصنوعة من خشب البلوط… حدثت نفسي وأنا أتابع حركاته أن رداءة هذا الشخص المركبة من جوهري العفن والنور هي حقا ما يميزه… حتى أنه يشبه تلك المنفضة إلى حد بعيد.

تابع منهكا “لم يبقى لي وجه، سأسافر بحثا عن واحد…”

-كم تملك من المال؟

“لا شيء غير بقايا أحلام… لكن تذكر جيدا: الموسيقى التي تجعلني أدخن أكثر، وحدها هي القادرة على تقمصي… هكذا علمت ذات يوم أني موسيقاي…”

-وموسيقاي؟

-أصغ إليك، حتما ستجد أصواتهم ترشدك إلى الحقيقة.

 

دندنت طفلتي، ضحكت، اخترقتني، ظننتني ميتا… ماذا بعد؟

“في عينيك أنا مكفن، أنا ميت، أنا كما تعلمين- أنك لا تعلمين… الخز أخ الطين”

 

شعرت بالبلل يتسرب إلى أطرافي وأخذ طعم الملح يختفي شيئا فشيئا… وأبصرت الأخضر، هل تراني بعثت بعد موت؟ لكني لا أشعر بجسدي، أبصر فقط…

 

“غار وعذراء…

سجود للشمس والليل أقبل يحرر النجوم- والقمر…أنشودة العرس مريم وصلوات…

أسلمت وجهي لله- أتذكر…

التفاحة نجمة

وكنت كما البراق…

استراق الليل والنجم

وسجود في همس- أراك…”

 

ترددت بين جنباتي تلك الأصوات مرتلة… يبدو أنه كان محقا…

وأبصرت…

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع