ضباط متقاعدون يدخلون عالم الكاتبة و التأليف(فضيل عبد الناصر دردور نموذجا)

61

Image result for ‫ضباط متقاعدون يدخلون عالم الكاتبة و التأليف(فضيل عبد الناصر دردور نموذجا)‬‎

اعتادالضباط المتقاعدون أن يصدروا مذكراتهم يتناولون فيها سيرتهم المهنية و يتركون فيهابصمات ترسم مغامراتهم و الأحداث التي وقعت لهم أو التي واجهوها كلٌّ و اختصاصه،إلا أن الأستاذ فضيل عبد الناصر دردور و هو ضابط متقاعد  فضل دخول عالم الكتابة و التأليف، و كتاب   portée cadencée يًعَدُّ أوّل إصدار له  باللغة الفرنسية، و هو من ضمن مجموعة كتب قيدالطبع

التقينا به صدفة عشية المولد النبوي بالمكتبة العموميةللمطالعة قسنطينة فكان لنا الفضول في إجراء معه دردشة قصيرة حول مضمون كتابه وأشياء أخرى لها علاقة بالكتابة و المقروئية و العالم المعرفي ككل، و الأستاذ فضيلعبد الناصر دردور  من مواليد  مدينة قسنطينة ، من أصول أوراسية، و من أسرةثورية، ترعرع  وسط عائلة بسيطة لكنها ذاتعلم و معرفة تخرج منها شيوخ و علماء، منهم  العلامة الشيخ عمر دردور، وعبد الباسط من جامعة باتنة، و كاتب تاريخ بونة الشيخ أحسن دردور، و كان الأستاذفضيل عبد الناصر دردور ضابطا بإحدى مؤسسات القضاء قضى فيها 35 سنة ، و كانت آخرمسؤولياته ضابطا و مسيرا لمصلحة المحجوزات قبل أن يحال على التقاعد،  ليجد نفسه أسيرا بين الكتب و الأوراق و القلم،يكتب  دون ملل أو كلل ، في وقت تتالت عليهالأحداث من فرح و قرح، عجز عن المجز بينهما، ففي وقت كان ينتظر طبع كتابهبشغف  حتى صدر له أول كتاب،  فوجئ بفقدان أحسن رفيق له ، وهي أمّه التيتوفيت مؤخرا.

و رغم ملامحالحزن التي كانت بادية على وجهه، فقد حدثنا عن مضمون كتابه الذي يعد أول إصدار له وهو الموسوم بعنوان: portéecadencée، يقول عبد الناصر دردور أن فكرة إصدار هذا الكتاب جاءت من منطلقأنه ضد فرض الرؤى، و من هذا المبدأ  أخذالعين أو النظرة la visionليشرح وظائفها المختلفة، و قد تطرق إلى  وظائف اخرى تختلف في مضمونها لحاسةالنظر، حيث قسم الكتاب إلى خمسة محاور،  استخلص منها الصيغة التي يمكن أخذها عن هذهالحاسة ، للخروج بقاعدة أو نظرة  حسابية عنتختلف  عن النظرة الحسية، ثم المزج بينالنظرتين لتوضيح ابعاد الرؤية التي تختلف من شخص لأخر و فق معطيات مختلفة، و قدصنّف صاحب الكتاب الرؤى إلى أربعة اصناف، و ذكر كل صنف على حدا، حيث تحدث عنالرؤية الواضحة،  الرؤية للعامة و التيشترك فيها كل الناس، الرؤية المفروضة، و الرؤية المستقبلية، و في المحور الخامسيتحدث الكتاب عما يسمى بـ: leparadox  تحدث فيه عن التناقض صورفيه القاسم المشترك بين الناس، الإختلاف بينهم – كما يرى هو- يكمن في تربية الشخصالذي يختلف بدوره عن الشخص الآخر في رؤيته العلمية و الفكرية، في محيطه الذي يختلفمن مكان إلى آخر، و ختم كتابه بأنه ليس العين التي تعمى و لكن يعمى القلب الذي فيالصدر.

أكتب بكللغات العالم لكي يصل صوتك و تصل رسالتك

كان أول سؤال أثار اهتمامنا هو لماذا الكتابة باللغةالفرنسية؟  فكان رده و بلغة الواثق من نفسهأن المسلم وجب عليه أن يكتب بأي لغة ، حتى لو كانت لغة الكفر، موضحا بالقول: إن لمأكتب انا كمسلم بلغة الكفر فمن يبلغ عنّي ديني و فكري؟، و يضيف أنه من واجبناكمسلمين أن نوصل فكرتنا إلى القارئ الأجنبي، نحثه فيها على محاسبة النفس، لعل وعسى نكون سببا في هدايتهم، و حول انطباعه للصالون الدولي للكتاب ( سيلا) الذياختتم مؤخرا و المشاركين فيه ، لاسيما الوفد الصيني الذي عرض كتبا باللغة الأمّ (الصينية)، و كم اثارت دهشتنا و نحن نقف على جملة من الحقائق لم يتناولها أحد منزوار المعرض، و لا حتى المسؤولين المنظمين و الساهرين على نجاح هذه التظاهرة الثقافية،فقد كانت للأستاذ فضيل عبد الناصر دردور مشاركة في الصالون مع مؤسسة “إيناد” تحت رعاية وزارة الثقافة،أين خصصت له في  حصة بيع بالتوقيع بالإهداءلكتابه السالف الذكر، و كما قال هو، احتكاكه بالنخبة الوطنية من أدباء و كتاب وناشرين رفع من معنوياته، كما كان له لقاء مع وزراء سابقين على غرار المؤرخ بوجمعةهيشور، و كان له الشرف أن يلتقي بالكاتب و الروائي الصيني غوان موييه المعروفباسمه الأدبي مو يان، الحاصل على جائزة نوبل للأدب في سنة 2012.

يقول عبد الناصردردور أن لقاء شخصية أدبية مثل هذه يزيدك خبرة و تألقا إن صح التعبير في مجال الكتاب و الكتابة معا،  يحتم علينا أن نرفع شعار: “أكتب بكل لغات العالم لكي يصل صوتك، و  تصل رسالتك”،  و بخصوص إمكانية القارئ الجزائر من فهم ابجديات اللغة الصينية، أوضح محدثناأن الشباب الجزائري اصبحت له  قدرات معرفيةمن حيث إقباله على تعلم  اللغات الأجنبية ومن بينها اللغة الصينية، مكنته من التعرف على الآخر و التقرب  منه، خاصة و أن العلاقات الدبلوماسية بينالبلدين قربت المسافات بين الأجيال، بحيث بدأ صيت اللغة الصينية يكبر و ينتشر فيالجزائر ، و اصبح شبابنا يتقنون لغتهم قراءة و كتابة، و الدليل ما دار من نقاش حولإصدارات الصين في مختلف الميادين ، دون أن ينسى ما أبدعته أقلام الجزائريين، و هنا يستذكر الأستاذ دردور  كتاب “القلم يبكي” لأصغر أديبةجزائرية، و التي كان له معها حوار مطول، تعلم منها آداب الحديث كما قال هو، رغم إعاقتها فهذه الفتاة أعطت درسا في التحدي و الثبات و المقاومة.

ماذا عن الكتابة و جمالياتها؟

هو السؤال الذيطرحناه على الأستاذ دردور، و قد أخذنا الأستاذ دردور في جولة افتراضية حول عالمالكتابة،  و فتح نوافذ  نطل من خلالها على نور الإبداع، حيث  اعتبرها هوسٌ و إيلاءٌ و لا تكتسب بالممارسة، وقد استرجع صاحب الكتاب كيف بدأ يراقص القلم و عمره لا يتعدى 12 سنة، معبرا عن وجهةنظره، إذ يقول: لا يمكن للكتابة أن تأتي بالإكتساب، هي إلهامٌ، نارٌ تشتعلُ، توقضكفي وسط الليل و الناس نيام، قد تكتب سطرًا، ربع صفحة أو صفحتين ثم تنام، و يضيف:لو كانت  الكتابة مكتسبة، لكان جل الناسيكتبون، و لذا سماها بالهوس، و الهوس عنده ليس له زمن معين و لا مكان،  كما أنه لا توجد كتابة نجاحة و كتابة غير ناجحة، ما لحظناه أن الأستاذ دردور سرقته الكلمات و أخذته إلى عوالم آخرى لا يعرفها إلامن يعشق الكتابة ، و كأنه وقع أسير أفكاره، أيمكن للأفكار أن تسيطر علينا؟ كانتمجرد تساؤلات طرحتها على نفسي في صمت، ثم ما لبثت أن أشارك بها محدثي، و تراءت فيمخيلتي صورة فيلسوفنا مالك بن نبي، و هو يتحدث عن الأفكار الميتة و كيف يمكنمحاربتها، و في هذا يرى الأستاذ عبد الناصر دردور أن الأفكار الميتة نحاربهابالعلم، بالتآخي، بالمصالحة الفكرية، و هذا يدفعنا إلى الإبتعاد عن الهجاء و النقدالسلبي للآخر،  و نبذ التعصُّب الفكري، وضرب أفكار الآخرين،  والإقتداء بابن باديسالذي حارب الفكر المتشدد، هذا ما قاله صاحب ( بورتي كادونسي) معبرا عن اسفه و هويقف كغيره من الكتاب و المثقفين على انهيار الأمة العربية،  لكنه و من باب الإعتراف قال: “نحن نتحملجزء كبير من المسؤولية ، لأننا لا نقرأ و تعلمنا فرض الرؤى و التهجم على الآخر”،و عن المقروئية في الجزائر قال عبد الناصر دردور أن شباب اليوم أكثر إقبالا علىالكتاب الديني، أما الكتاب الأدبي و الفكري هُجِّرَ، و مما يزيد في طامتنا  أن عدد الإصدارات تتضاءل من سنة لأخرى حتىاصبحنا لا نجد ناشرا إلاّ في أوقات محددة، كما أن ملتقيات الفكر و الكتاب ضئيلةجدا، و في هذا يؤكد عبد الناصر دردور أن الوقائع و المصائر اليوم متداخلة ومتشابكة ، و هي تقتضي شبكة من المفاهيم و المقاربات تتيح للخصوصية أو للذات تركالهامشية و الإنخراط في صناعة الواقع و الحاضر و المستقبل مع الحفاظ على التاريخ والذاكرة و الرمز و المخيال ، و إعادة النظر و التفكير فيها بشكل فعال و مثمر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع