صورة تحت جدار هاو ٍ

39

سمية العبيدي/
مضى يحمل إبريقه اللدائني الممتلىء من ماء النهر الصغير الجاري . صعد الى كتف النهير وانحنى يريد الوضوء تعثر قليلاً غير انه سريعاً ما استوى قائماً فاغتسل وتوضأ ثم استقام بجسده الطويل وأعاد ملء الإبريق ليسرع الى مأمنه حتى يؤدي فرض صلاة الفجر .
حمل الكاميرا على كتفه وخرج يجوس بين كتل البناء المنهارة محاولاً أن ” يزمكن ” الدمار بالكاميرا , صوّر ما تهالك من كتل الاسمنت وغيره والأثاث المحطم وما برز من خلل السقوف من قضبان الحديد التي انكشفت كضلوع الهياكل العظمية , كان يلبس كامل القيافة من ” بسطاله ” المصنوع بمواصفات خاصة الى الخوذة التي يلتحق بها أحدث ما اكتشفت الحضارة من وسائل التلصص وطرق الحماية الشخصية في آنٍ واحد .
أدى فرضه بعد أن وصل الى البيت الذي أخلته العائلة الا منه حيث أبى أن يذهب مع عائلته وبقي ليحمي دارهم التي أنشأها جده بالعرق والكفاح في سبيل الرزق جدهم الذي اضطرته ظروف الحياة القاسية أن يضحي بابنه الأكبر إذ أخرجه من المدرسة ليبني معه دور الآخرين وضحى بابنه الثاني الذي سافر وراء دراسته ورزقه فلم يسمع عنه شيئاً بعد ذلك , ولا يُدرى أحي هو أم ميت , تاركاً وراءه امرأة وابناً في الثانية من عمره . نشأ الفتى في حضن الجد الدافىء الذي كان يرى فيه صورة ابنه الغائب فيهدأ ويحتسب ويصبر .
انسل الى البيت الذي هُدم لاحقاً ككل بيوت الحي والذي انقطع الماء عنه وكذلك القوة الكهربائية ومع ذلك لم يرض بما اقتُرح عليه من الرحيل وراء الآخرين . صنع فطوره وتناوله منفرداً بلا شهية ثم ولأن لا عمل عاجل ومُلح ليقوم به عاود النوم في فراش ٍ سليم بقي من أثاث اسرته النازحة .
جاس خلال الدار المتهالكة ولكنه لاحظ أن فيها حياة فقد دلّه على ذلك بقايا طعام وشراب وأبريق مسود – فوق نار مطفأة – لا زال نصف ممتلىء بشاي دافىء أغراه أن يشرب بعضه لولا قائمة التحذيرات التي يحفظها ظهر غيب . استتر مع كاميرته ثم زحف منحنياً الى غرفة متهالكة اخرى جاس فيها متجاوزاً أكوام الأثاث المتراكم والزجاج المنثور بلا مبالاة ذلك لأنه يلبس ” جزمة ” قوية وقعت إحدى رجليه على شيء فتحطم تحتها فوراً , ألقى نظرة حذرة عابرة الى الصورة التي هوت من الجدار في زمن سابق . استرعى الوجه الذي أخذ ينظر اليه بعينين يعرفهما جيداً . انحنى ليرفع الصورة المحطمة بيديه الإثنتين ليتحقق مما رأى نعم انه أبي أبي في شبابه بعينيه الرائعتين الحنونتين وشعره الذي ينتصب مرفوعا فوق جبين عريض يصلح شاشة عرض . انه أبي بشحمه ولحمه مؤطراً في صورة هوت مع هذا الجدار . تذكر أن أباه من هذي الديار التي ظل يحنُّ لها ويذكرها حتى مع أنفاسه الأخيرة . أعاد الصورة الى مكانها في الإطار المحطم ثم صوّر ذلك متناسياً أن من فيها هو أبوه . كان يحمل – إضافة للكاميرا – في جيبه الخلفي مسدساً تحسبا للطوارىء وقف بحذر إذ سمع نأمة صدرت من الغرفة المجاورة وعبرت بذهنه مثلما البرق آلاف الإحتمالات منها أشباح الثوار المتخندقين في بيوت مهجورة أو في سواقٍ منسية في مزارع غادرها أهلوها وغادوا ما فيها من رزق كانوا ينتظرون حصاده . منحنياً مشى بحذر الأفعى وتوثبها ومد عيناً مفردة الى حيث يغفو حارس البيت الذي لم يحرس الا الهباء ولم يحافظ الا على الدمار المتسلل اليه مع أقدام الزاحفين مع المنايا موزعة بين جانبي الرحى التي تطحن الأجساد والأرواح من كلا ضفتي الصراع . مد عيناً واحدة ليرى تقلب النائم في فراشه واذ مدَّ النائم على وجهه يداً تحت الوسادة كما اعتاد , ظن الرجل صاحب الكاميرا دقيق الملاحظة ان النائم يستل سلاحاً ما من تحت الوسادة فسارع مبادراً بطلقة اخترقت صدر النائم وأودت به الى وادي الموت في ثوان , واذ لاحظ ملابس النائم المدنية وتناقض هذه الملابس مع قيافة الجندي أو المقاتل , اقترب ليرى الجثة التي تبرعت بدمها الى الحشية التي تحتها وأهدت بعضه الى الوسادة اقترب يقلب الجثة كي يرى وجه الضحية فإذا هو نسخة عن وجهه الذي يحمل بين كتفيه وفي مقدمة رأسه .

سمية العبيدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع