صهـيل الـنـدبـة(إلى الشاعرة المتميزة سناء الحافي)

56

صهـيل الـنـدبـة

إلى الشاعرة المتميزة سناء الحافي.

حديث سيميولوجي إلى  :

مقطوعة زجلية للشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد

” وأنت تقرأ هذه المقطوعة الزجلية ( * )، فلا تنتظر أن شيئا سيحدث بل إنها نفسها حدث في سيرورة  ”  .  م/م .

إن إحدى الفرضيات السيميائية ترى في شعور الذات الإنسانية بالفقدان أوالخيبة  مؤشر على حالة انبثاق للوجود السيميائي ، الذي يتولد هنا من شرخ يطال علاقة الأنا بذاتها أو بالعالم من حولها ، تحوُّلٌ ناتج عن علة في الكينونة أو تصدع في الهوية مما يعد بتوتر بين حالتي الثبات والتحول ، ثبات حالات الأشياء المضادة ذاتيا وموضوعيا ، ومحاولات الأنا تجاوزها…فيدفعها ذلك إلى البحث عن توازن أو إعادته في علاقتها بذاتها أو بالكون من حولها ، حيث تتكفل وسائط التعبير الفنية بإخراج هذه التحربة  من حيز الاحتمال إلى فضاء التحيين… تتحول معها التجربة الحسية إلى آثارها الخطابية ،حيث أن ” التمتع بالأثر الفني يرجع إلى كوننا نعطيه تأويلا ونمنحه  تنفيذا ، ونعيد إيحياءه في إطار أصيل ــ ( 1 ) ، شأن هذه المقطوعة الزجلية { النص أسفل الدراسة } صوت الأنا المباشر ، المجسدة لحالة إنسانية ذاتية درامية ، لأنا شاعرة  ، متوترة ، فاقدة لمصوغات الفعل والاعتقاد  ، لأنها لا تملك قيمها الصيغية بوصفها حركات تحول وديناميكية ، ف ” نظرية الصيغ تذهب إلى أن التحول ــ أو التباث ــ  الوحيد لحالات الأشياء يكفي لتثمين الدلالة  ” ( 2 )  : إنها الرغبة في الكينونة مع عدم القدرة على الفعل لمواجهة جروحها ، لتخلي ذاتها  عنها ، رغم أن الضرورة والواجب  يفرضان على ذاتها  المساندة والمقاومة ، فالتعاقد الإنساني الطبيعي  منه والائتماني يقتضيان تلاحم الذاتي والروحي في مواجهة كل الاكراهات مهما كانت طبيعتها أو حجمها  ، لذا فقد وعت وضعها المأساوي كأنا حاسَّة ( روحية ، )  تعيش آلام جروحها ثم ك “أنا ” مدرِكة حسيا تنعي تورط  ذاتها ــ بوصف هذه الأخيرة  تراكما تاريخيا وثقافيا ، لا فيزيقيا فقط ــ … في استفحال معاناتها … وهذا ما سنلحظ آثاره  ، على مستوى فضاء البوح الشعري ،… حيث سنرى تباث العلاقة التعاضدية بين” الذات ” والجروح من جهة ، في صراع مع رغبات  التحول ” لأنا ” شاعرة ، تحاول اجتياز آثار هذه االمحنة … ولا أقول أنا زجلية ، لأن الكتابة الزجلية تعد تمظهرات لأثار القيم المحسوسة و أداة توسط فقط  من منظور الأدبيات السيميائية ، تقول ” الأنا ” الشاعرة مخاطبة ذاتها :

( غزيتي في

انت وجروحي

ضليتي

وظنيتك تروحي ) .                                                                                                               وتعتبر هذه المقطوعة بأكملها امتداد لقطبين متعاكسين ، يؤثثان فضاء الانتشار الدلالي  :ــ  أنا شاعرة  تشتكي، تتألم  تكابد جروحا  ــ و ذاتها  المتهورة والمؤازرة لهذه  الجروح باعتبارها أيقونة  مفتوحة على عوالم الممكن و موضوعا ديناميكيا لتسريب القيم ، تمتح منها الأنا الشاعرة  رؤاه ورغباتها  ومواقفها في علاقاتها بخذلان الذات وإكراهات الواقع ، لأنه لا يمكن فصل الأنا والذات عن تاريخهما الفردي والجماعي …

ثم إن هذا التكافؤ أو التوازي الإيقاعي ــ على مستوى فضاء المقطوعة ــ بين العلامة المدشنة لنمو الحدث المادي ( نوحي ) وبين العلامة المنفتحة على الحدث المعنوي ( روحي ) بوصفها جروح ” الأنا ” الشاعرة الحقيقية ، يمثل  إيقاعا صوتيا دلاليا سيساهم في نسيج ضفائر دلالية  على مستوى فضاء هذه المقطوعة ، التي يمكن مفصلتها عبر ثلاث ومضات شعورية تؤطر مسار التجربة سواء على مستوى الرؤيا المتوترة  ، أوعلى مستوى الانتشار والامتداد الدلالي ، وكذا توزيع القيم الهووية ، التي يمكن أن تتجسد ” في صفات يتداولها الناس ويصنفون بعضهم بعضا استنادا إلى ممكناتها في الدلالة والتوقع الانفعالي . فالبخل والغيرة والحقد وغيرها من الصفات ــ الألم ، الخيانة ، الخذلان ، الحسرة … ــ هي كيانات تعيش بيننا …. ” ( 3 ) ، حيث انبثاق الومضة الأولى عبر حالة تباث تستضمر توجعا وألما على مستوى الاحتمال :

1ــ

( نوحي

يا ذاتي

نوحي )

2) ــ والثانية حالة تباث أيضا ، تجسد خذلانا و خيبة أمل على مستوى التحيين  :

( غزيتي في

انت وجروحي

ضليت

وظنيتك تروحي )

3) ــ أما الثالثة فتمثل حالة تحول سلبي ، تؤشر عليه صيغ الندم والتحسر على مستوى التحقق :

( الساعة ما مشيت حتى خليتني

واحل فجروحي )

ففي هذه المقطوعة تحس هيمنة الصوت الشاعري على خطية الدال ، تشعرك بالتلقي المباشر لأحاسيس الأنا وآهاتها المنذورة للمعاناة الذاتية والإنسانية ، مما جعل اشتغال العلامات الخطابية  ، لا كأدوات توسط فقط  بل كنوى للسيرورة التدلالية  Sémiosis في تعالقاتها ، من حيث كونها ( 4 ) شبكة من العلامات يحيل بعضها على بعض دون توقف ) ، كل منها يعد مصدر إشعاع دلالي سواء على :

ــ مستوى التجاور : بوصفها مؤشرات لفظية لنمو الحدث عبر امتداد الومضات الشعورية الثلاث  : وهذا ما نلاحظه  ــ مثلا ــ في ملفوظ الومضة الأولى الاستهلالي ، حيث توسط النداء االمندوب الموجه إلى الذات  بين حدثين ( نوحي / نوحي  ) ، مما يؤشر على عمق حالة التوتر التي تجتاح الأنا ، وعلى سمك الكثافة الدلالية التي تصدر عن هذا الفعل وتكراره …لأنه صوت الأنا الشاعرة ، متنفسها  الناعي لتجربتها المؤلمة مع ذاتها ، حيث تحتل هنا  بؤرة التدلال … فعدم تكرار هذا الفعل/ الحدث يجعل النداء يفقد هذه الخاصية :

نــوحي ..

يــا ذاتي

نــوحي

ــ ثم على مستوى التشابه بوصفها أيقونات / (علامات تحيل على موضوع من خلال الكشف عن جزء من أجزائه ) 5) ، تحولت إلى أبعاد تصويرية تجسد عمق المعاناة  التي تكابدها الأنا الشاعرة جراء تواطؤ ‘ ذاتها ‘ مع الجروح ، عوضا أن تلعب دور عامل مساعد لأناها تحولت إلى عامل مضاد …. جسدا زمن الانكسارات وانهيار الأحلام ، على مستوى تطلعات الأنا الشاعرة  مولدة جروحا لا تلتئم  ، فكيف تحتمل ذات فردية كل هذه المتناقضات ..؟ !

فالاستهلال ، إذن ، يؤشر على انفتاح الأنا الشاعرة على ذاتها وانغلاقها المؤقت عن العالم الخارجي من خلال   إرهاصات توترية تؤذن بانبثاق  عوامل الصراع والتوتر  الناتج عن الصدام بين  حالات التحول وحالات الثبات…..  عوامل ستجسدها البنية الخطابية التالية :

ــ المرسل : الألم

ــ الموضوع : الجروح

ــ المرسل إليه : حب الحياة

ــ المساعد :  الزجل

ــ ذات الحالة  : الأنا الشاعرة

ــ المعيق  الذات / الجروح

وإذا كانت ” الأنا الشاعرة ــ ولا أقول أنا الشاعر ــ تمثل ذات الحالة ، فإن الآلام المضاعفة التي تكابدها  ــ آلام جروحها ” الروحية ” و ” الذاتية ” ،آلام خيانة الذات لها ــ ستمثل المرسِل بوصفه مصدرا وموضوع القيمة في الآن نفسه لأنها ــ الآلام ــ المحرك  الوجداني الذي جعل” الأنا الشاعرة ” تنتبه لحالة الخياتة  ولاعتقادها المزيف في كينونة ذاتها ، ومن ثمة  اكتشاف كنه علاقتها بهويتها الذاتية ولا أقول الروحية … الشيء الذي دفعها إلى التماس ” النواح ” من ذاتها تهكما وسخرية ،عتابا وتأنيبا ،. وإذا كان النواح”  لغة ” بكاء وتبكيتا للذات وتعدادا لمناقب المفقود وتوصيف لعمق الآلام المكابدة ، فإنه تحول ، على مستوى الرؤيا الشعرية ،  إلى علامة سردية تمرر من خلالها الأنا الشاعرة مظاهر معاناتها وأشكال توترها ، تنديدا بقيم الخيانة والغدر والخذلان ، خاصة وأنها تم تكرارها لتؤشر على تورط الذات و كثافة المعاناة …. لأنه الفعل / الحدث الذي كانت الأنا الشاعرة الأجدر به  لقساوة الجروح التي تنخر كيانها الروحي  والقيمي  ، وأنه نعي لفقدانها لكينونتها الإنسانية ، وتحسيس للذات بفداحة الفعل .

1) ــ الومضة الأولى :

إذن فالنواح ، هنا ، فقد إحالته المرجعية ، وتحول إلى  ” سيم ”  Séme ، يشغل وظيفة شعرية جديدة  ” لأن ائتلاف النواة السيمية والسيمات السياقية ‘ في مستوى الخطاب ‘ يولد آثار المعنى ” (6 ) ، بوصفه رابطة لعالم الذات الداخلي بالخارجي ، مجسدا للقطب الدلالي للإبلاغ السياقي لمسار الدلالة .. لكونه ، أولا ، حمولةً شاعرية وجدانية ثقافية اجتماعية …وثانيا لتصدره المقطوعة مما يخول له نسج أبعاد الرؤية الشعرية…. فمنذ الومضة الأولى :

نوحي

يا ذاتي

نوحي

تطالعنا  درامية هذا الحدث مؤشرا على فقدان الأنا لموضوع القيمة ، ف ” النواح” لا يمثل فقط أيقونة ( 7 )  تدشين الحدث الشاعري ، وتأشيرا على الصوت الشعري بل انفتاحا على عالم الأنا والذات معا والآخر ، وإعلانا على ولادة موضوع أو حدث ذي قيمة ، عبر طاقة شاعرية حاضرة على مستوى حرارة التجربة ،  ديناميكة على مستوى الامتداد التمثيلي ، كونه علامة مسكونة بأصوات أخرى  ، سيفتح مسار الاحتمالات السردية لصوت الأنا الشاعرة ومن ثمة مدشن للحدث الشعري ، لا يصف فقط  بل يستحضر ويولد  في الآن نفسه أحداثا ومواقف ، ورؤى إنسانية تتعلق بكينونة الأنا المكلومة وبهوتها المتشظية  …. شاحنا لنواة التفاعل بين تجربتي الإبداع والتلقي ، حدث لتحريك ضمير الذات وإشعارها بهول الواقعة وجلال الحدث ، واستنفار لأفق التلقي للتساؤل والتطلع والاستكشاف … إنه الطعم الشعري لإثارة الفضول والتشويق والاستغراب … مثيرا لفعالية الحواس ومستنفر للقوى الحاسة ذات النبل الإنساني لمشاركتها منادب النواح… صوت الوعي الكاشف عن عالم العتاب والتحسر والتقمص الوجداني والإنساني لمعاناة الأنا ، وهذا ما ستتكفل بتمريره الومضة الثانية .

2) ــ  الومضة الثانية  :

( غزيتي في

انت وجروحي

ضليت

وظنيتك تروحي )

تتصدر مسار الدلالة في هذه الومضة أفعال مشحونة بإرهاصات توترية تؤشر على عمق المأساة التي تجترحها الأنا الشاعرة  جراء تواطؤ ذاتها مع الجروح  لإبقائها منفصلة عن موضوع القيمة / التخلص من آلام الجراح  ثم انخداعها في هوية ذاتها  المساندة لآلام جروحها ، مؤول ذلك حالة الغبن والتوهم الذي عاشتهما بين الكينونة والظاهر  في علاقتها بذاتها التي كانت تظهر للأنا عكس ما تضمره لها ، عبر مساهمتها في استطالة أمد الجروح  بل واستحالت زوالها ، وهذا ما أشر عليه فعل الاستغراق الماساوي ( ضليت ) الذي يؤول أبدية  التجربة و من ثمة استمرارالمعاناة الروحية ، كما سنرى في الومضة الأخيرة ، وكذا جراء فعل الاعتقاد المزيف بزوال آثار هذه الجروح ( ظنيتك تروحي ) ، حيث آمال الأنا الشاعرة امتلاك اموضوع القيمة واستعادتها  لكينونتها الروحية و الاستمتاع  بهويتها  الإنسانية بعيدا عن كل إكراهات الواقع …. لكن مع الأسف قدر هذه الأنا أن تعيش إكراهات تشاكلت في نسج عوالمها المأساوية ، جروح الذات مع ” جروح ” وهموم الواقع …

الومضة الثالثة 🙁 الساعة ما مشيت

حتى خليتني

واحل فروحي )

فجراح الأنا ، كما نرى ، معنوية / روحية أكثر منها مادية ، لأن المقصود ليس مادية الذات بل قيمها المعنوية التي شكلتها تجارب الأنا في احتكاكها مع إكراهات الواقع الذاتي والموضوعي ، فالجروح الذاتية قد تلتئم ، لكن الجروح المعنوية  / الروحية يستحيل إلتئامها ، وهذا ما نلحظ آثاره على مستوى الاستغراق الزمني لتباث الحالة واستحالة التحول أو التغير (واحل في روحي )… إنها معاناة الأنا الشاعرة الأبدية الروحية لا المادية ،فالمسند إليه  ( روحي ) معنوي لا مادي ، والمسند ( واحل ) يجسد ويتبث فقدان الأنا الشاعرة لكل قدراتها الصيغية  في تجاوز هذه المحنة … ومأساة الروح أن كينونتها متوقفة في وجودها على ذاتها المعنوية و الفيزيقية/ قيمها الإنسانية  ، ومن ثمة ستظل مأساة الإنسان انخداع أناه في زيف كينونة الذات التي لا تنكشف إلا بعد فوات الأوان … وقدر ” الأنا ” مواصلة محاولاتها في إيجاد توازن بين رغباتها المعنوية والمادية ….

ذلك ما حاولت الأنا الشاعرة تمريره من خلال تصويرها لآثار شحناتها الوجدانية عبر مظاهر الكمية والنوعية ( نوحي … غزيتي ، ظنيتك ) ، والتكثيف والامتداد ثم الاستغراق ( ضليت … واحل .. ما مشيت ) ، وكذا تشاكل وتنويع الإيقاعات الصوتية المرتبطة بإيقاعات الأنا الشاعرة ( نوحي …جروحي … روحي  ) …. بالإضافة إلى أن غياب المؤشرات المكانية ، على مستوى المقطوعة ،  وحضور مؤشرات التزمين يسم التجربة بطابع المطلق لتتجاوز ما فردي إلى ما هو إنساني  …

محمد مهيم/ الدارالبيضاء / المغرب  02 ــ 10 ــ 2019 .

(* ) المقطوعة الزجلية :

نوحي

يا ذاتي

نوحي

غزيتي في

انت وجروحي

ضليت

وظنيتك تروحي

الساعة ما مشيت حتى خليتني

واحل في جروحي

س وجاك فونتانيي : س

إحــالات :

ــ 1 ــ أمبرطو إيكو :  الأثر المفتوح . ترجمة عبد الرحمان بوعلي .ط الثانية . 2001 . ص 16 .

ــ 2 ــ  Jacques Fontanille : Le tournant modale en semiotique . p :181

ــ 3 ــ  ألجيرداس .ج. غريما يمياء الأهواء من حالات الأشياء إلى حالات النفس . ترجمة وتقديم وتعليق .د سعيد بنكراد .ط أولى 2010 . ص . 9 .

ــ 4 ــ   Elison Veron : la sémiosis et son monde : in langage 14 annee / N : 58 ; 1980 .

ــ 5 ــ أمبرطو إيكو : العلامة . تحليل المفهوم وتاريخه . ترجمة . سعيد بنكراد .ط . أولى . 2007 . ص .97.

ــ 6ــ جوزيف كورتيس: مدخل إلى السيميائيات السردية والخطابية . ترجمة د جمال حضري .ط أولى . 2007 . ص . 83 .

ــ 7ــ أمبرطو إيكو : العلامة . مرجع سابق  . ص .97 .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع