صراع المثقفين في الجزائر وتحديات العولمة..قراءات ومراجعات

قراءة في مناظرة بين الأديبين مولود معمري والطاهر وطار

34

صراع المثقفين في الجزائر وتحديات العولمة.. قراءات ومراجعات
قراءة في مناظرة بين الأديبين مولود معمري والطاهر وطار

علجية عيش

 

من الصعوبة بمكان أن نضع كل ثقافة في إطارها الصحيح، طالما هناك من يبيع الأفكار الإستعمارية الغربية القديمة والحديثة في غلاف وطني براق من اللغة العربية، يقول منظرون أن من أبرز معالم هذه الثقافة يبرز في قضية لا يختلف عليها اثنان وهي وحدة الأمة العربية والإسلامية، وطرحوا السؤال التالي: أين نحن من هذه الوحدة في ظل التشتت والتجزئة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية اليوم؟ وبالتالي فالذين صنعوا التجزئة تركوا آثارهم قبل أن يرحلوا وتوارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، فكل ثقافة تعبر عن هويتها وكل مجتمع ينتمي إلى ثقافته، يقود هذا الوضع إلى الحديث عمّا حققته الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية والثقافة الإسلامية أمام إصرار التيار “الفرانكفوني” على فرض وجوده ومن حقه ذلك طبعا، لأنه يرى أن الثقافة الغربية ثقافة راقية، وباقي الثقافات مبنية على التعصب والتشدد، فكانت النتيجة أن تعرصت الثقافة العربية إلى التمييع، وأدى هذا التمييع إلى تنامي ظاهرة الإغتراب الثقافي بل الذوبان في مختلف معانيه.

التقرير الذي تناوله الأديب الجزائري مولود معمري حول الثقافة في أول ملتقى ثقافي دعا إليه الرئيس الراحل هواري بومدين واحتضنته مدينة قسنطينة لإقامة حوار موضوعي أساسه دراسة أسباب الركود الثقافي الذي لازم البلاد منذ الإستقلال حضرته وجوه أدبية وفكرية وقد تحولت مداخلة الأديب مولود معمري إلى مناظرة بينه وبين الأديب لطاهر وطار حينما تطرق مولود معمري إلى المشاكل التي يعيشها قطاع الثقافة مقدما نبذة من تاريخ اتحاد الكتاب الجزائريين والمغالطات التي كانت على حساب الثقافة في الجزائر، فقد صنف مولود معمري الثقافة إلى تيارين: تيار عربي مسلم وتيار غربي ولقي تصنيفه للثقافة رد فعل الأديب الطّاهر وطّار الذي قال أن الثقافة هي إمّا رجعية برجوازية وإمّا ثورية تقدمية مهما كان الحرف الذي تُكْتَبُ به وحتى الطرح الذي قدمه الطاهر وطار لقي انتقادات بعض المثقفين، الذين علقوا بالقول: كيف يمكن تصنيف الثقافة تصنيفا دينيا، لمجرد أنها تكتب بلغة القرآن؟ أو يكتبها عرب ينتمون إلى الإسلام وطرحوا السؤال التالي: هل العرب المسيحيون في لبنان ومصر مثلا المثقفون باللغة العربية يمكن أن نسمي ثقافتهم ثقافة عربية مسيحية، وكيف يتناسى مولود معمري الثقافة التي تكتب باللغة الفرنسية وباقلام جزائرية بأن يضيف لها صفة الغربية المسيحية وينفي بجرة قلم كل التيارات الثقافية ومذاهبها المتعددة التي أثرت في المثقف الجزائري سواء كان مثقفا بالعربية أو الفرنسية.

وبصدق العبارة يرى البعض أن المثقف الحقيقي يجب ان يرتفع عن ما يسمى بالسفاسف والجزئيات حتى وإن مسّته كفرد مثلما نراه اليوم والملاسنات بين المثقفين عبر المنابر ومواقع التواصل الإجتماعي بلغت حدود المساس بحريتهم الفردية وخير دليل الإنتقادات التي توجه لبعض المثقفين أمثال المفكر محمد أركون والروائي أمين الزاوي وغيرهم من باب التضييق عليهم وحتى لا تطبق عليهم صفة المثقف الملتزم، وكان باستطاعتهم حل المشاكل بالحوار دون اللجوء إلى الطرق القانونية مثلما تعرض له المفكر سعيد جاب الخير، إن الركود الثقافي في الجزائر كما يرى ملاحظون يتمثل في غياب التشجيع المادي والمعنوي للإنتاج الوطني أدبيا كان أم فنيا وعدم تبنّيه من طرف المؤسسات الثقافية وكذلك دور النشر، كما يتمثل في انعزال المثقف عن الجماهير، حيث ساهم هذا الإنعزال وغياب المسؤولية في فتح الباب أمام الغزو الثقافي الأجنبي.

ربما هذا ما أراد مولود معمري الإشارة إليه، وهو الذي مُنِعَ من تقديم محاضرته حول التراث الأمازيغي في الجزائر، وأصبح في نظر العروبيين خطرا يهدد الثقافة الوطنية رغم أن كل التيارات الثقافية تصنف نفسها في خانة الملتزم بقضايا الجماهير، ثم كيف نشرح مفهوم الثقافة الوطنية المرتبطة بالهوية هل تتوقف هذه الثقافة عند حدود تأليف الأناشيد الوطنية والملحمات والمسرحيات وإنجاز الأفلام الثورية، وهذا يتطلب بالضرورة وجود المثقف الثوري، الذي هو مطالب اليوم أن يكون حاضرا بقوة لمواكبة التطورات التي تعيشها البلاد والمخاطر التي تهددها من كل جانب، أي أنه ينزل إلى الساحة ويلتقي بالجماهير، والملاحظ أن مثقفو الأمس نزلوا بفكرهم إلى الشارع ليحتضنوا الجماهير ومنهم الأسماء السالفة الذكر وآخرون كالأستاذ مصطفى الأشرف الذي كان يدافع بقوة عن اللغة القومية والنهوض بالتراث الجزائري مثله مثل المؤرخ عثمان سعدي الذي كان أكثر المتعصبين للغة القومية وكذلك الأستاذ عبد الرحمان بوشامة المفتخر بعروبته وكان من بين المطالبين بضرورة الرجوع إلى الأصل وبعث الشخصية الجزائرية، أي أن يكون في الجزائر أدب جزائري ومسرح جزائري وسينما جزائرية بعيدا عن الإقتباسات كما كنا نرى في سنوات غير بعيدة في المسرح حيث غالبا ما تكون المسرحيات اقتباسا لمسرحيات “موليير” وتترجم إلى اللغة العربية.

إن بعث الثقافة الجزائرية الأصيلة كان الهدف منه خدمة الإنسان الكادح في جزائر الثورية وكان هذا مطلب الأديب الطاهر وطار، مع ضرورة التفتح على الثقافات العالمية التي تتوافق والإتجاهات الثورية، من أجل الصعود إلى قمة الفكر الذي صعد به أدباء ومفكرون جزائريون الذين نسجوا بأقلامهم صورة حية للواقع الجزائري أمثال الأديب محمد ديب رغم أنهم كتبوا بلغة غير اللغة العربية، وآخرون رفضوا الإنكماش الفكري، هؤلاء سار على نهجهم مثقفون محدثون واكبوا عجلة التغيير التي كانت تدور بسرعة وأسقطوا كما يقال الوصايات الطوطمية، ثم ماهي نوعية التغيير المطلوب داخل المجتمعات العربية حتى يمكن الوقوف في وجه الغزو الثقافي والغزو الفكري. فبالعودة إلى موقف الطاهر وطار فهو يطرح عدة إشكاليات حول كيف يمكن أن نضع الثقافة الدينية وبالخصوص الثقافة الإسلامية في إطارها الصحيح في ظل التعددية الثقافية، فأن نقول ثقافة إسلامية يعني هناك ثقافة جينية تقابلها وهي الثقافة المسيحية والثقافة اليهودية وثقافات أخرى فرعونية، هندوسية وغيرها..

كيف نقدم ثقافتنا للآخر ونحن لم نتفق على ثقافة معينة داخل البلد الواحد؟

من الصعوبة بمكان أن نضع كل ثقافة في إطارها الصحيح، طالما هناك من يبيع الأفكار الإستعمارية الغربية القديمة والحديثة في غلاف وطني براق من اللغة العربية، يقول منظرون أن من أبرز معالم هذه الثقافة يبرز في قضية لا يختلف عليها اثنان وهي وحدة الأمة العربية والإسلامية، وطرحوا السؤال التالي: أين نحن من هذه الوحدة في ظل التشتت والتجزئة التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية اليوم؟ وبالتالي فالذين صنعوا التجزئة تركوا آثارهم قبل أن يرحلوا وتوارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، فكل ثقافة تعبر عن هويتها وكل مجتمع ينتمي إلى ثقافته، كما يتعلق الأمر بالبيئة ، فالأديب مولود معمري مثلا نشأ في بيئة تختلف عن البيئة التي نشأ فيها الأديب الطاهر وطار، أو محمد ديب أو مولود فرعون، أو حتى أمين الزاوي أو واسيني الأعرج واسماء كثيرة نشأ أصحابها في بيئة مختلفة ، فلكل منهم مكونات ثقافية وخلفيات ثقافية ، اجتماعية ودينية، وتنوع فكري أيضا، ثم أن العلاقة مع الأخر في إطارها الثقافي لا تكون على مستوى محلي فقط، بل التعامل مع الدول مرهون بإعلاء شأن البعد الثقافي في العلاقات الدولية، الأمر يتعلق هنا باللغة والمحافظة على الأصول والثوابت باعتبار أنها جزء من الحفاظ على الذات (الجماعية).

وقد تطرق بعض الباحثين إلى موضوع “المشترك الإنساني” الذي يجعل الثقافات والحضارات تتعايش دون صدام في إطار احترام الآخر، وطرحوا السؤال التالي: كيف نقدم ثقافتنا للآخر ونحن لم نتفق على ثقافة معينة داخل البلد الواحد كما يحدث في بلدان المغرب العربي وبالخصوص الجزائر؟، يقود هذا التساؤل إلى الحديث عن ما حققته الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية والثقافة الإسلامية أمام إصرار التيار “الفرانكفوني” في فرض وجوده ومن حقه ذلك طبعا، لأنه يرى أن الثقافة الغربية ثقافة راقية، وباقي الثقافات فهي مبنية على التعصب والتشدد، فكانت النتيجة أن تعرصت الثقافة العربية إلى التمييع، وأدى هذا التمييع إلى تنامي ظاهرة الإغتراب الثقافي، بل الذوبان في مختلف معانيه، وكما يقول المنظرون فالثقافة ليست فقط كلمات تُكْتَبُ أو فكر يُطْرَحُ أو تراث يكتسبه جيل بعد جيل ليحافظ عليه من أجل تحقيق الإستمرارية ، بل السلوك ثقافة أيضا ، حتى يمكننا أن نثبت أننا ذوي ثقافة معينة (التوحش والتحضر) ثقافة تختلف عن الثقافات الأخرى، ولنقف مع المفكر الجزائري مالك بن نبي ، فهو يرى بأن الثقافة تُعَرَّفُ بصورة علمية على أنها مجموعة الصفات الخلقية والقيم الإجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، فمالك بن نبي يربط الثقافة بالتاريخ والتربية حتى تشكل الثقافة نسقا متكاملا، وقد بسط مالك بن نبي مشكلة الثقافة من الوجهة التربوية والأخلاقية وقال هي في جوهرها مشكلة توجيه الأفكار.

ما يمكن قوله هو أن العولمة وكذلك العالم الإفتراضي فتح الباب على مصراعيه للطعن في الأفكار والمفاهيم وباسماء مستعارة، وبالتالي صعب التحاور مع شخص حقيقي وآخر مجهول الهوية والإنتماء، لا يُعْرَفُ عنه شيئا منهجه الفكري ومنهجه التحليلي وإلى أيّ تيار ينتمي، ولذلك ظلت القدرة على التطور محدودة، ظل غيرنا ينتج ونحن نقلد ونقتبس فكان المثقف في الجزائر مستهلكا أكثر ما هو منتج، والعيب ليس فيه، بل يعود إلى الأسباب التي تم التطرق إليها في البداية، فهل نعزي أنفسنا إذن لأننا ننتمي إلى العالم الثالث ولم نفكر في كيف يمكننا أن نواجه التحديات والتغلب عليها لمواكبة العصر والمشاركة في بناء حضارته، ومن ثمّ يمكن التأثير في الرأي العام الذي يحرك الأمّة التي تعيش عصرها وتتجاوز الإنحرافات وتحقق النهضة والتجديد، لقد دعا بعض المثقفين الغيورين إلى تكريس الأمن الثقافي مثلما ذهب في ذلك الأستاذ محمد محفوظ ليس مجرد هدف ثقافي فكري بل كهدف حضاري ينطوي على جوانب سياسية ووطني لا تقل اهمية عن الجوانب الثقافية كونه عنصرا من عناصر النهضة الإجتماعية ومظهرا من مظاهر القدرة على التحرر والمؤثرات الخارجية الوافدة، وألأمن الثقافي كما يراه هو يعني توفير الثقافة الصالحة للناس حتى يتمكنوا من خلالها أن يعيشوا حياتهم المعاصرة بشكل سليم وإبجابي ويحققون ذاتهم الثقافية الحضاريةلأنه لا يمكن تصور مجتمعا بلا ثقافة كما لا يمكن الحصول على ثقافة بدون مجتمع لأنها بحاجة إلى الكيان الإنساني الذي يساهم في تطويرها.

علجية عيش بتصرف

للمقال مراجع

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع