صالح الطائي .. ابداع في الزمن المائي

43

الخير كل الخير في الماء ، ينساب في المنحدرات ، فيملأ الوديان ، تاركاً القمم باسقة غير عابئاً بها ، فهو الذي صنعها وجعل لها وزناً ومكاناً مهماً لدى أرباب القوارب والزوارق ، لكن الماء لم يسئل نفسه يوماً هل هذه القمم جديرة بما منحها من منزلة أم لا؟! ، الماء نفسه لا يعبأ أيضاً بما غمره في الوادي من كنوز لا زالت مغمورة لم تكتشف ولم تبرز للسطح الا ما ندر ، ولا يهمه سوى ان يحافظ على اللون الأخضر في جنبات الوادي وعلى سفوح الجبال ، إدامة لاستمرار جمال الطبيعة الخلاب والذي لا يكون إلا به وينعدم بإنعدامه.
للماء تيارات داخلية وأمواج قد تتلاعب بها الرياح من الخارج ، يبلل هذه القمة فتخضر ، وينحسر عن تلك القمة فتجف وتصفر ، لعل القمة التي جفت واصفرت خير من تلك القمة التي أخضرت ، لكن الأمر ليس بيده ، فالرياح من الخارج قررت ، وتياراته من الداخل لعلها انقادت أو تمردت ، وربما أذعنت الى أهواءها أو الى أجندات خارجية ، رغم هذا وذاك يبقى الماء سر الحياة والجمال.
في زمن الانهيارات الثقافية الجيولوجية التي رفعت بعض القمم وأطاحت بالبعض الأخر لا عن كفاءة واقتدار وتمكن ، بل ربما الصدفة لعبت دورها ، أو مواربات الكواليس الخلفية تهادنت مع أصابع طامعة خفية على أن تزعج الماء وتغضبه كي ينحسر عن بعض الأماكن لتبرز اليابسة ، القاحلة ، البور ، السبخة ، التي لا تنفع في شيء ، أو يسحب وجوده من أعماق التربة فيحدث الانهيار ، تندرس قمم كانت كفوءة في مواجهة أخطار الرياح والأعاصير ، وترقت قمم كانت بالأمس ترزح في عالمي الجهل والظلام.
حال الثقافة الراهن لا يختلف كثيراً عن حال الماء ، فالرياح الخارجية لعبت بها وقادتها نحو الحضيض ، وتياراتها الداخلية انقادت الى سطوة الرياح ولعلها انسجمت معها ، على أثر ذلك اختفت المكتبات الكبيرة وشحت الكتب بعد ان غادرها روادها ، أو بعد طغيان ثقافات أخرى ، كثقافة الدولار والاثراء ، أو كثقافة الطبخ والغذاء فانتشرت المطاعم بدلا من المكتبات ، وحلت الوجبات السريعة بديلاً عن بائعي الكتب على الأرصفة ، بينما ازدهرت فضائيات الطبخ بشكل واسع مقابل خفوت في الفضائيات الثقافية التي تناقش الكتب والأفكار.
لعل اسلوب العرض الثقافي أصبح مملاً ، لا يستهوي حتى رواده ، أو ربما تسلقت شخصيات بعيدة عن عوالم الثقافة والفكر والعطاء الإنساني وتجاهل الشخصيات الإبداعية الحقة والمؤهلة علمياً وثقافياً وإبداعياً ، لأسباب كثيرة لعل من أبرزها التداخلات السياسية أو الدينية أو حتى الدولارية على غرار المقولة القديمة (من لا مال له ، لا علم له) ، فالعالم الفقير والمبدع المعدم التزما الكواليس وركنا الى عالمي التجاهل والنسيان .
رغم ذاك ، هناك من المبدعين من حطموا القيود وكسروا السلاسل وتسلقوا الحواجز ، وظهروا عنوة على كل التيارات والأمواج ليعلنوا عن وجودهم كذوات نبيلة وإبداع إنساني لا زالت موجودة رغم كل عوامل التعرية الثقافية ، الدكتور صالح الطائي خير مثال نقدمه بشكل سريع ومختصر كنموذج للإبداع الإنساني في زمن ليس ككل الأزمان .
د. صالح الطائي برز في مجالات عدة ، لعل ابرزها :
1- البحث:
تميزت بحوثه بالصبغة الاسلامية العصرية ، والنظرة الثاقبة والتحليل الدقيق ، كما أمتاز أسلوبه البحثي :
أ/ الرصانة العلمية .
ب/ الشجاعة في الطرح.
ج/ الفكر الناهض .
د/ الترفع عما لا يليق والابتعاد عن الخرافات وتعريتها.
هـ/ الحيادية والترفع عن الميول الشخصية.
و/ إختيار دقيق لمواضيع البحث.
ز/ تعرية المنتشر والمتداول ووضعه بين كفتي الميزان العلمي الرصين.
ح/ توخي الأمانة العلمية.
ط/ الدقة العلمية.
مع كل ذاك وأكثر ، لا غرابة ان تفوز بحوثه بجوائز قيمة ، وتنال الاهتمام والرعاية من جهات مختلفة.
جانب من مؤلفاته في المجال البحثي:
أ‌- الإمام الحسن العسكري آخر الممهدين للغيبة .
ب‌- خرافة دولة الخلافة.
ت‌- جزئيات في السيرة النبوية.
ث‌- نظرية فارسية التشيع.
ج‌- عوالم الحكومة المهدوية، بجزئين.
ح‌- خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم.
خ‌- الحركات المهدوية المدعية.
د‌- ثائر في قرن الدماء؛ سعيد بن جبير.
ذ‌- الحسن بن علي الإمامة المنسية، بجزئين.
ر‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير.
ز‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلة وحرق البشر.
س‌- رجال البصرة في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري.

2- أديب:
تتجلى في نصوص د. صالح الطائي الأديب القيم الإنسانية والتربوية لافتة للنظر من حيث الهيكل والبناء ، وهو غني عن التعريف في هذا المجال ، ومن أبرز نتاجاته الأدبية:
أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية.
ب/ مقدمات وأصول.
ج/ سعود الأسدي سيد اللغتين.

3- ناقد:
ككل أديب محترف يميل الى نقد الأعمال الأدبية ، لكن نقده يتسم بالبناء والموضوعية ، كأن صفة النقدية تلازم كل أديب ذو ذوق رفيع ، ومن أعماله في هذا المجال:
أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية

4- شاعر:
قيل إن ( الشعر نزهة الأدباء) ، لا يكاد هناك أديباً لا يكتب أو يمارس الشعر فغالباً ما يجد له متنفساً بين أبياتها بعد أن تنتابه لحظات شاعرية أو حالة من الحنين الى شيء ما يختلج في صدره ، ومن أعماله في هذا الصدد:
أ‌- نوبات شعرية .
ب‌- عوالم الروح أو ملكوت الروح ( نصوص نثرية) .
بيد أن أعماله الشعرية أو النثرية يسودها الفعل المضارع ، على العكس من الشعراء المتقدمين بالسن حيث يسود شعرهم الزمن الماضي ، ربما لشخصيته الفريدة أو لقلبه المفعم بالشباب والحيوية.

5- كاتب:
د. صالح الطائي غني عن التعريف ككاتب ، فله المئات من المقالات المنشورة في الصحف وعبر الشبكة العنكبوتية ، فهو في هذا المجال كالسيل الجارف لغزارة نتاجاته وفي مختلف المواضيع .

شخصيته:
تميزت شخصية د. صالح الطائي بميزات عدة :
1- القلب الطيب: والكبير والذي يمكنه احتواء الكل ممن يتفق معه وممن يختلف معه .
2- الروح الشبابية : المفعمة بالهمة والنشاط ، لا ينفك عن الكتابة ولا يكل من التفكير .
3- الإنفتاح : تميزت شخصيته بالانفتاح على الجميع ، دونما استثناء ، جميع الأعمار وجميع الفئات .
4- التواضع: صفة ملازمة لكل شخصية ناجحة ، لا مجال للترفع الا عما يجب الترفع عنه ، وهنا يضرب د. صالح لطائي اروع المعاني من خلال شخصيته المتواضعة.
5- الروح الوطنية : وشعور عال ورقيق تجاه الوطن وابناء الوطن ، شعور بالانتماء (للوطن) والتواصل (مع أبنائه) ، يؤذيه ما يؤذي الوطن والشعب فيصرح عما يختلج في صدره بمرارة وألم ، وإن لم يتعرض هو للأذى شخصياً ، ويفرحه ما يفرح الوطن وسكانه (وإن قل) فيدون ذلك بفرح وسرور ، وإن لم يصبه شيء من ذلك المفرخ السار.
6- المهابة : لكل ما تقدم وأكثر ، ظهرت على شخصيته المهابة في قلب من يراه يقابله ، وهنا المهابة مهابة إحترام وتقدير لنبل شخصه .
يستمر الماء بإرسال أمواجه ، الصغيرة والكبيرة ، بعض المبدعين ممن لا يجيد العوم قد تغرقه الأمواج الصغيرة ، والبعض الأخر من المبدعين لا تغرقهم إلا أمواج كبيرة وعاتية ، رغم هذا وذاك يبقى هناك دوماً ودائماً مبدعين كالجبال الباسقة ، لن ترقى المياه إليهم كي تطمرهم ، مهما كانت الأمواج عالية ، وسوف ينبثقون من بينها ويثبتون للعالم انهم أكبر منها وأشد مراساً.

حيدر الحدراوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع