شعرية الجمال الذى يصنع الحياة:قراءة فى بحيرة مسعود شومان السوريالية

58

قصيدة النثر العامية فى مصر :
شعرية الجمال الذى يصنع الحياة
قراءة فى بحيرة مسعود شومان السوريالية
حاتم عبدالهادى السيد
ظهرت قصيدة النثر العامية فى مصر لتكمل مشوار مسيرة الشعر العامى الذى يشكل وجدان الأمة ، اذ هو صوت البسطاء ، والمهمشين والمقهورين والفقراء والعامة ، الذى يعبر عن آمالهم وألامهم وطموحاتهم ، وهو فى الأساس ” أدب الشعب ” و ” ضمير الأمة ” الذى يمثل حركة المجتمع والحياة .
ويعتبر الشاعر / مسعود شومان أحد أبرز جيل الثمانينات الذين تشبعت تجربتهم والتصقت بتجارب شعراء العامية الكبار وعلى رأسهم : ابن عروس ، صلاح جاهين ، فؤاد حداد ، بيرم التونسى ، سيد حجاب ، وغيرهم .
ولعل جيل الثوريين فى شعر العامية لم يغفل ظهور جيل ينادى بأحلام المصريين وطموحاتهم ، ويحارب الطبقية والرأسمالية ابان ثورة 1952م وما بعدها حتى عام 1973م ، وعبور الهزيمة فظهر الشعراء : أحمد فؤاد نجم ، وعبدالرحمن الأبنودى ، والكابتن غزالى ، فؤاد قاعود ، وكامل حسنى ، وغيرهم ممن ثوروا الشعر ابان النكسة حتى انتصارات أكتوبر .
كما لا يمكن أن نغفل جيل التسعينات وبدايات نشأة قصيدة النثر العامية على أيدى شعراء شبان طموحين أرادوا تجديد مسيرة وقماشة الشعر المصري فوجدنا : مجدى الجابرى ، يسرى حسان ، مسعود شومان ، سعدنى السلامونى ، مدحت منير وغيرهم من شعراء الصعيد والوجه البحرى ومدن القناة وسيناء وغيرهم .
ولسنا هنا بالطبع بصدد التأريخ عن مسيرة شعر العامية ، ولكن اقتضت المقدمة ذكر بعض الأعلام الفاعلة ، والتى أثرت مسيرة الشعرية قبل وابان وبعد عام 1973م وظهور ما يسمى بالأدب القومى ، المعبر عن طموحات العرب وحلم القومية والوحدة آنذاك .
ولقد نجح الشاعر / مسعود شومان فى تقديم ديوان ينتمى للحداثة والى قصيدة النثر العامية الجديدة ، وكان قد أصدر- من قبل – عدة دواوين تفعيلية / عامية ، منها : أول بروفة ، بيجرب يمشى على رجل واحدة ، رجل أثقل من سنة 67 ، صاحب مقام ، وأخيراً ديوانه – الذى بين أيدينا :” قبل مايردموا البحيرة ” وغير ذلك .
وفى ديوانه الأخير يخرج / مسعود لنا بهذا الديوان المفارق ، الجميل والمدهش ، والغريب عن ذائقة متلقى قصيدة النثر – آنذاك – فنراه يفسح للتفاصيل الصغيرة جانباً كبيراً ، كأنها منمنمات تبرز جوهر الابداع والشعرية دون التدخل فى معاضلات لغوية ، حيث اللغة البسيطة غير المتكلفة ، أو التراكيب التى قد تشتت الذهنية لدى الجمهور العادى / الشعب ، المواطن البسيط التى تتوجه اليه القصيجة ، والى القارىء المثقف أيضاً .
ولقد استطاع هذا الابداع الجديد أن يؤثر فى الذائقة الشعبية بتحريكه للخيال الجمعى التنويرى لتحفيزهم لتثوير أفكارهم ، وايقاظ الوعى لديهم عبر الشكة العصبية اللغوية / المفارقة ، وعبر التنقل عبر اللغة الاشارية التى تحملت بمضامين اجتماعية وسياسية وأيدلوجية أيضاً .
انه يبرز معاناة جيل شهد ربقة الظلم والفقر والتشرد والضياع ، فجاءت القصائد أشبه بالشعر المقاوم للشارع المصرى ، ولتأكيد الذات الجمعية الوطنية والانتماء ضد الأمركة والتبعية والامبريالية والصهاينة وغير ذلك .
لقد نجح شاعرنا عبر العنوان المفارق : ” قبل ما يردموا البحيرة ” أن يحيلنا الى ذواتنا وكأنه النذير الذى يصرخ فى برية السكون والصمت ، أو هو صوت الضمير الذى يصرخ فى الجمال ليحيلنا الى الحياة / الواقع / ضمائرنا لنحارب المسخ / الأجنبى / المستعمر / الظلم أينما كان ، لتتجسد انسانية القصيدة عبر شعرية الجماد التى تنتهجها موضوعات القصائج ، ولغة الديوان المفارقة .
وعبر ديوانه نراه يدخلنا الى قلب القصيدة / جوهر الأحداث ، عبر شعرية الجماد التى يستنطق فيها الحجر / الجبل / الكهف ، أو الى البحر / نقطة الماء / عش العصفور / الحيطان / أرجل الترابزة / الثلج / الشجر / ، أى ينتقل من المفردات البسيطة والمجردات الىالتفاصيل الاحالية الدالة والتى تحيلنا الى ذواتنا والى المجتمع والعالم والحياة .
ويأتى التصدير ليكشف عن عالم شومان وتضميناته لبعض من آثار : فريد الدين العطار ، الطاهر بن جلون ، جون كوكتو ، حيث كما يقول الأخير : ان الأخلاق لاتخرج أحداً من المقبرة الجماعية ، وحيث التصوف والمفارقة التى يصنعها انسن كوكت وفى أن يكون حراً ومشبوهاً فى الوقت ذاته ، وبين الوحدة التى يراها مسعود فى ” بحر وحيد ومحوطاه الصحرا ” والذى يحيلنا عبر اللغة / اللهجة التجريدية الى صور جمالية تنم عن وحدة الذات القلقة ، يقول :
البحر اللى رسمته على اللوحة
بعد ماغرّقت نفسى فى بقع الألوان
كان بحر وحيد ومحاوطه الصحرا
ماشى مش دريان / لا كان فيه خفّ جمل / ولا ريح بتصفّر
وما كان أوان برتقان . ( االديوان :ص8:7 ) .
انها القصيدة التى تعبر عن الذات / الوحدة / القلق الوجودى / المجتمعى عبرمجتمع البساطة / التفاصيل ، حيث الكهف المهجور وذاته التى تسير خلف (غيامة عبيطة ) ، وحيث دوائر الصمت / المطر / الحلم والتى تصنع القصة الشعرية / القصيدة – كما أحسب – ، وحيث الصور السوريالية التى تفرغ مضامين الشعرية لصالح المعنى الاحالى الذى يحمّله فى ذات الوقت بدلالات مكتنزة ، وكأننا أمام قصة الذات وتطوفها فى سدم العالم والكون ، فتتعرى الحقيقة الجميلة / المفارقة : ( الورقة الفاضية ) التى تتباهى بحريتها / حريتنا / حرية المجتمعات النازعة للحرية / الحلم / الكتابة / التعبير عن الذات / الثورة الداخلية والظاهرية حيث الفرار من الروتين / الجلوس على المكتب / التقوقع فى شرنقة الذات وجلدها عبر بطاقات التأمين الصحى / الدوسيهات / المقهى …
وربما كل ذلك وغيره يكشف عن تغايرية نمطية للهجة العامية المصرية التى تحيلنا – عبر لعبته الشعرية – الى تبادلية ولاتراتيبية متبداة – ظاهرياً – للأحداث والمواقف ، ولكنها تفكيكية عبر الدوال لتحيلنا الى المقولة المشهورة : ” المعانى ملقاة فى الطريق ، والمبدع الحقيق يلتقط الزاوية التى تراها تمثله ، أو تتسق مع ذاته / عالمه /حياتنا اليومية التى يتغياها ويتوسلها الشعر عبر الحياة وديمومتها المتتالية .
كما يستخدم الشاعر لغة القصة / القصيدة ، أو الدوائر الشعرية عبر مسيرة تقنية التجديد النثرى لتلك القصيدة المتشهاة / الغرائبية / المقلقة والمجهدة فى آن ، والجميلة أيضاً ، يقول :
الحواديت التى اختارت أوضتها
وابتدت تلبس هدوم البيت
البيت اللى بينه وبين المكتب
سبع سنين م الحزن
الحزن اللى سابه لوحده ع المحطة
ورفرف على أول فستان معدى
لعبة مملة !! . ( الديوان : ص 35 ) .
والشاعر هنا / الراوى / السارد يجيد لعبة ” تبادلية الأدوار ” والمعانى عبر اللغة التغايرية التى تشكل دوائر تسلم معانيها لغيرها لتدلل الى تنامى هارمونى القصيدة / القصة / الحكاية الشعبية ، عبر شعرية الجماد ، أو اللفظة المجردة التى يحمّلها بمضامين وموضوعات ودلا لات نفسية واجتماعية عبر اشاريات التضمين والادهاش الاحالى للكلمات التى تستنطق ما يود قوله ، أو التصريح به .
ولعلنا نشير الى جماليات الأسلوبية وبساطتها عبر اللغة الرشيقة التى يحكم سبك معناها ، ويجيد رصف مبانيها وأزقتها المندغمة عبر الصور الاحالية التى تجعل القارىء فى تشاركية معه عبر الذات التى تستعذب الوجع الشهى المرير ، والمعتاد لديه / لدينا كذلك .
كما تبدو الشعرية متبداة فى مستهل قصائده التى تصيبنا بالدهشة والحنين والشجن ، ولاتملك الا أن تأسرك فى عالمها / عالمه ، يقول :
باقى جبلين
وشجرة
هنا قبرها
أوعى تصدق صوت المزيكا
اللى مخبيها فى جيوبك . ( الديوان : ص48) .
انها غرائبية متبداة على مستوى الشكل ، لكنها مغايرة فى المضمونية حيث الصور السوريالية / التفكيكية التى نراه ينثرها على الورق ، مع اختلاف دلالاتها ، وكأنه يستعيض بالصورة الاحالية عن المعنى القريب ليحدث التورية الذاتية / الواربة للذات المنكسرة عبر الحلم / الكتابة ، وكأنه يتوخى ظلال المعانى لاستكناه خاف ظاهر القصيدة / الحدث / المعنى ، لتدلل الى مساحة الحزن الممتدة والزاعقة ، والصارخة فى صمت مهيب ، وباذخ ، وجميل .
كما يصدح الديوان بالأسئلة طوال الوقت ، عبر السرد الذاتى للغربة / الوحدة ، وكأنه طوال الوقت فى صراخ / فى تجريب وتغريب ، وتجريد واختزال للغة السلسالة المنتضمة عبر مهجة روجه / وكأنها صوفية للذات / متواترة / قلقة / جميلة وغرائبية / لامتناهية كذلك .
ولعمرى ، أن شعراً يحدث المفارقة والادهاش – طوال الوقت – لهو شعر حقيق بالدرس الأدبى والنقدى ، فهو يحيلنا الى احالات ذهنية وروحية وعقلية عبر لغة تخش الى القلب وتتغلغل فى الوجدان فتحدث الشكة العقلية والروحية فى آن ، ويلاحقها بالمفارقة المباغتة التى تتجلى فى أغلب قصائد الديوان .
كما أن شعرية الجماد – كما أصطلح – تنبع من استخدامه للمعانى الشاهقة كالجبل ، والجليد – وان تحلل الى الصورة السائلة – والورقة ، وغير ذلك ، وهى تحيلنا الى صور تجريدية / أشبه بالسوريالية / الصورة والظلال / عبر ألوان الكتابة التى تكسر التوقع ، وتحيلنا الى الدور الوظيفى للغة ، والمعانى الاحالية الجديدة / الاختزالية / التخيليية / الى اللامألوف / اللاترتبى / مابعد الحدثى ، وكأنها كتابة مابعد حداثية تتنازعها الأصالة والمعاصرة عبر الحداثة الجديدة المفارقة لواقعنا المترهل / واقه الشعرية / ذواتنا / مجتمعنا / العالم الذى يحاول الشاعر أن يظهره بمواربة ، ويجدد من ثوبه المرتق / القديم .
انه ديوان يهتم بالشكل والمضمون ، بالصورة عبر ظلالها واحالاتها ، بالوجع الشهى الزاعق بالروح ، كما أنه يحيلنا لذواتنا التشاركية التى تشرك القارىء فى الحدث ، أو عبر التخييل ، لكنها الشاعرية متبداة على الطريق / الأوراق عبر اشاريات اللغة البسيطة / المفارقة / العميقة التى تمثل جودة متبداة وسموقاً باذخاً لقصيدة النثر العامية التى تبتنى – ومازالت – لها مكاناً متأنقاً ن ومغايراً فى مسيرة شعر العامية الباذخ ، والجميل ، صوت الشعب العربى الممتد من المحيط الى الخليج عبر الكون والعالم والحياة .
حاتم عبدالهادى محمد السيد
Abdelhady.hatem@yahoo.com
مصر – شمال سيناء – العريش -13ش الطائف –كرم أبونجيلة – ص.ب 68
جوال : 01005762702

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع