شجرة اسمها الرضا

198

    سكنت في محاذاة الغابة الصغيرة في بيت صغير وجميل امرأة عجوز طيبة موسرة . كان الأطفال يحبونها وتحبهم , وكانوا دائما في خدمتها . فهم يؤدون لها الأعمال الصغيرة إثناء ذهابهم الى مركز القرية وعودتهم منها . ولقد كانت سخية معهم جميعا , اذ كلما قام أحدهم بخدمة لها سواء أكانت صغيرة أو كبيرة منحته عملة نقدية بسيطة وهي عبارة عن رقاقة صغيرة ذهبية اللون تكاد تكون شفافة مثقوبة الوسط كان لها شأن في وقت ما غير أنها لم تعد ذات قيمة كبيرةتذكر . وإذ يحصل عليها الطفل يركض الى حانوت قريب لينفقها في شراء شيء من الحلوى . كان جميعا يفعلون ذلك الا صبية صغيرة اسمها وحيدة وهي وحيدة فعلا إذ ليس لها في الدنيا الا امرأة أب قاسية كانت تلومها على قسوة حياتيهما وتريد أن تزرع على جبينها تجاعيد الغضب . غير إن الصبية كانت في غاية  الرضا مهما اُضطهدت وكُلفت بأعمال فوق طاقتها لم تُرَ الا مبتسمة مفرودة الأسارير , وكان ذلك يزيد امرأة أبيها غضبا على غضبها حتى أنها كانت تنعت الصبية بالغباء .

   كانت وحيدة مثلها مثل كل أطفال القرية وما حولها تحب خدمة العجوز وتتلقى هباتها شاكرة غير أن وحيدة لم تكن تنفق هدية العجوز بل لاعتزازها بالعجوز وهديتها  نظمت أول قطعة نقدية ذهبية مُنحت لها في خيط قوي وخبأتها في علبة وأخفتها تحت حَجَرة ناتئة تعرفها في الطريق الى الغابة . وكلما منحتها العجوز قطعة اخرى ألحقتها بالخيط نفسه . لم تُحدّث أحدا أبدا بما فعلت , كان ذلك سرها الصغير . ما هي الا بضعة شهور واذا بهدايا العجوز تتحول الى عقد جميل كانت تنظر اليه مبتسمة كلما أضافت اليه قطعة اخرى . ومع محبة العجوز لوحيدة وإعزازها لها نظرا لجمال ابتسامتها وشفافية روحها وانبساط وجهها الا إنها لم تخرج عن عادتها بمنح قطعة ذهبية فقط لكل خدمة من قبل الأطفال هذا تحقيقا للعدل والمساواة بين الناس الذي تربت عليهما .

كانت زوجة الأب تضغط على وحيدة أكثر وأكثر ولم تكن تستطيع طردها من البيت خوف ملامة الناس أولا ولأنها لم يكن لها صِبية يقومون بخدمتها , بل إن كل ما كانت تريده هو رسم علامات الغضب على وجهها ومحو علامات الرضا . ومع إنها كانت تقصّر عليها في الطعام والملبس لكنها لم تحصل أبدا على ما ترغب .

   بعد أشهر عديدة تعرضت العجوز لمرض شديد حتى إن أغلب الأطفال كفوا عن المرور ببيتها الا وحيدة وبضعة صغيرات بقين على عادتهن بتقديم الخدمات لها . زاد مرض العجوز وحين استدعي طبيب القرية ليرى ما حل بها ناولته ورقة مطوية ومختومة فيها وصيتها . ثم رحلت بعد أيام لتلاقي ربا رحيما .

   أخذ الطبيب الورقة المطوية الى مختار القرية  وجمعا بعض اُناسها المعروفين بالعدل والثقة وأمامهم جميعا فُتحت الوصية وجاء فيها : أترك بيتي وأموالي وكل ما أملك الى الصبي أو – الصبية -الذي يملك العدد الأكبر من قطعي النقدية الذهبية الصغيرة  . بُهت الأطفال جميعا فقطعهم الذهبية في بطونهم قالوا جميعا : ولكننا أنفقناها أما وحيدة فقالت  :   حسنا سأجلب قلادة نقودي التي وهبتها العجوز لي , ثم مضت راكضة يتبعها بعض الأطفال والكبار الى حيث أخفتها خلف الصخرة الناتئة .

  أصبح بيت العجوز الطيبة وكل أموالها لوحيدة  فدعت امرأة أبيها لتعيشا معا في سعادة . وظلت وحيدة تطلب بين حين وآخر من  زوجة أبيها برفق أن تبتسم للحياة , وأن تسمح لشجرة الرضا أن تنمو بأغصانها الجميلة اليانعة في قلبها وعلى وجهها .

                                *****      

                                            سمية العبيدي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع