سحر إبداعات الفكر الإنساني

157
*  السّاحر، الحكاية الخامسة من مجموعة “السّفّاح” لجلال المخ وهي
حكاية تجعلنا نؤكّد* *مرّة أخرى أنّ الكاتب قد التزم بانتهاج نهج الأدب الفكري
فطوّع إنتاجه القصصي والشّعري أيضا لمعالجة مسائل ومشكلات ذات طابع ذهنيّ
مجرّد مع المحافظة على ما للقصّة والشّعر والحكاية من جماليّة الأسلوب ودقّة
البناء اللّغوي وكذلك العامل التّشويقيّ. لكن ما يُميّز الحكاية في المجموعة
بشكل عام وفي حكاية “السّاحر” بشكل خاصّ الط**ّ**ابع الرّمزيّ الّذي ارتآه
الكاتب لها، وكلّنا يعلم أنّ الرّمزيّة في الابداع الأدبيّ لها من السّحر ما
لها! فالالتجاء إلى الرّمز في الأدب والعمل الفكري عموما يرمي إلى إظهار شيء
مُصرّح به وإخفاء دواليب وخبايا ومكنون ما يتستّر وراء الظاهر من حقائق
ومدلولات. وإن كانت للسّاحر العادي القدرة على الإظهار والإخفاء في ألعابه
السّحريّة المختلفة لينال بها إعجاب الجمهور المتفرّج مُستغلاّ في ذلك الفارق
في الزّمن بين حركة الاظهار والاخفاء وسرعته التي تفوق قدرة المُشاهد في نفس
اللّحظة، فإنّ “لساحر” جلال المخ بطل هذه الحكاية أبعادا وقدرات أخرى. فهو وإن
كان يسلك في مُختلف محطّات الحكاية نفس السّلوك البهلواني لساحر الحفلات
التّرفيهيّة، فإن الشّبه يتوقف هنا، في الضّربة البهلوانيّة أما ما عدا ذلك
فالأسباب والأهداف مختلفة تماما.*

*فلنبدأ برسم ملامح ومجريات الحكاية كما أراد الكاتب إظهارها للقارئ، إنها
تروي سلوك ساحر قادم من حيث لا يدري خطاه تسبقه وكأنه يسبح في الفضاء الشّاسع
يصفها الكاتب بقوله:*

*    “ما أعمق هذه الخطى الّتي لا تترك آثارا أثناء السّير، إنّها كالصّراخ
العظيم الّذي يهزّ الكون ثمّ يحويه دون أن يُحدث أصداء أو هي كالنّظرة الكبيرة
الّتي تبتلع كلّ المدينة لكنّها لا تلتقط أيّ صورة”. وانتهت به هذه الخطى إلى
مدينة ” يغمرها الثّلج ويُغطّي السّقوف ويكسو الجدران بالبياض الكثيف…” وقد
وصفها الكاتب وصفا يُخفي مغزى مُحدّدا ومعاني دقيقة ستنكشف تدريجيّا في سياق
التّحليل فهو يقول:”…ورأى المنازل الحديديّة متلاصقة مُنتصبة وسط السّاحة
الثّلجيّة… وأبصر كذلك حدائق الأشجار وبساتين الصّخور تطوّقها من كلّ
الجهات” ثمّ يقدّم لنا موقف السّاحر من كلّ ذلك فيقول:” فلم يُحدث ذلك في ذهنه
شيئا لأنه على كلّ حال يكره الأشجار ويمقت الزّهور”.*

* يتمادى الكاتب في وصف هذه المدينة فيقول:” مدينة الثّلج مليئة أحجارا
وحديدا، والثّلج يتّخذ ألوانا عديدة ومتمازجة، والنّاس في قيامهم وقعودهم
يُعانقون أكوام الثّلج وتماثيل الحديد، والصّمت يُخيّم على الأفق ويغمر
الجميع…”*

*نتعجّل بالسّؤال منذ البدء من يكون هذا السّاحر وإلى ما ترمز “مدينة الثّلج”؟
وما الدّواعي والخلفيّات والرّهانات التي غامر بها الكاتب مع السّاحر في ثنايا
ومغاور الحكاية؟*

*لجلال المخ رغبة عارمة منذ بداية عهده بالتّفكير في الغوص في أعماق الفكر
والكشف عن مكوّناته وشغف ملحّ في النّظر إلى مخزونه وموروثه والتّساؤل عن مدى
نجاعة آليّاته ومدى انعكاساتها على الصّرح المعرفي ككل وعلى مستقبل الإنسانيّة
خاصّة.*

*وحتّى يُحقّق هذا المبتغى التجأ الكاتب إلى أسلوب الحكاية الرّمزيّة وهو
أسلوب اختاره عن وعي وإرادة ليس خوفا من السّلطة أو تخفّيا وراء اللّغز
والتّعتيم كما كان معهودا في الزمن الغابر لدى الأدباء، بل إنّ هذا الاختيار
“الحكوي الرّمزي  الابداعي” أراد منه جلال المخ تحقيق غايتين على الأقل،
الأولى منهجيّة أسلوبيّة تتمثّل فيما تُثيره الحكاية من طرافة في أسلوب
روايتها وما تُحدثه لدى القارئ من سعة خيال ومن صور جماليّة خاصّة في عمليّة
وصف المشاهد والأحداث، ثمّ الغاية الثّانية معرفيّة ذهنيّة تتمثّل فيما تُثيره
رموز الحكاية من  جهد إضافيّ في عمليّة التّفكير لفكّ تلك الرّموز وطرح
إشكالات لها علاقة بغايات الكاتب وأهدافه ورهاناته.*

*حين دخل السّاحر المدينة ورحّبت به أكوام الثّلج وصرخت فرحة مبيضّة:” جاء
السّاحر! جاء السّاحر!”*

*همس:” أشياء أخرى لم تأت أو بالأحرى لن تأتي وحديثي سيُعانقها”*

*وكأن للسّاحر تحدّيا يُضمره وثورة دفينة ينوي تفجيرها، كيف لا وهو من يملك
القدرة على عمق النّظر بعينين ثاقبتين والقدرة على كشف الخفي وإخفاء المكشوف
وله أيضا باع في فنّ التلاعب بالكلمات والعبارات والمعاني أيضا، كما أنّه قادر
على تجميع الأزمنة في يد واحدة ورميها كما نرمي* *زهر النّرد فيُطرح كما يريده
السّاحر أن يُطرح لا كما يُحدّده الحظّ!! إنّ هذه الخصال وهذه القدرات لا يمكن
أن تتجمّع إلاّ في العقل النّقدي الجريء الّذي لا تُعوزه مُعوزة ولا تخيفه
مخافة ولا تُعطّله معضلة هدفه وديدنه أن يُعرّي ماضي الفكر من غبار سميك طال
أمدُه وأن ينزع عن حاضره ما علق به من رُكام نصفه فاسد والنّصف الآخر لا شيء
فيه وأن يكشف مخاطر ومآسي انعكاسات الفكر على مستقبل الإنسان.*

*وليست هذه المدينة التي دخلها السّاحر سوى فضاء الفكر وإبداعاته المتنوعة
الأشكال والمختلفة التّعابير والمتعدّدة الألوان التي أنتجها الفكر الإنسانيّ
منذ البدايات الأولى إلى ما بعد المنتهى.*

*       ولعلّ مكوّنات المدينة كما وصفها الكاتب وتعرّضنا إليها سابقا تكشف
هذا الملأ من إبداعات الفكر وإنتاجاته، فقد رمز الكاتب بالثلج وجعل المدينة
تحمل اسمه “الفنون المختلفة” من رسم ونحت وموسيقى وتصوير وغيرها من الفنون
الزّمنية والمكانيّة وشخّص البنيان الهائل من الابداع الفنّي في صورة “جبل
عظيم من الثّلج”*

*أمّا المباني الحجريّة التي تملأ المدينة فقد قصد بها الكاتب كل إنتاجات
الفكر عبر العصور من أسطورة وتعابيرها وديانات وتعاليمها ومن أدب وأشكاله
ومحتوياته وفلسفة بجميع توجهاتها ومذاهبها، وقد صوّرها الكاتب في صورة “جبل
كبير من الصّخر”*

*ولم يبق إلاّ “الجبل الهائل من الحديد” وهو يحتوي على إنتاجات الفكر العلمي
الحديث والمعاصر.*

*ولا يفوتنا في هذا المجال أن جلال المخ لم يبدأ في لعبته السّحريّة هذه
مُستعملا سحر العقل الناقد الثاقب إلاّ بعد أن تجوّل بعمق في أدغال وطرق وسبل
وثنايا هذه المدينة ولم يجد لنفسه طريقا لممارسة سحره إلا بعد معاناة البحث
والتقصّي وهو ما يدفعنا إلى تأكيد مدى جديّة الكاتب في القيام بهذه المهمّة
الشّاقة في تقصّي ما يتخفّى وراء إنتاجات العقل وما يظهر منها.*

*فهو يقول على لسان السّاحر:” كثيرة هي السّبل الّتي تؤدّي إلى قلب مدينة
الثّلج الحديديّة فثمّة الطّرق النّاصعة البيضاء والثّنايا الملتوية العوجاء
والأزقّة الوسخة الدّكناء والدّروب القاحلة الجرداء والشّوارع العامرة
الغنّاء، وقد سلكتُ بعضها أي كلّها لمّا كان أمري يهتاج كالأمواج ويولول
كالرّياح أمّا بعد، فأنا جئت من طريق أخرى انقلبتُ بقطعها ساحرا وها هي تمتدّ
ورائي.” *

*اختيار الكاتب لطريق أُخرى في معالجته لقضايا الفكر يوحي لنا عزمه وهو في
مُقتبل العمر على انتهاج منهج الشّكّ والنّقد كما عرفناه لدى الفلاسفة في
تقصّيهم للموروث المعرفي ونقده، لكنّ بإضافة جدّ مُميّزة وهي تطويع كل هذا
العمل الضخم داخل فضاء قصصي رمزي اتّخذ شكل الحكاية. *

*      دخل السّاحر مدينة الفكر والفنّ المهتزّة والمهترئة والمُثقّلة بكوابيس
الماضي ومخلّفاته فاندمجت اندماجا كلّيا مع كل جسده وكأنّ الجسد استحال إلى
أصل المعرفة وأُسّها وليست بالتّالي مأساة المعرفة سوى مأساة جسديّة بالأساس
عبّر عنها الكاتب بعبارات توحي بهذا الاندماج الكلّي بين ما هو جسدي وما هو
فكري ونلمح ذلك من خلال بعض هذه الممرّات الجسديّة الحسيّة  فهو يقول:” …
فرأى الاسترخاء يخترق سالفا مسامّ جلده الشّفّافة ويجتاح داخله وأحسّ مجدّدا
جراثيم الانتعاش تسري في عروقه مستولية مبهوجة تردّد أناشيد الفرحة وترانيم
الجذل وتشمت بدموع اللّيل التي يهزّها السُعال وتصهرها الحمّى المهمومة
فتُقابلها كريات التمرّد الماقتة بالرّقص والعناق ويحوي الكلّ التّشابك
المُنتشي الّذي سرعان ما أفضى إلى ما لم تكن غدده ترقب فقد جعلت الخلايا الأصل
تُطلق صرخات بنفسجيّة الاهتزازات منفتحة الأفواه منقطعة النّظائر تلتحم
بجزيئات صفير الكون المتخفّي وتنصبّ متدافعة في كهوف الغد عبر تجاويف الذّكرى،
ثمّ تنفجر صمتا ثاقبا أو فراغا ساكنا غمر الذّبذبات فجمّدها وحوى  اللّحظات
فحجّرها. عندئذ ضحك السّاحر ضحكة ملآنة وقريرة فقفز من الاجهاريّة الجسديّة
العميقة وقد قبض بيد على دقائق الماضي وبالأُخرى على ذرّات الآتي…”*

*لم يترك السّاحر هذه المدينة إلاّ بعد إنجاز مهمّته التي جاء إليها من أجلها
وهي ضربة سحريّة يقلب بها الموازين فيفضح المتخفّي ويكشف المتستّر، وقد عبّر
على هذا الهدف بقوله:” ها أنا ذاهب في حال سبيلي، ولكن ليس قبل أن تُعانق
تهيّؤاتي الأنهج المرتعشة العناق الأخير”…*

*وبفعل ساحر محترف “رمى ما بيديه على الأرض فجعلت الدّوائر تنداح مُسرعة في
صفحة الجليد ثمّ اتّسعت اتّساعا مهولا قبل أن يبرز من داخلها ثلاثة جبال هائلة
مترامية العلوّ وتجثم على المشهد.”*

*مشهد سحريّ بحق يُصنّف فيه السّاحر بإرادة ممنهجة أقطاب إنتاجات الفكر
فصوّرها بجبال ضخمة: جبل عظيم من الثّلج وجبل كبير من الصّخر وجبل هائل من
الحديد.*

*ومنهجيّا بعد أن قسّم خياله إلى ثلاثة استعدادا للعمليّة الضخمة اقترب من جبل
الثّلج ولامسه ملامسة سحريّة “فتفتّحت في قمّته فوهة تدفّقت منها سيول من
الصّور وركام من الأصوات وانبثقت صورة امرأة….”.*

*    لا يُمكن المرور من هذا المشهد السّحريّ دون الوقوف على جنس هذه المرأة
الّتي انبعثت من جديد من عمق جبل الثّلج بعد أن تجمّدت منذ قرون. إنّها رمز
الفنّ ورمز الخصوبة وإلهة الجمال، إنّها أرض الأشكال والألوان والصّور
والتّعابير، إنّها نبراس الخلق والابداع ها هي ذي تقول:” منذ أُلقيت بذور
الخلق في بحار الخصب المونعة دفعتني رغوة الخيال المونق إلى شواطئ الجمال
فاستلقيتُ بين أحضان نسائم الإبداع والشّهوة وابتسمتُ بسحر ناعم …” لكن يبدو
أنّ لحظات المخاض الفنّيّة الإبداعيّة لم تعكس عبر العصور والدّهور مُبتغى
الفنّ وغاياته بل بسرعة فائقة وبلمحة بصر وقع استغلال الفنّ ليخدم أشكال
تعابير أُخرى ففقد بذلك شعوره بالجمال ليستحيل إلى خادم للأسطورة والدّين
وغيرهما من أشكال التعابير الأخرى، فاستعمل الإنسان الرّقص منذ غابر الأزمان
للصّلاة والتّعبّد والتقرّب إلى الآلهة واستُعمل فن الرّسم في الكهوف لغاية
التّواصل وفي العصور الوسطى بلغ فنّ التّصوير في الكنائس أوجه، واليوم وإن
تمكّن الفنّ من استرداد بعض امتيازاته وترميم هويّته فإنّ الفنّان ما يزال
يعاني من التّهميش والازدراء خاصّة مع تبنّي التّقنية البعد الجمالي في
الصناعة. فتعهّر الفنّ بما هو قيمة جماليّة وفقد خصوصيّاته، وقد أبرز الكاتب
هذا المشهد المأساوي الّذي أصبح عليه الفنّ منذ غابر العصور إلى اليوم على
لسان إلهة الجمال حين “همست بصوت فاتن:*

*     أنا المومس المتهالكة في بحور اللّذّة الصانعة *

*     أنا البغي الّتي لا تعرف السّكينة سبيلا إلى نفسها ما لم يداعبها الشّيء
المبدع.*

*    أنا الزّانية الّتي يُضاجعها كل من يعترضها ومن لا يعترضها.*

*        لذلك تعدّدت إجهاضاتي وتكاثرت ولاداتي وتفاقمت أشكالي وتشكّلاتي.  *

*       ولذلك تعدّدت زبائني وامتلأت مجالسي ومخادعي بالكلّ المتنوّع حتّى
غصّت بذلك الحياة فتقيّأت في وجه أشكال التّعبير.*

*      ولذلك ما فتئتُ مستلقية تمتهنني المقدّسات وتعبث بي الشّعوب.*

*صورة تعكس فعلا وضعيّة الفنّ عبر العصور وموقف واضح للكاتب من هذا الاغتراب
المأساوي الّذي تعاني منه الإبداعات الفنّيّة في صراعها مع أشكال أخرى من
التّعبير كانت قد استحوذت عليها وكرّستها لخدمتها ففقد الفنّ بذلك أهم خصيصة
له وهو معانقة هويّته وإدراكه لذاته وقد عبّر الكاتب على هذه الغُربة المُميتة
في واقع الإنسان وعبر تاريخه بلسان “فينوس إلهة الجمال والفنّ” المنبثقة من
عمق فوهة جبل الثّلج فتقول:” …يختلج الوجه المعبّر وتهتزّ قسماته مجسّمة
الرّوعة في أبدع مجالاتها ومجسّدة القدرة في أعنف انفعالاتها، فأطوف به بين
غوغاء العموم المتسكّعة في أزقّة الواقع ثمّ أنظره في مرآة الأفق ثمّ أتأمّله
في الزّمن ثمّ أتفحّصه في مرآة المرايا فأرى وجهي يفلت من وجهي فأحاول اللّحاق
به وأظنّ أنّي أُمسكه فيُفلت من جديد حتّى يهدّني الإعياء وأسقط على الأرض
متصبّبة عرقا، فتهبُّ عليّ رياح الإحباط الباردة فتُجمّد مفاصلي وتُذيب حرارة
بعض تعابيري فيُصيبُني البُرُود ويتكوّم الجمد ويتعاظم الجليد ويتعالى جبل
الثّلج وينتصب في الفضاء بروعة ناصعة وتكلّل قممه هالات من الصّقيع”…*

*صقيع يؤزّم الفنّ في عصرنا وعلى نحو أخص في مُجتمعنا العربي المعاصر وهي أزمة
حسب رأينا أعنف من أزماته الماضية حين كان خادما لغيره فهو على الأقل بتلك
الخدمة وُضع له هدف وإن كان خارجا عن هويّته، أما اليوم رغم ما حقّقته
الإبداعات الفنيّة في بعض المجتمعات من استقلاليّة وخدمة لذاتها وتحقيق لهدفها
فإنه ما يزال يعاني من اغتراب مقيت في مجتمعات أخرى لم تقتنع بعد بقيمة الفنّ
ولا حتّى بدور الفنّان الحقيقيّ فأصبحنا نُدعّم الرّذالة والقبح بدل الإبداع
والجمال …*

*  اللّمسة السّحريّة الثّانية للسّاحر كانت لجبل الصّخر “فأخذت فوهته
المتفتّحة تبعث بالمشاهد والأصوات واندلعت صورة امرأة…” نلاحظ في هذا المشهد
الثّاني للحفل السّحري أن الكاتب أولا يستعمل المرأة كمرآة للفكر ومصدر إنتاجه
ولعلّ في هذا الاختيار أكثر من معنى فهي رحم الفكر ورمز خصوبته وهي أيضا مصدر
الإغراء والاعجاب وينبوع الجمال كما أنّها أيضا المرمى الأصلي لكل تحقير
واستهتار ورجم وعقاب وهذا ما يحيلنا إلى تأكيد المماثلة التي أرادها الكاتب
بين وضع الفكر في كلّ حالاته ووضع المرأة، ثمّ ثانيا نلاحظ أن جلال المخ في
كلّ مرحلة من مراحل هذا العمل  الأدبي النّقدي يتّخذ لنفسه بوعي المسافة
اللاّزمة التي تفصل النّاقد عن موضوع نقده ونراه يُحافظ عليها أوّلا بتقسيم
خياله إلى ثلاث مساحات ثمّ كلّما اهتم بجبل من هذه الجبال أي كلّما اعتنى بركن
من أركان إبداعات الفكر يبتعد عنه أوّلا ليُحقّق هذه المسافة الموضوعيّة ثمّ
يقترب منه ويلمسه لمسة فإذا بالمفاجأة : “اندلاع صورة امرأة” تُجسّد الفكر في
أوج عطائه ها هي تقول:*

*        ” بعد أن عانقت الطّبيعة وضاجعتني مشيئتها خطرت لي فكرة الحمل فكان
ما أردت وأخذت آلام المخاض تُقطّع أحشاء رؤوسي فتصطكّ أسنان عقولي وتصرخ أفواه
أذهاني صراخا مُتقطّعا وترقص عينا آرائي رقصا متألّما محموما وأتقلّب على
الدّنيا تقلّبا مُهتاجا فتُهاجمني مشاهد آتية قاتلة وتُكهرب مكوّناتي بصعق
ذابح.”*

*ليس هناك أدقّ من هذا الوصف لعمليّة المخاض وولادة الفكر*

*لذاته وانتاجاته وابداعاته مهما كان جنسها ونوعها وشكلها ومضمونها، إنّها
عمليّة تمكّن فيها الكاتب بدقّة نظر وفهم عميق لما يتخفّى من مُقوّمات ولادة
الأفكار والمعاني والمواقف والرؤى ودقائق حالات ووضعيات الذّات الولاّدة وهي
في وضعيّة مخاض لا يعرفها إلاّ من عاشها وتلذّذ بآلامها ومعاناتها وقد زادها
الكاتب جمالا باستعمال أسلوب المجاز والتّشبيه ولإيحاء والرمزيّة، فكانت لوحة
فنّيّة بحقّ تصوّر للقارىء اللّحظات الحاسمة لإنتاج الفكر لذاته عبر تاريخه
وكأنّ المفكّرين والمبدعين وإن كانوا يختلفون في المآرب والتوجّهات والمذاهب
والمواقف إلى حدّ التّناقض في كثير من الأحيان، يلتقون جميعهم في هذه اللّحظة
الحاسمة لحظة مخاض الولادة من رحم الفكر.*

*   لكنّ هل ما تُنتجه هذه اللّحظات من إنتاجات متنوّعة تُحضى بالرضى والقبول
والاستحسان أم أنّها قد تتحوّل إلى سلاح فتّاك يُدمّر الفكر ومنتجاته؟*

*    هل ما يلده رحم الفكر من مواليد وأفكار لا تجعل من الفكر ذاته وحشا كاسرا
يلتهم مواليده من جديد؟ وأبعد من ذلك ألا يمكن لإنتاجات الفكر أن تستحيل إلى
عوائق تُعيق الفكر ذاته من التحرّر وإعادة بناء ذاته باستمرار؟*

*لقد تفطّن جلال المخ في هذه “الحكاية” لخطورة وضع الفكر تجاه منتوجاته وتجاه
ذاته وحدّد مسار تطوّره بمسار غير سويّ ولا مستقيم بل هو مسار لولبي يتمركز
فيه الصّراع وهذا ما يجعلنا نجزم مع الكاتب أن تاريخ الفكر هو بالأساس تاريخ
إجرامي وأنّ انتصارات الفكر عبر مساره ليست بالأمر الهيّن بل مرّت بكثير من
الانكسارات والهزائم والعنف وهو ما دفع بالفكر إلى مراجعة دائمة ومستمرّة
لذاته ومكوناته في مواجهة مع ضدّه منهجا ومضموما.*

*وقد تمكّن الكاتب في هذه الحكاية تصوير هذا المشهد المأساوي لحالة الفكر في
كلّ العصور على لسان رمز الخصوبة والمخاض والولادة، هذه المرأة التي اندلعت من
جبل الصّخر لتتنفّس الصُعداء. ووصف لنا مدى صراعها مع كلّ نزعة تحجّريّة
دغمائيّة لا تكتفي بأن تسكن أوهامها وتُعايش مغالطاتها بل تريد أيضا أن تفرضها
على الفكر ذاته وتمنعه من الانعتاق والتحرّر.   *

* تقول: “وكم حاولت الإلقاء بذاتي في هوّة الغيبوبة المستلذّة لأستمتع
بالنسيان وأنفض عنّي غبار الصُراخ لكنّ مسامير الآلام قد اخترقتني لتدقّني على
أخشاب الجهد وتعلّقني على صلبان الملاحظة، لذلك كان ملاذي الواهم والأخير
برقعة مقاساتي بمشهد علق بذاكرتي منذ إحدى طفولاتي تمرّ أحداثه أمام حدقات
وهمي ببطء مُستطاب ويتدفّق منه وحش الزّمن عملاق الأبعاد يجلد الفضاء بشعره
اللاّفح وتزبد حركاته فتغمر الفراغ الرّهيب العمق الّذي يحويه وتغرق الألوان
المظلمة التّشابك الّتي تُكلّله…”*

*يلخّص الكاتب مآل الفكر في عصرنا بعد أن بلغ مرحلة الاندثار وتعمقت الأزمة
فلم يعد فيه مكان للفكر ولا لإنتاجاته بقوله على لسان رمز الفكر:” كلّ هذا
يُبهج خيالي وأودّ الذّوبان في ذلك الوهم البعيد لكنّ صورا دامية تنقضّ على
المشهد ويهجم مولودي بوحشيّة ليُمزّق إطاري ويُلطّخ مرآي ويقطعني أشلاء
وتعذّبا وحركات جزعة يحجّرها اليأس فتستحيل صخورا تُكدّسها الأزمات وتكلّسها
العصور، وينغلق جبل الصّخر على أحجاره في ارتطامات شديدة ويختم على قلب
اللّحظات ويشمخ في الفضاء مزهوّا متعاليا وتُكلّل رؤوسه هالات من الغبار”…*

*نظرة وإن بدت متشائمة ومأساويّة لوضع الأبعاد الفكريّة والإبداعات المعرفيّة
في هذا العصر فإنّها تعكس واقعيّة الواقع المزريّ الّذي أصبح عليه العقل
والعقلانيّة في زمن ما يزال محافظا على مساحات كبيرة وفسيحة للنزعات
الدُغمائيّة المتحجّرة عدوّة الفكر أصلا وفصلا. *

*  كان المشهد الثّالث للسّاحر يُماثل في قيمته النّقدية المشهدين
السّابقين لكنّه أكثرهما تأثيرا على وضع الإنسان المعاصر، فالسّاحر هذه المرّة
تمكّنت خيالاته أن تبتعد في الزّمان والمكان ليتمكّن من الاقتراب من جبل
الحديد فلمسه لمسة سحريّة “فانفلقت من فوهته أكوام وكتل من المعادن …” لماذا
كان للسّاحر هذه المسافة الزمنيّة والمكانيّة؟ لأنّ الفضاء الّذي سيكون مرمى
الكاتب النّقدي في هذا الجزء الأخير من الحكاية هو فضاء الفكر العلمي الحديث
والمعاصر وإن هاجس جلال المخ في هذا الفضاء هو وضع الإنسان ومصيره أمام
مستجدّات العلم وانعكاساته وتطبيقاته التقنيّة والتكنولوجيّة. إنّ القلق الّذي
عبّر عنه الكاتب على لسان هذه المرأة الثالثة الّتي برزت من فوهة جبل الحديد
يتمحور أساسا في ما آل إليه الإنسان المعاصر، نتيجة سيادة البعد التّقني
والآلي في حياته، إلى “أداة لكلّ أداة ” حسب “كانغلام” وافتقر إلى أدنى القيم
الإنسانيّة وتشكّل على شاكلة الإنسان الآلي فأصبح “مُأتمتا” **«Automatise »**
يخدم مصالح متنوّعة ومتعدّدة فأُفرغ من كل أبعاده الإنسانيّة الأمر الّذي دعا
“بفوكو” إلى إعلان “”موت الإنسان في هذا العصر”. نسجّل للكاتب جلال المخ منذ
ما يقارب ثلاثة عقود خلت إحساسه بهذه الأزمة الخطيرة ومعلنا صفّارة إنذار
تُنبّه عن مدى مخاطر الطّغيان العلمي والتّقني والتّكنولوجي على إنسانيّة
الإنسان وخطورة تحويله إلى آلة صغيرة داخل آلة كبيرة وضخمة مبرمجة قبليّا
ببرمجيات الآلات الرقميّة وهو ما قد يجعلنا نفتقد وعينا بتاريخنا الإنساني
متشبّثين بالحاضر الرقمي دون التّفكير ولا التّفاؤل بمستقبل إنسانيّ أفضل. وقد
عبّر الكاتب أعمق تعبير عن هذه الصّورة النّموذجيّة للإنسان المعاصر داخل فضاء
العلم والتقنية بقول رمز التقدّم:” عندما تنبعث الحرارة في صورتي المنعكسة على
شاشة المدينة والمصفّفة بين ملايين النّماذج المتوحّدة في صنع المثال الأكبر،
يجري التيّار في عروقي وتَلْتَمع أعيني الأزرار وتخفق مفاتيح قلبي ويدور شريط
لساني فتلتحم الذّبذبات بالفضاء البلّوريّ وتردّد:*

*    ” بعد أن تُعدّ تصوراتنا في مخابر الوجود وتُسطّر هياكلنا، تُحمّض
أشكالنا وتُصنع ثمّ نصدّر إلى أسواق الحياة نضغط على أزرار الواقع ونشعل أضواء
الأيّام واللّيالي. ولنعيش تلك المغامرة الأنبوبيّة تحملنا مركبات الأسلاك
المكهربة وتطوي بنا مسافات الحركات المتكرّرة على سكك العمل المسلسل. ونُطلّ
برؤوسنا المداخن من نوافذ صمتنا لنلطم وجوهنا المصفّحة بهيدروجين الرّاحة
المُنعش ولنلتقط بهوائيّاتنا الأحلام الجاهزة ونشاهد الأهداف المُبرمجة التي
وضعتها الأجهزة المخطّطة والأدمغة المغسولة تطير على حافة الرّحلات في سرعة
لامرئيّة وتُرسل أشعّتها الطّاقة وتقذف شررها الوقود فتصطكّ أحشاؤنا ونمتلئ
شحنات. وتبلغ بنا المركبات المسترسلة محطّات البداية النهاية فتُوزّعنا
أقدارنا الميكانيكيّة على رفوف الشّوارع المعلّبة تنظّم أمكنتنا القوالب
وتشكّل أزمنتما النّماذج…. إلخ” *

*صورة دقيقة جدّا وصادقة جدّا وعاكسة لحقيقة الوضع الإنساني الآلي المتكرّر
على الدوام داخل دوّامة الرّتابة والملل القاتل لكل انعتاق نحو الخلق
والإبداع، وضعها الكاتب في إطار عصر حقّق تقدّما هائلا في النّمذجة العلميّة
التي ساهمت مساهمة إيجابيّة في تقدّم البحث العلمي وتطوّر المعارف لكنّه أثّر
سلبا على إنسانيّة الإنسان بتحويله هو أيضا إلى أنموذج يمكن قولبته وحسن
السّيطرة عليه لا خدمة للإنسان بل خدمة بالإنسان. *

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع