زمن الكوليرا(قصص قصيرة)

21

قصص قصيرة
للكاتب : عبدالله بكري

زمن الكوليرا
تستعر الحرب ويزاد الصراع من الداخل والخارج .. الاوبئة تتفشى منها كوليرا وحمى الضنك والملاريا ، فالأطفال ..الشباب ..الشيوخ ، يموتون… وكل يوم هناك توابيت تأتي يقولون من الجبهات، فلان قتل ! ، و يقولون شهداء !.
واليوم وبعد عناء للوصول الى  المستشفى المكتظ بالمرضى ، ابنت خالي الطفلة اروى ، ابنت الخمسة اشهر ،  تفارق الحياة .. خطفتها الكوليرا … اخذتها الى الموت لترحل والى الابد ..
ماتت قبل ان تعاينها الطبيبة، فيعودون بها الى القرية جثة هامدة .. زوجة خالي تنوح ابنتي ابنتي .. وخالي تنهمر الدموع من عينيه .. وانا كنت ابكي .. اتذكر ضحكة اروى عندما كنت آتي لبيت خالي … كيف رحلت تلك الضحكات البريئة ؟ .. ، رحلت اروى لتنضم الى  من سبقوها من ضحايا الصراعات القذرة ، وتستمر الحكاية  ، فيحصل ذلك للعم سعيد تفتك به الكوليرا ،  وكذلك الحاجة سلمى ، كلهم رحلوا…
ويأتي ذلك اليوم المشؤوم .. ابي يصرخ بطني … بطني ..  اهرع اليه مسرعا… اجده ملقي في الحمام ، وامي لم تتحمل الامساك به فوقع على الارض  .. الألم به شديد ، اسهال وقيء… وجهه مصفر .. فامسك به انا وامي لكي نساعده على لوقوف .. فغسلته امي .
وكنت افكر كيف اسعف ابي لتلقي العلاج في المدينة .. فالبترول معدوم وان وجدت سيارة لإسعافه فسيكون مبلغ المشوار كبير. .. وان اسعفته على دراجة نارية فإنه لا يستحمل مع المرض مشاق الركوب على الدراجة النارية ، حيث ان الطريق وعرة …
فقررت الذهاب الى محمود صاحب السيارة القديمة فهو الوحيد في قريتنا من نجده في مثل هذه الاوقات الصعبة..
انادي على محمود
محمود… محمود
فيجيبني محمود ، نعم نعم … من ؟
انا محمد
فيخرج اليه .. ويقول لي تتفضل يا محمد
فقلت له انا جئتك مستعجل .. اريدك مشوار للمدينة ، فأبي مريض يعاني من الاسهال والقيء المتواصلين وكأن فيه كوليرا .
فيجيبني محمود ، لا حول ولا قوة الا بالله .. والله السيارة ليس فيها بترول .. والبترول معدوم في جميع محطات البترول .. و اعتذر منك ، فالسيارة ليس فيها اي بترول.
فطأطأت رأسي وقلت له بإذن الله أجد سيارة اخرى ، وعيوني تذرف بالدموع .. ثم ذهبت اسأل في ارجاء القرية .. ولكن لم اجد احد…
هنا اضطررت ان اذهب لأصحاب الدراجات النارية لأنه الخيار الاخير لإنقاذ أبي .
افتش هنا وهناك .. فكلما جئت الى احد , يعتذر لا يوجد بترول .
وظللت هكذا ابحث في ارجاء القرية , اكثر من ساعة ولا ادري ما ذا صار لأبي في هذه الاثناء .. وكنت قلق ومتوتر .. مصدوم على ابي ..الدموع تنساب على خدي ، وانا كالمجنون في طرق و ازقة القرية من بيت الى بيت …. وصدفة اجد صديقي احمد
فيسألني أحمد ما بك يا محمد .. الاحظك قلق وعينيك تذرف الدموع … قل لي ما بك يا محمد ..
فأخبرته ان ابي مريض وكأنه اصابته الكوليرا وبحثت في كل مكان فلم اجد احد يساعدني في اسعافه لا سيارة ولا حتى دراجة نارية ..جميعهم يقولون لا يوجد بترول .. و ابي يصارع الموت ولا ادري ماذا افعل …
فرد عليه احمد ” لا تقلق يا صديقي اتبعني الى بيت غالب فإني اعرفه يكدس البترول في البيت ليستفيد منه ايام الازمات وانقطاعات البترول ”
فيمشي احمد  وانا اتبعه متجهين الى بيت غالب في طرف القرية
احمد ينادي ، غالب ..غالب .. غالب اخرج بسرعة احتاجك في امر ضروي
غالب يجيب : نعم نعم .. ويخرج الينا
يخبره احمد بالأمر فيرد غالب ابشر يا احمد الان نمشي .
فاتجهنا على الدراجة النارية الى البيت .. فأخذت ابي واتجهنا الى المدينة…. ابي يصارع الموت عيناه تنظر الي يريد ان يقول لي كلام ولا يستطيع الكلام .. يهمس ابي اوقفوا.. اوقفوا ..
فيتوقف غالب ..
وابي يقول : أنزلوني..  أنزلوني .. فأنزلت ابي واعطيته مشروب الارواء ..
فقال ابي وعيناه تذرف بالدموع : محمد يا ولدي احس انني سأموت هنا  .. انتبه على امك وكن رجل فهي هكذا الحياة نذهب ولا نعود ونترك كل شيء ولا يسير معنا الا عملنا الصالح ، فكن ولدا صالح وازرع الخير اين ماكنت .. فوداعا يا ولدي اشهدان لا اله الا الله وان محمد رسول الله.
ففاضت روح ابي الى بارئها.. كنت ابكي .. واصرخ كالمجنون .. ابي ابي .. تركتني وحيدا.

النهاية

قصص قصيرة جدا
قدر
ارتقب المرافئ، باخرة تتوقف وباخرة تسير ، وانتظر ذلك العائد من البعيد ، والشمس تتدلا ذاهبة للغياب ، وفجأة المح شراع يلوح من عرض البحر ، فأهرع مسرعا الى مرفئ السفن ، وذلك الشراع يقترب يقترب !! ، فإذا بها سفينة لعائدين من الغياب ، نزل الراحلون واحد تلو الاخر ، وانا افتش هنا وهناك ، وجميعهم انصرفوا وانا من انتظره لم اجده ، يقولون كان معنا في بلاد الغربة ولكنه هنالك مات ..

أمل
في محطة القطار رأيتها واقفة تنتظر موعد الرحلة لتذهب الى المدينة  ، وواقف بجانبها حبيبها المغرم بحبها ، ولكن هي من سترحل وهو من سيودع!
فيحين الموعد !
فتعتلي القطار وتلوح له بيدها وداعا وداعا فغدا سأعود … على امل اللقاء

حنين
امشي في ازقتها افتش عن رائحة الماضي ، كان من هنا يمر جدي ، هنا العب مع اطفال قريتي ، من هنا اذهب الى مدرستي ذات المبنى الطيني التي غير التطور ملامحها واصبحت من العدم ..
اصبحت اطلال ولم اجد فلان وفلان ، احدهم رحل ولن يعود ابدا ، وآخر رحل بحثا عن لقمة العيش في بلادٍ بعيدة ، وقد يعود وقد لا يعود !!..

المفلسون
جميعهم ينظرون الى تلك الشجرة ..
ينتظرون متى ستثمر ويأكلون من ثمارها ، فقد اسقوها واعتنوا بها اكثر من أنفسهم …
فيحوم طائر حولها ، ينعق … انه غراب !! ، يلتقط ثمارها ، يعبث بها ، متبخترا بسواده الحالك ، وتصرفاته الاستفزازية ، وكان الجميع يهش عليه وهو مصرُّ على تصرفاته اللا أخلاقية !
فيهجمون عليه بنبالهم وهو ينعق مستنجدا بعشيرته ، وفجأة تمتليء السماء غرباناً ناعقة ، هاجمة على الشجرة لا يبالون النبال .. يتساقط بعضهم صرعا ، ولكن الآخرين نفذوا الى الشجرة ودمروها … والنبال المتساقطة انهت ما بقي من تلك الشجرة !!
انه حال اليمن يا سادة!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع