زليخة السعودي ، نبع من العطاء الأدبي و الفكري

62

أدباء في أرشيف الذاكرة الجزائرية

زليخة السعودي ، نبع من العطاء الأدبي و الفكري المكتوب باللغة العربية الذي رحل مبكرا

بوخلاط نادية

رحلت الأديبة الجزائرية زليخة السعودي منذ ثلاثة عقود و قبل أن تخوض آخر معاركها مع الكتابة، لكن رغم مشوارها القصير الذي لم يتجاوز العشر سنوات من العطاء الأدبي، استطاعت أن تثير جدلاً واسعاً، وتأججت نيران هذا الجدل بعد وفاتها، بسبب اتهام الروائي الراحل الطاهر وطّار بالسطو على تراثها الأدبي، وإخفاء مخطوط لأحد أعمالها الأدبية زعم بعض مؤرخي الأدب الجزائري أنه استوحى منه روايته الشهيرة “اللاز”، لكنّ عمّها أحمد السعودي قام بتفنيد هذه الاتهامات في كثير من وسائل الإعلام و في مناسبات عدة مؤكداً أنّ وطاّر كان “عراب” زليخة الأدبي، وسبب مواصلتها الكتابة عبر نشره قصصها على صفحات مجلة “الميادين” التي كان يشرف عليها.
و تضمّ المراسلات رسائل تبادلتها مع كتاب جزائريين كثر من أبناء جيلها أمثال عيسى مسعودي، ومحمد الأخضر السائحي، وزهور ونيسي إلا أنّ مراسلاتها مع وطار تبقى الأكثر إثارةً للجدل. إذ تواصلت لعقد من الزمن، وفاقت الـ300 رسالة أدبيّة من بينها 25 رسالة شخصية.

من بين هذه الوثائق النادرة، نجح الدكتور شربيط في الحصول على تسع منها بعد عشر سنوات من البحث والتنقيب في تراث الأديبة الراحلة.
قد يؤسس نشر هذه المراسلات لتقليد جميل في الساحة الثقافية في الجزائر، على طريقة رسائل الروائي الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني للروائية السوريّة غادة السمان، ويميط هذا الكتاب اللثام على حقائق كثيرة، إذ يوثّق لمرحلة سياسيّة وثقافيّة مهمّة.
ومن خلال رسائل العاشقين ، نكتشف صراعات عاشها صاحب “عرس بغل” في مشواره الطويل، مراقباً في جبهة التحرير الوطني، ومسافراً يعشق الترحال، وكاتباً خاض تجربته إلى نهايتها و يكفيها فخرا أنها ثاني امرأة جزائرية تخوض غمار الابداع الأدبي باللغة العربية بعد الكاتبة و الوزيرة السابقة زهور ونيسي .
في اللقاء الأخير الذي جمعه بالأسرة الإعلامية في الجزائر قبل وفاته قال الراحل الطاهر وطار: “المثقف هو الذي يتجاوز السلطة ونفسه معاً”، لكن يبدو أنّ صاحب “اللاز” لم يستطع تجاوز حب سكنه زمناً طويلاً، وقد حاول مراراً الارتباط بزليخة رسمياً، إلا أنّ رفض والدها حال دون زواجهما، بسبب ظروف الطاهر وطار المعقدة وقتذاك، فهو المناضل اليساري المعارض، فيما تنحدر زليخة من عائلة محافظة، من قلب مدينة خنشلة بالشرق الجزائري.
إن السجال الدائر حول علاقة الأديبين العاشقين، غذّتها حكايات كثيرة لمثقفي الجزائر، وبهدف إعادة إحياء إرث الراحلة الأدبي، أسس ابن عمّها عبد المجيد السعودي جمعيّة تحمل اسمها، ونظّم ملتقى أدبياً في مسقط رأسها خنشلة، بين سنتي 2000 و2003، لكنّه تعثّر بعدما غرق في مشاكل ماليّة، وسط تبادل اتهامات بينه وبين مديرية الثقافة فيهذه الولاية ، رغم إعلان وزيرة الثقافة آنذاك عن دعمها المادي والمعنوي له.
و هو ما دفع باءبن عمها الذي ترأس هذا الملتقى الدكتورعبد المجيد السعودي للخروج عن صمته و اتهام أطراف أرادت و عمدت إلى تغييب اسم زليخة السعودي عن احتفاليات وزارة الثقافة رغم البحبوحة المالية ، و قيام مديرية الثقافة بولاية خنشلة في تلك الفترة باءستبعاد الملتقى من دائرة اهتماماتها ، و في المقابل صرف أموال طائلة على مهرجانات فارغة لا علاقة لها بالثقافة و لا تمت بصلة بها.
ولحسن الحظ تمكن الدكتور شريبط أحمد شريبط المختص في الأدب النسوي الجزائري من جمع أعمال الراحلة زليخة السعودي ، و ضمنها في كتاب بعنوان “الأعمال غير الكاملة لزليخة السعودي”، و الصادر عن منشورات “دار البهاء” بمدينة قسنطينة، و يحوي هذا الكتاب مجموعة رسائل حملت توقيع رائدة القصة القصيرة في الجزائر، كما يحوي أيضا نسخاً أصليّة من المراسلات الخاصّة بينها وبين الراحل الطاهر وطار ، و هي رسائل توثّق لحبّ جميل بين كاتبة غيّبها الموت باكراً، وروائي مناضل اعتبر الحب في حياته “استراحة محارب”.
و الأديبة الراحلة زليخة السعودي من مواليد منطقة “مقادة” بولاية خنشلة بالشرق الجزائري في 20 ديسمبر1943 ، دخلت سنة 1947 الكتاب وحفظت نصف القرآن الكريم، ثم انتسبت عام 1949 إلى مدرسة الإصلاح التي كان يديرها عمها الشيخ أحمد السعودي إلى غاية عام 1956 تاريخ حصولها على الشهادة الابتدائية، واصلت دراستها بالمراسلة لتتحصل على شهادة الأهلية عام 1963 مما أهلها للالتحاق بسلك التعليم، انتقلت إلى الجزائر العاصمة للالتحاق بالإذاعة الوطنية بعد نجاحها في مسابقة إذاعية.
تركت الفقيدة وراءها رصيدا من الأعمال الأدبية في مختلف المجالات كالقصة القصيرة والمسرح والمقال إما مخطوطة أو منشورة في المجلات والجرائد الوطنية، كانت زليخة توقع كتاباتها بأسماء مستعارة مثل “أمل”، “آمال” بسبب محيطها الأسري المحافظ.
و للإشارة فقد احتضنت دار الثقافة بولاية خنشلة بالتعاون مع المركز الجامعي الشهيد عباس لغرور الذي تبنى منذ2001 و أخذ على عاتقه تنظيم الطبعة الأولى لملتقى جائزة الأديبة الراحلة زليخة السعودي و التي شارك فيها أدباء و شعراء بأحدث أعمالهم ليتوجوا بجائزة “زليخة السعودي” ، و تم خلال مجريات هذا الملتقى تقديم مداخلات لأساتذة و باحثين حول ارث و مسار هذه الروائية الفذة التي رحلت قبل أن تحقق حلمها ، حيث اختطفها الموت في 22 نوفمبر 1972 و هي في التاسعة و العشرين من العمر و في قمة العطاء الأدبي و الإسهام الثقافي .

 

بوخلاط نادية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع