رسائلي لا تصل

36

رحمة بن مدربل/

عندما كنتُ طفلة، كنتُ مشغوفةً بالتأمّل، هادئة جدّاً بالنّظر إلى سنّي، صامتة كثيرا، بعيدا عن شغب الطّفولة، ضجيج اللّعب و انفعالاتِ الصغار.

كنتُ في كلِّ ليلة قبل أن آوي إلى فراشي، أكتب رسالة، أكتبُ فيها كلَّ شيء صمتتُ عنه، في النّهار، كلّ شيء آذاني فلم أستطع أن أردّ عليه، أكلّم نفسي به كذلك ــ وحدي في غرفتي، من دون أن يسمعني أحد

ثمّ أصعدُ إلى النافذة بكرسيّ و أرمِي الرّسالة بعد أن ألُّفُها جيدا على نفسها، أربطها بشريطة ملونة، فوق السّقيفة، ليقرأها الله، هكذا كنتُ بعقل طفلةٍ أفكر !

في الصّباح أنتظرُ الرّد، و أمُدُّ يدي إلى السّقيفة من جديد حتّى أتطمّن على رسالتي في انتظار الرّد أحيانا كنتُ آخذ رسالتي كما هي بل و أحيانا مُبللة، ممزوقة بسبب المطر و أحيانا لا أجدها، فأفكر أنّها صعدت إلى القدير في السماء .

ذات مرّة، في يومِ أذكره جيدا، لأنّني لبستُ كنزةً، صوفية، حمراء، جميلة، تنورة قصيرة، سوداء، أنيقة جداً، ثمّ سرّحتُ شعري بزيتِ جوز الهند الذي عبّقتُ بعطره الذي أحبّه، القسم كلّه، عندما دخلت.

كان لي زميلاتٌ في الصّف، كنّ يتنمرن على لكنتي “العاصمية”، سهوي الدائم، و لا يتحمّلن صوتي الهادئ، فيقلن عنّي كلما ذهبتُ متأنقة ” بنت الدزيري الزّواخة ” أحيانا يعلقن ” بيضة بزاااف حتى سامطة ” ثمّ يغضبن كلما رأين وجهي الصّامت، الذي يبدو هادئاً جداً، غير مبالٍ بأيّ شيء يدور حوله
لم يكن يَرى أحدٌ التّوتر المُحرِق بداخلي .

طلبتْ منْي ” أمال ” أن أعيرها كنزتي حتى تجربها، لكنني رفضتُ، فلم يعجبها الأمر، أخبرتها بأنني مريضة بالزكام أولا، ثانياً لا حقّ لها في استعمال ملابسي، أنا غير راضية عن ذلك .

سَكتَتْ الفتاة على مضّض، لكنها في وقت الراحة، جمعتْ صديقاتها الفوضويات، صرْن يحُمْنَ حولي طول الوقت، يعلقن على كلّ حركة أفعلها، لم أكن أردّ أو أعيرهم اهتماماً، فكان ذلك ما كان يدعوهم إلى الجنون، كنّ يقلن بصوت عالي … ” يا الكلبة تقتل فينا بالبارد”!

بينما الحقيقة أنّني كنتُ لا أستطيع أن أكلم أحداً بطريقة سيئة، كنتُ هادئة بشكلٍ مثير للتّوتر
كنت فتاةً تخفي كلّ شيء في قلبها، مسكونة بالرّهاب الاجتماعي، لا تقول شيئاً حتّى و هي تموت من الألم .
أنهينا الدوام المدرسي، و صارتِ السّاعة تشير إلى الرابعة، جمعتُ أدواتي في محفظتي الصغيرة
حملتُها على ظهري، واصلتُ المشي بهدوء، وحدي إلى خارج المدرسة، كان الجو بارداً
شعرتُ برأسي ثقيلاً جداً الزكام، التهاب اللوزتين الذي يصيبني كثيراً في الشتاء، فيسبب لي إرهاقا شديدا، يبدو جلياً من مشيتي البطيئة، كنتُ أمشي بتعبٍ جليّ، أتخيّل أقواس قُزحٍ زرقاء بالكامل، دوائر حمراءُ و مستطيلاتٍ أرجوانية، أظّنُ أنّها الحُمّى، سمعتُ نداءً بعيداً خلف ظهري.

“ـــ هااااي .. أنتِ “
استدرت بصعوبة
ـــ ” مالك طرشة؟ ولا واش؟”
قالت حسنية :
ـــ ” لا،لا رأسها بعيد كي العادة غرقولها البوابر “
و انطلقتْ الضَحكات بشكل عالي …

قلتُ بصوت متعب : واااش ؟
قالت آمال بغيض : ماذا تحسبين نفسك ؟
قلتُ لها أنا ذاهبة إلى البيت تأخر الوقت، ماذا تريدين ؟
لم شعر بعدها إلاّ و أنا واقعةٌ على الأرض و كلُّ وحدةٍ منهم تضرب جزءً مني
واحدةٌ أمسكتْ بشعري، و فكتْ شرائطه، الأخرى أصابتْ وجهي بضربة ولأنني سقطتُ على ركبتي تمزّق الفيزون الأسود و انجرحتْ رُكبتايْ.

لم أستطع أن أقول شيئاً وقتها، حملتُ نفسي و أبعدتهم بيديَّ جميعاً، ببعض القوّة التي تبقتْ لديّ
لم أبكِ، لم أصرخ، لم أقل شيئاً أصلاً، كأيّ حجرٍ ينضح بالبرودة القاتلة.

لطالما كان يخونني صوتي كلمّا صدمني شيء، لم أكن أستطيع أن أصرخ تلك الصّرخة التي تطلقها الفتيات عمداً أو عن غير عمد، حتى يقلن في دلال ” لقد تأذينا” .

واصلتُ المشي عبر حقلين من القمح إلى بيتنا، شعرتُ بشيء دافئ يتدحرج على وجهي، كان أنفي ينزف، مسحته بهدوء، واصلتُ المشي، مررتُ على ساقية صغيرة، فغسلتُ يدي بمائها البارد، ثمّ وضعتُ قليلاً منه على أنفي و وجهي، واصلت المشي بتوئدة.

طرقتُ الباب، فتحتْ أمي ابتسمتُ لها كالعادة، دخلتُ صعدتُ مباشرة إلى غرفتي، أوصدتُ الباب
أخذت أوراقا من درجي الحائطي الأبيض المشوب بالصفرة، الذي يضمّ أدواتي و قلما من محفظتي

جلستُ على الأرض تماماً، باشرتُ أكتبْ، بينما الورقة، تتبلل بدموعي، كتبت كلّ شيء …
ثمّ فتحتُ النافذة و رميتها إلى السْقيفة، و قلت بصوتٍ مسموع هذه المرة:
” هل رسائلي لا تصل إليك يا الله؟ لا تصل ؟؟؟ لماذا لا تصل ؟

شرعت بالبكاء بصوتٍ عالٍ، أوشكَ أن يكسر زجاج النافذة، كنتُ أحسُّ أنّه يتشقق أمامي !
2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع