رحلة الآحاد المشؤومة. نصّ قديم أذكره كل أحد

52
رحلة الآحاد المشؤومة. نصّ قديم أذكره كل أحد
عبد القادر صالحي

يوافق كلّ أحد موعد السّوق الأسبوعيّة بفريانة، حدث دوريّ يتكرّر بانتظام، ينتظره الباعةُ والفلاّحون والصناعيّون والحرفيّون وغيرهم، وينتظره سكّان الحاضرة وأريافها على حدّ السّواء.
اختار لنا جدّنا الأوّل مكانا منزويا متاخما للجبال، تحيط بنا شُجيرات الحلفاء من كلّ حدب وصوب لأنّها كانت، ومازالت في الحقيقة، تمثّل مورد رزق لسكّان هذا الرّيف.
ظلّ السّوق موعد لقاء الرّيفيّ بالحضريّ وبينهما بون شاسع. في السّوق تلتقي المتناقضات، منتوجات الرّيف من دواب وخضروات وغلال وأعشاب جبليّة وغيرها،
ومنتوجات المدينة كالأقمشة والأحذية والصّناعات اليدويّة والحرفيّة… كلّها تلتقي في مكان وزمان محدّدين، تبدو فُسَيْفُسَاء غير مُتجانسة ولكنّها تُؤلّف سوقا يقصده النّاس ويشدّ إليه الرّحالَ العارضون.
دأبَ جدّي على التّسوّق، رفقة أبناء جيله، على ظهور الأحمرة أو النّوق. وورث أبي دَأْبَ سابقيه لسنوات حتّى انتشرت بضعُ “كميونات” في ريفنا. وصارت أصواتُ المحرّكات تقطع هدير الجمال ونهيق الأحمرة…
كانت رحلة التّسوّق منذ البدايات متعبة وشاقّة نظرا إلى طول المسافة ووُعورة المسالك وندرة وسائل النّقل… والسّوق في قريتنا حكر على الرّجال وتكليف لكلّ
أب، إذ يقتني لعائلته ما يكفيها لأسبوع… يعود الأب بعد ساعات ليجد زوجته وأبناءه في انتظاره فتتلاشى أتعابه عند فرحهم به وتنسيه غبطتهم وعثاء السّفر وما يجده من مشّاق…
ينهض أبي قبل الفجر أيّام الآحاد ويستعدّ للتسوّق، كان لا يريدني أن أوصيه صباحا، فطلبُ الصّباح بالنّسبة إليه لا يُردّ ولكنّي دوما أوصيه بغيةَ إحراجه فلا يجد بدّا من تلبية مطلبي.
ينتظر رجال الدّوار “كميونة” الحاجّ عبّاس في مفترق معلوم صيفا أو شتاءً، ومنهم من يصطحب رأسا من الغنم أو الماعز أو ديكا أو أرنبا أحيانا، وكل مراح بما فيه يجود.
يأتي العمّ عبّاس بعد أن طال انتظار الرّجال، ولا يلقي التحيّة بل على حرفائه أن يلقوها ولا يلومه أحدٌ لعبوسه وتكشيره غير المبرّرين… إنه وليّ نعمتهم وله الحقّ في أنْ يكابر.
ولأنّ نسق الحياة بطيء جدّا في هذه القرية، ظلّت الطّريق مسلكا تربا ومازالت الحال كما كانت. أمّا الأشخاص فقد استسلموا، فالعمّ عبّاس قد أصابه الوهن واشتعل رأسه شيبا وخارت عزائم كميونته حتّى صارت ركاما من الحديد… ومات رجال كثر من ذاك الجيل وبعضهم قضى نحبه في تلك الطريق.
كان أبي يصطحبني أحيانا بغية التّعرّف على عالم المدينة المزدحمة ويريد أن يعلّمني أساسيّات البيع والشراء في السّوق وأول الدّروس: لا ترضَ بالثّمن الأول بيعًا أو شراءً.
أذكر جيّدا أوّل مرّة دخلت السّوق، كنت صغيرا أتوه بين المارّة لولا يد أبي تسحبني كل مرّة، كنت شارد الذّهن وكلّ ما في السّوق يشدّني، ذاك الجمع الغفير وذلك الاختلاط وتلك الأصوات الكثيرة، الكلّ يقول ويُدلي بدَلْوه فتتناثر الكلمات دون خيط ناظم ولكنها تؤلف سوقا… شعرت بالتّعب من كثرة التنقّل بين الباعة وأزعجتني الغوغاء. خاف أبي أن أفقد وعيي فاشترى دجاجة وأقعدني تحت حائط وطلب منّي أن أحرس تلك الدّجاجة ريثما يعود. أعتقد أنّه حمّلني الأمانة خشية أن أبرح مكاني.
سألني أبناء عمّي عند عودتي عن السّوق وما فيه، فشتمتُ أبي وقلت: إنّه حرمني متعة السّوق ورؤية عالم المدينة ونصّبني حارسا لدجاجته اللّعينة وقصصت مغامرتي لأمّي وجدّتي وكانتا معجبتين بي وكأنّني أتيتُ بنصر عظيم…
مرّت السّنون عجلةً حتّى أمكن لي التّسوق من دون مرافقة أبي… لم أعد أرى في التّسوّق إلا تعبا ومشقّة، ولذلك أنوبه أحيانا…
نهضتُ باكرا هذا الصّباح وانتظرتُ الحاجّ محمّدا صاحب الكميونة. هاهي تشقّ صمت الطّريق وتنفث فيها دخانها.
كانت الكميونة مكتظّة، وجمعتْ البشر والبهائم والطّير في حيز مكانيّ صغير، هذا صاحب خراف يبتغي بيعها وذاك ماسك بيده حبلًا في طرفه تَيْسٌ وذاك كهل يحتضن صندوقا من الورق المقوّى فيه دجاجة مع فراخها الصّغار والشابّ المولدي يمشّط
فرو خُزَزٍ (ذكر أرنب) بريّ اصطاده أمس لعلّه يوفّر قوت أخوته اليتامى. والعمّ سالم في يده قِفَافٌ من الحلفاء يسترزق من بيعها وفي الزّاوية شيخان انصرفا إلى الحديث في شأن يعنيهما.
تخطّيتُ الرّقاب وانزويتُ في ركن ووقفتُ. كانت الرّيح تعبث بوجهي فلمْ أعبأ بها لولا رائحة التّيس، لقد كانتْ تُدمع الأعين ويضيق لها الصّدر وتبعث على
الاختناق… رغم اكتظاظ الكميونة إلا أنها ظلّت تتوقّف لكلّ من يلوّح لها بيده. وكلّ راكب جديد كان يُضيّق عليّ الخناق حتّى اقترب التيس أكثر وصار ملتصقا بي فأبديتُ امتعاضي منه فرمقني صاحبه بعينين جاحظتين وتمتم:” ذِرّي تونس يا ناري.” تجاهلته وانصرف تفكيري إلى رجليّ وقد أثبتّهما في بعر الأغنام وبولها.
الكلّ في ضجر، ولا أحد يقول ما في صدره… بين الحين والآخر يصيح العمّ سالم:
يا رب… ولا يُكمل دعاءه… غالب الظّن أنّه يبكي حاله ويقول: لِمَ لَمْ يهتدِ إلينا الرّفاه؟ لم تغيّرتِ الدّنيا وما فيها وظلّت هذه القرية محافظة على أحزانها وشقائها؟ ألسْنا بشرا؟ ما الّذي اقترفناه في دنيانا حتّى يتنكّر لنا الزّمان ولا يدركنا غير النّصَب؟ ماذا بعد هذا كلّه؟ كلّ الطّرق عُبّدت إلّا طريقنا هذه، حتّى هجرتها وسائل النّقل؟ ولِم نفرّتنا هذه البلدة حتّى هجرها الحبيبُ والصّديقُ والأخُ والابنُ وظلّت فئة قليلة تعمّر الأرض رغم جفافها؟ لماذا لَمْ تبادلنا الحبّ؟ أنحن اخترنا الشّقاء أم هو الّذي اختار رفقتَنا؟ ألهذا الشّقاء نهاية أم هو أبديّ يحيا معنا وينتهي بانتهائنا؟
أسئلة كثيرة تُخامر ذهن كلّ ريفيّ ينشد الرّاحة ويحلم بالمدينة وفي نفسه أمانٍ لم يُعلن عنها.
كان التّيْسُ ينازعني موقفَ قدميّ وينظر إليّ في حنق فأبتسم له ساخرا وتعود قدماه إلى الرّفس. بعد ما يقارب السّاعة نصل إلى السّوق… ينهض الرّكاب، وقد أعياهم الوقوف فاستسلموا إلى أنفاس الأغنام وتقاسموا الهواء معها، ينهضون ويشمّرون عن ساعد الجدّ استعدادا لبيع دوابهم ويحمل العمّ سالم قفاف الحلفاء ويختفي وسط الجموع وينصرف صاحبا الدّجاجة والأرنب إلى سوق الدّواجن… أمّا أنا فلم تكن لي بضاعة غير عيني الّتي كانت ترافق الكلّ في صمت.
أزلتُ بعض أدران علقت بحذائي وتركتُ ما استعصى. وولجت إلى السّوق مرفوع الرأس مزهوّا بنفسي ولسان حالي يردّد: “من في السّوق إلّا أنت؟” شققتُ طريقي بين الزّحام وانخرطت في أهل المدينة، رائحة البخور تعبق آتية من جهة الشّمال، وجنوبا كان الحدّاد يطرق الحديد بكلّ قوّة حتّى تعرّقتْ صلعته وتبلّل شيب القفا. وفي النّاحية الأخرى حلوى رُصّفت بعناية وتقاطر عسلها وفي زاوية بائع الفول يصيح ويدعو زبائنه، وكانون الشّاي يدعو من مازال بهم نعاس إلى استقبال الصّباح الجميل… أمشي وسط المتناقضات وإذ بهيفاء حسناء ظهرت عليها علامات ترف أهل المدن، وجه صبوحٌ لم تمسسه شموس الصّيف ولا صقيع الشّتاء. وثغر إذا ابتسم كشف عن درّ مسبوك، وشعر منسدل على كتفين بين النّحافة والاكتناز تأرجَحا تراقصه نسمات الصّباح العليلة، وقوام ممشوق سُبحان ربّك المعبود، كانت تصغرني قليلا أو تكبرني، لست أدري، تطلّ من بين الزّحام وتشقّ الطريق إليّ. كانت تبتسم فبادلتها الابتسامة وتسمّرتُ حيث أنا. اقتربتْ وتأمّلت وحدّقتْ في هندامي حتّى انفجرتْ ضاحكةً وأكملت سيرها مُعرضةً عنّي… استغربتُ ونظرتُ إليّ فوجدتُ سائلا لزجا بين الصّفرة والخضرة… إنّ التيس اللّعين قد انتقم منّي ونفث مخاط أنفه على معطفي فَشَانَهُ.

عبد القادر صالحي/ تونس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع