رحلةُ العودة من العالم السفليّ

155
رحلةُ العودة من العالم السفليّ
كريم عبدالله

الظلام سفينة تستعجلُ ركوبها الأجساد المنهكةالقابعة وراء الصمت تستحثّ خطاها عواصف سرّية دوّاماتها تستند على تخوم الذكرياتالخاطفة ما أقسى فقدانها منذ البداية , مضحكة أخرى تمارس خرابها المكشوف بقسوة لاتخلو من الإستهزاء والمكر والدهاء , هي حكاية مستمرة الحبكة منمنمة ككرنفال نعيشهافي كتاب مجهول ..!!! .

حينما تناثرت من حولي وأبتعدت ذرات الأوكسجين, شعرت بأنّ سقف الغرفة التي كنت محجوراً فيها مع حاسوبي وكتبي وأوراقي قد بدأيقتربُ منّي بخبث وأصرار حتى جثم فوق صدري , لم أستطع أن أصرخ وأستغيث , لأنهمجميعاً كانوا ( يتعاركون ) مع ضيف خبيث حطّ رحاله في أجسادهم . لمْ أدرِ مالذي حدثبعد أن أغمضت عينيّ وشعرت بأنّني للتو قد خرجت من سجن كان يضيق عليّ بالتدريج ,وأحسست بحرّيتي تعود لي مرّة أخرى , فها هي تسير معي وأنا فوق عربة نقل المرضىداخل ممرّات المستشفى . فجأة , أنفتحَ باب هاااااائل ووجدتني أدخل من خلاله ومعيالكثير من أمثالي الذين عرفوا الحقيقة وأستسلموا لأقدارهم المكتوبة , وأُغلقوراءنا الباب بأحكام وأنتهى كلّ شيء , في الخارج بقي الكثير ينتظرون أن يفتح البابمرّة أخرى ليدخلوا , وبقي أهلي وأصدقائي ينتظرون عبثاً عودتي , كنت أسمع اصواتهموهم ينادون عليّ : كريم .. عدْ لنا نحن ننتظرك .. مازال لدينا الكثير . وعندماأستياسوا من عودتي , عادوا جميعاً يحملون أحزانهم وذكرياتهم الجميلة معي , أمرأةواحدة قرّرت أن تبقى وتنتظرني وتنتظر عودتي , كنت أسمعها تقول : كريم أرجوك لاتتركني وحيدة في هذا الفضاء الموبوء , بينما صديقي الشاعر عدنان الساعدي بقي هوالآخر ينتظر , وكان ينادي عليّ : أخوي كريم سابقى هنا لنْ أبرح مكاني , لابدّ أنتعود , بينما صديقي وجد الروح كان ينفث الأمل من خلال كلماته التي بقيت ترنّ فياذني , وسعد ياسين يوسف صديقي الآخر كان ينادي عليّ من بعيد : ايّها السومريّ عدّلنا فمازال للشعر معك بقيّة كثيرة , أما صديقي علاء ابو مريم كنت أشعر بحزنهالعميق وهو ينادي عليّ : أيّها المعلّم كلنا ننتظر عودتك فلا تتأخّر علينا أيّهاالحبيب .

أنّه الظلام الدامس والعتمة الثقيلة وجدتهمابعدما أغلق وراءنا الباب , كنت أسمع صوتاً يقول : 58 سنة , عندما فتحت عيني وسطهذا الظلام كانت هناك عبارة مضيئة مكتوب فيها ( الباب الخامس ) , كنت خائفا ممايجري حولي , فجأة حطّت على كتفي يد حانية برّدت هذا الخوف , فاذا هي يد أمي ( نورة) , يااااااااالهي ..!!! , كم أشتقت الى رؤيتها والى رائحة ( شيلتها ) السوداءالتي تفوح دائما برائحة الطيبة والمسك و( السِعْدْ ) , كان وجهها حزينا هذه المرّة, لم تقلْ سوى : مالذي جاء بك مبكراً الى هنا ..؟؟!! . فنظرت الى يميني فإذا بوجهيأبي ( كاطع ) يقطع عنّي لحظة الذهول والقلق , لمْ ينبس بايّ كلمة , ولمْ يفعل سوىتعليق الكثير من الأثقال فوق ظهري , حتى أحسست بأنّني سأسقط على الأرض منها ,أمسكاني وسارا بي في موكب حزين وسط هذه الجموع وهذا الظلام ومن هول ثقلها , فيالطريق كنت أستشعر بوخزات كثيرة في جسدي وبشيء يكمّم فمي , وشيئاً يضغط على صدريبقوّة , ( آني أخاف من جكّةْ الأبرة ) , ( ثلاثون عاماً وأنت تجكّْ الناس بالأبروتخاف منها , ذقْ الأن ما كنت تخشاه ) .

عند نهاية الطريق فُتح باب آخر مكتوب عليه (الباب الرابع ) , حينها تخلّى عنّي والديّ وتركاني مع الآخرين ندخل من هذا الباب ,خفّت قليلاً الحمولة التي كنت أحملها , وشعرت بشيءٍ من الحيوية تعود إليّ , كانهناك نسيم قد مرق في رئتي أنعش جسدي المنهك , حالما دخلت أستقبلتني جدّتي ( حدهن )صاحبة العيون الفيروزية والعمامة السوداء الكبيرة , أحتظنتني بشعف وقالت لي : هاولكْ كريّم , جدّهْ شجابك هنا , ليش مستعجل .. بعدك حلو ومدوكن كما كنت ..؟؟!! ,وكان يقف بقربها جدّي عبدالله الذي لمْ أرهُ في حياتي أبداً , لمْ أرهُ إلاّ منخلال صورتهِ الشمسيّة التي قام والدي بتكبيرها لدى رسّام محترف في الباب الشرقيّوعلّقناها في بيوتنا نحن أحفاده تبرّكاً بهِ , فهو ( الزاير عبدالله ) الذي زارالأمام الرضا في خرسان ضمن حملة على راجلة أستمرت زمناً طويلاً , يقول عنه والديانّ المرأة التي تعسّر في ولادتها كانوايستعيون بعمامته البيضاء ويضعوها فوق بطنها فتولد بسرعة . كانا قد أمسكاني من ذراعيّوسارا بي وسط الظلام , كنت أسمع حفيف أجنحة رقيقة تحلّق حولي واصواتاً لا أكادأميّزها تقول : بسرعة أرجوكم , العلاج الروسيّ في الوريد , حقن هيبارين تحت الجلدلئلا يتجلّط الدم , فيال سفتراكسون 1000 ملغم صباحاً ومساءً , فيال باراسيتامول ,جهّزوا أكثر من قنينة أوكسجين , ضعوا قنينتان عند رأسه وثالثة عند الحمام لئلايختنق ونفقده . عند نهاية الطريق فُتح باب كبير آخر مكتوب عليه ( الباب الثالث ) ,وتركتني جدّتي ( حدّهن ) وجدّي عبدالله , لا أدري أين سأذهب وسط هذا الظلام ومَنْسيكون دليلي فيه , فجأة ظهر رجل وقور لا أعرفه أقترب منّي وأمسك بي مطمئناًومهدّاً من روعي وقال لي : أنا جدّك ( عليّ ) لا تخفْ يابني , لمْ يبقَ أمامكالكثير , ولكن لماذا يا بني تستعجل الذهاب , ألا تدري بأنّ الذاهب في هذا الطريقلنْ يعود , فقلت له : أ لهذا حزننا سرمديّ..؟؟!! . فقال لي : نحن المخلّدون فيالعالم السفليّ . رفع عنّي بعضاً من الأثقال التي كانت قد كسرت ظهري , فأحسستبحيويّة الشباب وعنوانه تعود إلى جسدي وتدفّق مستمر من نسيم عليل يُنعشُ كلّ جسدي. أوصلني جدّي ( عليّ ) إلى ( الباب الثاني ) وقال لي : أدخلْ يابني من هذا البابستكون سعيداً . أُغلق ورائي الباب وكنت أسير مع الجميع وسط الظلام و فأنبرى لي منبين الجميع رجل وقورٌ لا أعرفه وأقترب منّي قائلاً : مرحباً بك يا بنّي , لا تخفْانا جدّك ( داوود ) اخبروني بمقدمك فحضرت لأهوّن عليك بعض آلآمك , وورفع بعضاً مناثقالي ورماها جانباً وقال لي : أنت متعب جداً باثقالك هذه , ستشعر بالتحسّنالقليل الآن , وفعلاَ وجدت نفسي أفتح عينيّ من جديد , كانت غرفة أنيقة بيضاءةالجدران وسرير مريح وتلفاز يبثّ الموسيقى و وبجانبي ولدي ( أنور ) ينظر إليّ بحزنوقلق , شعر ببعض الطمأنية وهو يراني أفتح عيوني بعد ثلاثة ايام من الأغماء , وقاللي : أبي , هل أنت بخير ..؟؟ , فأومأت له بأنني مازلت حيّاً . اغمضت عينيَّ منجديد وذهبت مع جدّي ( داوود ) وسط الظلام , ليتركني عند ( الباب الأول ) , وقد عدتأكثر شباباً وحيوية وسعادة وأنا ألتقي برجل وقور آخر لا أعرفهُ , حالما رآني أبتسمفي وجهي وقال لي : مرحباً بك يا بني , أنا جدّك ( سلمان ) , تعال معي لتجتاز هذاالباب وتستعد للمصير الذي ينتظرك . رفع عن كاهلي كلّ الأحمال التي كنت أحملها ,كان ولدي ( انور ) يعصر البرتقال ويسقيني به مستبشراً , وكان يُطعمني كالطفلويُجبرني على تناول الطعام الذي فقدت شهيته وطعمه ورائحته , وكان يأتيني صوتها منبعيد حزينا ضعيفاً غارقاً بالدموع والتوسّل والدعاء : كريم , الله يعينك , كنشجاعاً فأنا أنتظر عودتك , لا تتأخّر عليَّ , فانت الوحيد الذي أحبّ وأريد , كريملا اله الاّ الله , فاقول مع نفسي : محمد رسول الله . أوقفوني طويلاً أنتظر عند (الباب الأول ) , فلا يجوز المرور من خلاله دون دليل أو ضامن , كنت وكأنّني أشربالأوكسجين شرباً , والتهم الطعام بشراهةٍ , وكانت تدخل جسدي كميات كبيرة منالأدوية , بقيت وحدي أنتظر عبثاً مَنْ ياخذ بيدي ويخلّصني من هذا الأنتظار , كنت أريدالخلاص بسرعة لما عانيته في طريق رحلتي الطويلة هذه , إلى أن جاءني شخص لا أعرفه ,أقترب منّي وهزّني بعنف من كتفي قائلا لي : مَنْ الذي جاء بك إلى هنا , يا لكَمِنْ أحمق يستعجل اللاعودة ..!! . أعاد تعليق جميع الأحمال التي تخلّصت منها أثناءالطريق , ودفعني بعنف قائلاً : عدْ لمْ يعد لك من مكان هاهنا . وإذا بي خارجالمكان , وأشعة الشمس اللاهبة تشوي الوجوه , لا أدري إلاّ والسيّارة تقف أمام باببيتنا الذي لمْ أتوقع العودة إليه مرّة أخرى , كان أحفادي يرقصون حول السيّارةويحملون البالونات الملوّنة و( يطشّون الواهلية فوق السيّارة ) , كنت أشبه بالعريس الذي زُفَّ إلى عروسهِ , لمْ يُسمحلي أن أترجّل من السيّارة , وخشيت أن أهلي مازالوا يخشون منّي كوني مصدر عدوى لهم, لكن أخيراً فُتح الباب وسُمحَ لي بالدخول , كان ينتظرني خروف قامت أبنتي ( أيمان ) بشرائه وذبحهِ تحتَقدمّي , وكان أيضاً زوج من الأوّزات أبنتي ( زينب ) هي الأخرى أشترتهما فداءً لي ,بينما أبنتي ( نورا ) قد هيّأت لي مكاناً هادئاً ( وطشّت ) أكثر من كيلو ( واهلية) فوق رأسي وفوق الفراش , بينما بقيّة بناتي ( زينة ودينا وليلى ) قد عادت لهنّ صحتهنّوكنّ بأستقبالي مع زوج أبنتي ( ايمان ) كان ( ضياء ) قد اخذ دور القيادة مع زوجتيأثناء فترة غيابي , لكنني أفتقدت أبنتي الصغيرة ( زهراء ) و وتداركت زوجتي الموقفقائلة : ( زهراء ) هي الآن تتصل بك على الواتس آب , لقد بقيت تبكي عليك مادمت أنتترقد في المستشفى , كنت أرى صورتها في الموبايل ودموعها تجري , فلوّحت لها علامةالنصر فابتسمت وسط فرحة أطفالها , فقالت لي زوجتي بحسرة وألم وحزن عميق : ( ليشهيجي سوّيت بنفسك كريم ..؟؟؟!!! ) , فقلت لها : ( موبيدي , أحبها والعباس أبو فاضل, أحبها هواي , شلون بيّ ) , فضحكت غامزة قائلة : تالله ستبقى تحبّها حتى تكونمجنوناً حقيقاً وأنا أزورك في مستشفى الشماعية .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع