رجال أمّي (وقصص أخرى قصيرة جدّا)

135

الهاوية

 

بخطى واثقة تقدّم إلى مدرسة ضمّته طفلا، وتخيّر مكانا خارج أسوارها ولبث ينتظر..

حين رنّ الجرس، اشتعل الجوّ بالضوضاء. فتحسّس شيئا مّا تحت سترته الجلديّة…

” بينك وبين الجنّة ضغطة زرّ! ”

وصوت يتردّد في باطنه، رسم في وجه الكاميرا ابتسامة تدرّب عليها: “ابتسامتك السّاخرة أشدّ عليهم من حزامك النّاسف!”

فجأة سمع نداءً مألوفا ومحبّبا..

  • عمّي!

بنيّة كالوردة تقبل عليه في مرح طفوليّ…

يصرخ كما لم يصرخ من قبل…

  • لا…

وقتها دوّى الانفجار…

 

 

ظــلام

 

الجمجمة خواء لا أثر فيها لظلّ أو لون.. ماضيها أودية يملؤها الفراغ، ومستقبلها تأكله العتمة..

من بين ظلام وظلام جاءها صوت: “في السّماء حور عين وشفاء من أدران الأرض..”

الجمجمة في لهفة: “هُدني إليها فإنّ أنفاسي تضيق”!

من بين ثنايا الظّلام عاودها الصّوت: للجنّة مهر، حزام ناسف، وجِــــزّة صوف تتدلّى من الوجه!

 

 

 رجال أمّي

 

     رجل أمّي الأوّل: في يمناه كمامة فم، وفي يسراه كسرة خبز..

     رجل أمّي الثّاني: لا شيء في يده اليمنى، ولا شيء في يده اليسرى، ولكنّه ينبح فينا ليل نهار: إنّ الجوع يأكله النّباح!

     رجل أمّي الثّالث: قد يأتي وقد لا يأتي.. وإلى أن يأتي نوقد شمعة..

 

 جـــــــــرّة سمن

في بيتنا جرّة سمن يحرسها أبي.. نصرخ مجتمعين:

  • مغرفة واحدة لا تكفي.

يسكت أبي ولا يجيب، ولكنّ الكدر لا يغادر وجهه.

أخونا الأكبر لا يفتر عن الهمس:

  • ولئن مات أبي فلتشبعُنّ.

ونعيش على الأمنيات، ومحاريث الجوع تقلّب خيبة قادمة..

ويموت أبي، ويتولّى أخي الأكبر حراسة الجرّة..

يصفّفنا صفّا صفّا. بيده أمنيتنا القديمة، وبيده الأخرى هراوة غليظة. يرعد فينا ويزبد:

  • شمّوا وانصرفوا وإلاّ…

 

مِهمَاز الكمال

 

انتظرتها على أرق. وتأمّلت سماء خيالي طويلا عسى أن ألمح ظلّها يقترب على مهل.. لا شيء إلاّ خطوط ومنحنيات وهمهمات غائمة في السّراب، ومعان لم تنضج بعد.. كوّرتُ البياض في يدي ورميت به للمرّة العاشرة بعد الألف…

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع