ذكرى من الماضي البعيد

24

ما أن قمت من السقطة الظالمة التي حدثت بسبب سرعتي المعتادة في إداء أعمالي وأنا في غاية الألم الا وجدت مواسيا لي من نوع غريب , إمرأة غريبة لم أرها قبلا ولا بعدا وقلّما ذكرتها في تضاعيف حياتي وتلافيفها . كانت المرأة عصرية بكل معنى الكلمة ملابسها تسريحتها ثوبها الذي يجمع بين النظافة والشفافية والبهاء ووجهها المشع كما لو كان قطعة من النور لكأنها سرقت بعض ضوء الشمس , كانت تحمل حقيبة يدها بأناقة طاغية وتضع بعض الحلي في مكانها المناسب دون إسراف , عموما لم تكن المرأة تتلائم والمكان الذي نشأت فيه حيث تسكنه ثلة من الطبقة المتوسطة في أحد أحياء بغداد المعروفة . كأن المرأة بكل ما فيها غيمة مشعة حتى إني نسيت وجعي وأنا أنظر إليها , كانت تحدثني بصوت ملائكي تلومني بلطف وتطلب مني أن أمشي بهدوء كي لا أتعرض لمثل هذا مستقبلا . سرّت عني وشدتني اليها مما ألهاني عن ألمي المتأتي من الكشط وبضعة قطرات الدماء التي سالت من ركبتي اليمنى . شي وحيد جعلني أفغر فمي وأنظر لا برعب كما يفترض بمن في عمري وقلة خبرتي بالحياة بل بمشاعر اخرى لم استطع أن احددها وأرصدها آنذاك بل حتى الآن وأنا أتذكر وأكتب هذه الكلمات . كان شعوري بالأسف واضحا مختلطا بقوة بتساؤل عن السبب فيما أرى وخيط من إشفاق وشعور بالتنافر بين منظر المرأة عامة ووضعها الخاص , يمتزج كل ذلك بالاستغراب وبالتحديد بهوان جرحي الى جرحها . صمتُ حتى عن ألمي الذي كان طاغيا قبيل لحظة , صمتُ وأنا انظر بتمعن واستفاضة واستغراق الى المرأة التي جاءت من حيث لا أدري ومضت الى حيث لا أعلم , لم تكن إحدى الجارات قطعا ودليلي أنها وملابسها ورقتها التي كنت لابد سأُلاحظهما لو لمحتها في أيّما مكان قريب من بيتنا العزيز في شارع عشرين . لم تكن من نساء الحي أبدا ولا من مقترباته أيضا . حتى كلمة امّاه التي جمدت عند ضمّة شفتيَّ لم أعد بحاجة اليها – فلم أنطقها إذ تلاشت في مكانها – ولا الى امي كي تمسح جرحي تواسيني وتعنفني في آن واحد فقد قامت المرأة بذلك كله ليس بكلماتها بل بمجرد رؤيتها . كنت لمّا أبلغ العاشرة بعدُ أنفذ طلبات المنزل السريعة والعاجلة في غياب أشقائي . لا أذكر الآن ما كنت أحمل في يدي غير إني أذكر بوضوح تام المرأة التي انبرت لي من حيث لا أعلم وأعطتني درسا سريعا لم أنسه أبدا – غير اني لرعونتي لم ألتزم به للأسف الشديد – أعطتني الدرس لا بكلامها بل برؤيتها فحسب ذلك أنها كانت مبتورة إحدى اليدين من الكتف .
غير ان ذلك لم يخلف في نفسها مرارة يرادفها التعقيد – كما يحدث في غالب الأحيان – بل ملأها حبا للناس وإشفاقا عليهم .
ولغرابة ما حدث لي وانبهارا بروعته وتفرده لم اشارك أحدا ولم اخبر أحدا به حتى يومنا هذا بل أخفيته حتى عن أمي التي كانت ستقول بلا شك إن هذه المرأة أحدى ملائكة السماء .
*****
سمية العبيدي 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع