دور النخب العربية في تصحيح صورة العرب والإسلام أمام الآخر

125

” لا عجب لأمة الشرقو قد تجاهلت نواميس الكون و طرحت قوانين السماء أن تسقط هيبتها من عيون الأمم، وأن تصبح كسقط المتاع يباع و يشترى بأرخص الأثمان”

تتكرر الصورة التي رسمتها إنجلترا عن العرب حين جاءت إلىالشرق بالصورة التي تصنعها الآن أمريكا حول العرب، و هي صورة مشوهة للعالم العربيو للإسلام و نعته بالإرهاب، و ربما تحولت آلة التشويه إلى وسيلة لتحقيق هدف ما، ولكن  المثقفون العرب لم يتحركوا في تحسينصورتهم أمام العالم، لا من الناحية السياسية، و لا من الاقتصادية و لا من الناحيةالثقافية، عكس ما تقوم به الشعوب الأخرى كاليهود الذين يخصصون الأموال الضخمةلتحسين صورة اليهودي في أدب شكسبير، الحقيقة أوقفني موقف أحد الناشطين  الحقوقيين و هو يتحدث عن واقع المسلمين اليوم،عندما قال: ما معنى القول أن الدين الإسلامي دين نظافة في حين يرى الأجنبي القمامةمنتشرة في الشارع العربي، و أرجع السبب إلى وجود فجوة بين للتطبيق و الأصل، و قدصنعت هذه الفجوة تشويها للصورة العربية و الإسلامية، ليت الأمر وقف عند حدودالنظافة، بل تعدى حدود معاملة المسلم مع أخيه المسلم، قبل أن نقول معاملة المسلممع غير المسلم، و رغم أنه هو صانع الإرهاب، لم يكن الغرب مخطئا عندما وصف الإسلامبأنه دين عنف، و أن المسلمون إرهابيون، لأن المسلمون هم من أساءوا إلى دينهمبالدرجة الأولى و لا لوم على الآخر غير المسلم.

فالحروب الأهليةرسمت صورة حقيقية للمسلمين و هم يتقاتلون، بحيث تعود جذورها إلى عقود مضت ، انتهت بسقوطالخلافة الإسلامية، و استمرت في عصرنا الحالي، اختلفت فيها الأساليب فقط، فما معنىالقول أن الدين الإسلامي يحرم الكذب و السرقة و الغش، و  الزنا،  و الرشوة، و شهادة الزور، في حين يرى الأجنبيهذه الفواحش  منتشرة في البلاد الإسلامية، فليسالإسلام شعائر و عبادات فقط، بل المعاملة الحسنة للأخر هي بمثابة الأساس الذييرتكز عليه المسلم في تعامله مع غير المسلم في إطار التعايش السلمي، كنتُ قد قرأتعن مؤتمر “نقد الذات” الذي انعقد في نوفمبر 2001 بجامعة القاهرة، أدارتهالدكتورة نادية مصطفى مديرة مركز البحوث و الدراسات السياسية و مشرفة على برنامجحوار الحضارات ، و كان عبارة عن منطلق لحوار واعي مع الآخر، لكن الانطلاقةالحقيقية للحوار، كانت مع بداية الحوار العربي الألماني ، الذي كان التجربة الأولىللحوار مع الآخر، كان ذلك في مؤتمر ” تواصل لا صراع” عقد في مقر الجامعةالعربية في فيفري 2002 نوقشت فيه قضية الإعلام في العالم العربي و في الغرب، و كيفيقوم كل منهما بنقل الثقافة العربية و الغربية، و تصحيح نظرة الغرب للإسلام و المقولةالرائجة بأن  القرآن مُحَمَّلٌ بالآياتالتي تحض على استخدام العنف و القوة ضد غير المسلمين، و مفاهيم أخرى مثل القهر والتغلب  و مفهوم السلطان، و مفاهيمأخرى  لا تدع مجالا لحرية الرأي أو الرأيالآخر.

و الحديث يقودنا إلى ما تمخضت عنه المؤتمرات و القِمَمالتي تعقدها المنظمات و الجامعة العربية، و فشلها في الحوار مع الآخر، بحيث  لم تحل المشكلة العربية، بعض المحللين يرون أننجاح أي حوار  لابد أن يسبقه اتفاق  على منظومة قيم  value system في التعامل مع قضاياالعصر، لاسيما قضية الدين و الهوية و المواطنة، تبقى إشكالية “الممارسة”فهذه تحتاج إلى قابلية النخب الحاكمة و حتى للنخب المثقفة  في ترك الحرية للآخر، المشكلة إذن هي مشكلة انحرافعن الدين، أي أنها مشكلة أخلاقية كما هي مشكلة عقلية ، ما دفع بالإمام الغزالي لإحياءعلوم الدين و النهوض بالأمة،  و هو ما يؤكدعلى وجود أزمة في الفكر و العقل معا،  واكتفى علماء الإسلام و خطبائه في المساجد بمناقشة القضايا السطحية مثل الإستنجاء (اكرمكم الله) باليمنى أم باليسرى عند قضاء الحاجة؟، و هل دخول المسجد باليمنى أمباليسرى؟، و قبض اليدين أثناء الصلاة أم إسدالهما؟ و كذلك الشأن في قضية الملبسالتي لا تختلف كثيرا عند المسلم المتدين و المسيحي المتدين و اليهودي المتدين، و بدلا علاج هذه المشكلات ، أعطي للدّين طابعا سياسيا، للإشارةو كما جاء في بعض الدراسات أن فكرة تسييس الدين  بدأت على يد الإسكندر الأكبر عندما جاء إلى مصرو نصب نفسه إلها، و تبعه نابليون، و تسييس الدين صورة من صور الاستغلال للوصول إلىهدف سياسي، و هو ما نراه اليوم في بعض الأحزاب الإسلامية التي جعلت من الخطابالديني مطية لبلوغ أهدافها السياسية، بل أساءت استعماله، و نفس الشيئ بالنسبة للحكومات العربية، تقول بعض الدراسات أن هذه الحكوماتفقدت رصيدها عند شعوبها ، من خلال الثورات الشعبية و المطالبة بإسقاط النظام والمطالبة أيضا بالحكم الذاتي ، و زادت التدخلات الأجنبية من يأس الشعوب، مما تركفراغا في الشارع السياسي، و عزوف الناخبين عن التصويت في الإنتخابات، نتيجة فقر و ضعفالخطاب  الديني و السياسي معا،  بل تحولت بعض الخطابات التي يمكن وصفهابالتحريضية إلى ثورات، طبق لفيها الشعار القائل: ” و لن يفل الحديد إلاالحديد”.

و لذلك لا يمكن للخطاب الديني أن يبتعد عن جوهرهو مضمونه و هذه مسؤولية العلماء و الدعاة المسلمين و الأئمة، على أن يكون لهذاالخطاب صفات الشمولية و الواقعية  و الصدقو أن يكون معايشا للأمة و قضايا العصر، لا خطاب تهديد و وعيد ، و أن لا يبقىجامدا، بل يتحرك  مع المتغيرات والمستجدات، بعيدا عن إملاءات الحاكم أو الوزير  تعليماته و توجهاته الإيديولوجية و انتماءاتهالسياسية، قد يقول قائل أن تحسين صورة العرب و الإسلام دور تلعبه الجالية المسلمةفي الخارج و كذلك السفارات، و أن وراءهم مهمة ثقيلة تنوء بحملها الجبال الراسيات، فالمسلم أينتما ذهب و حيثما حلَّ لهوظيفة  “الدعاية” للدين الذييحمله، و إن عجز عن تحقيق ذلك يكفي أن يكون سلوكه سويٌّ في الدولة التي يقيم فيها،و خاصة في دولة غير مسلمة، لأنه يمثل الإسلام طيلة إقامته في تلك الدولة، فلا يسرقمثلا، و لا يشرب خمرا، و لا يقوم بأعمال عنف، إلا في حالات استثنائية كالدفاع عنعقيدته إذا تعرضت للمسّ و الإهانة،  ماعداذلك فهو اي المسلم المغترب أول من يسيئ إلى دينه، و قد وجد الكيان الصهيوني المنفذسهلا في محاربة الإسلام، حيث تنشط العديد من الجمعيات لتحقيق هذا الغرض و هوالقضاء على الإسلام، و منها جمعية “كريف” اليهودية التي تسعى إلىتحجيم  الدور السياسي للجالية العربية والمسلمة عبر التخويف الدائم منها، و الهجوم  الشرس المنظم على اتحاد الجمعيات الإسلامية فيفرنسا ( uoif )، و الذي طالب مركز  سيمون روزنتال الصهيوني في 02 نوفمبر 2004  بحلهبدعوى أنه يجمع تبرعات لإغاثة المنكوبين الفلسطينيين، مما أعجز المسلمين في أوروبامن إيصال  صوتهم، أمام مطالب مكافحة “الإسلاموفوبيا”في العالم، و قد برز هذا المطلب بشدة مع صدور قانون مكافحة العداء للسامية، و كمايقال: ” لا عجب لأمة الشرق و قد تجاهلت نواميس الكون و طرحت قوانين السماء أنتسقط هيبتها من عيون الأمم، و أن تصبح كسقط المتاع يباع و يشترى بأرخص الأثمان”

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع