دور الرحالة وأهل الأندلس في نقل مظاهر التواصل الحضاري

دور الرحالة وأهل الأندلس في نقل مظاهر التواصل الحضاري


ان التجارة والرحلات ربطت مدن حضارة مابين النهرين ووادي النيل مع مدنيات المشرق والمغرب ونقلت معالم التواصل الحضاري في المدن والنواحي والقصبات من العادات الاجتماعية والدينية والاقتصادية بتفاصيل دقيقة في الأسماء والتواريخ وبذلك سهلت على الباحثين التعرف والمقارنة بين الولايات الإسلامية في درجة التحضر والإنتاج والإبداع.
سهلت كتب الرحلات علينا صورة التطور الحضاري الذي حدث في عدد كبير من الولايات الإسلامية في جوانب الحياة وحسب أسلوب ومنهج تدوين الرحالة واهتمامه وولعه وخبرته واتصاله وظروفه وشجاعته وبراعته في نقل أدق التفاصيل وأبرزها عن المنطقة التي زارها وبذالك نرى اختلاف واضح في كتب الرحالة في التأكيد على جوانب معينة من التطور والتأخر الحضاري والعادات والتقاليد الراسخة في المجتمعات والصدق والصراحة والأمانة التي دونها في رحلته مثلا نرى أن ابن حوقل النصيبي ذكر معلومات غير صحيحة عن الأندلس في جانب الخيل والفروسية عندما زار الأندلس بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله وقد دخل ابن حوقل بصيغة تاجر ولكنه كان جاسوسا لجمع المعلومات ولكسب سيده الفاطمي في عصر الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر.
اختص عدد من الرحالة في زيارة الأماكن الدينية المقدسة في مكة والمدينة والقدس الشريف وقدموا لنا وصفا علميا مهما عن فريضة الحج والمعالم الحضارية فيها والمراسيم والعادات والتقاليد نذكر منهم مثل الرحالة الأندلسيين ابن جبير البلنسي وابن بطوطة الطنجي بأسلوب ومنهج سهل ومشوق ومفصل عن كل بقعة واثر مما ساهموا في تزويد الناس الراغبين في زيارة تلك الاماكن وتعريفهم بالتفاصيل الحضارية
كرس اغلب الرحالة الاهتمام بالمسالك والمسافات بين المدن والطرق المؤدية الى طريق الحج او تجارة الحرير وذكر الاقاليم ووصف المدن امثال ابن خرداذبة وابن رسته والشريف الادريسي وغيرهم وبذالك ساهموا في تقديم تعاريف عن الطرق ومقدار المسافات والمخاطر والعقبات التي تواجه المسافرين الراغبين في الوصول الى المعالم الحضارية في الولايات الإسلامية.
لابد من ذكر ثقافة الرحالة المسلمين وحبهم للعلوم وشغفهم بتأليف الكتب في العلوم الطبيعية المهمة في زراعة الأعشاب والنباتات البرية.
كما ألف الجغرافي الأندلسي ضياء الدين بن البيطار الاشبيلي (ت636هـ) كتاباً بالنبات من خلال تجواله في ارض الأندلس اسماه المغني في الأدوية المفردة والجامع في الأدوية أورد فيه وصفا لأكثر من 1400عقار نباتي وحيواني ومعدني ساهم في تطور علم الصيدلة والطب في الأندلس والعالم.
من دوافع وغايات الرحلات الجغرافية:
1. حب المعرفة والاطلاع ونقل المظاهر الحضارية في الاقاليم التي قصدها الرحالة.
2. أداء فريضة الحج والعمرة في الأماكن المقدسة عند بيت الله الحرام وقد زودتنا كتب الرحلات الأندلسية منها رحلة ابن جبير البلنسي الأندلسي وابن بطوطة الطنجي والشريف الإدريسي بمعلومات مفصلة عن مكة والمدينة المنورة.
3. لغرض كسب الرزق الحلال وخدمة الحكام وأهدافهم السياسية مثل رحلة ابن حوقل النصيبي الذي عمل جاسوسا في البلاط الفاطمي على الأمويين مقابل حصوله على أموال وهدايا من الخليفة الفاطمي.
4. تكليف الرحالة برسم خرائط للمدن وتحديد المسالك التي تؤدي الى الولايات لأغراض التجارة أو عسكرية لشن حملات وغارات وغزوات إذ يتطلب تامين أفضل الطرق ومعرفة المسالك والأنهار والجبال والعوارض الطبيعية وطبيعة المناخ وهذا ما كان يحدث عندما تشن الحروب أو حملات الجهاد لنشر الإسلام أو تأديب المتمردين و العصاة او ردعهم .
5. تقديم وصف رائع ومقارنة جميلة بين بلد وأخر في معالمه الجغرافية والمناخية والحضارية من بعض الرحالة مثل ما قام به البكري القرطبي وابن غالب الأندلسي في كتابه فرحة الأنفس في تاريخ الأندلس ذكر عن بلد الأندلس بقوله والأندلس شامية في طيب أرضها ومياهها يمانية في اعتدالها واستوائها اهوازية في عظيم جبايتها عدنية في منافع سواحلها صينية في جواهر معادنها هندية في عطرها وطيبها.
6. أوضح عدد من الرحالة الأندلسيين عن حالة التأخر والتردي للأوضاع في بلاد جليقية بالشمال الشرقي للأندلس وما كانت تعانيه حياة الناس في الإقليم مقارنة الى التواصل الحضاري في الأندلس ونقل البكري معلومات مفيدة عن أهل جليقية والإفرنج بقوله:”…وأهل غدرٍ ودناءة أخلاق، لايتنظفون ولايغتسلون في العام مرة أو مرتين بالماء البارد. ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها الى أن تنقطع عليهم ويزعمون ان الوسخ الذي يعلوها من عرقهم تنعم به أجسامهم وتصح أبدانهم وثيابهم أضيق الثياب وهي مفرجة يبدون من تفريجها أكثر أبدانهم ولهم باس شديد، لايرون الفرار عند اللقاء ويرون الموت دونه “.
نقل الجغرافي البكري القرطبي صورة التخلف والبؤس والشقاء لسكان أوربا في عصر كان ازدهار الأندلس أيام الأمارة والخلافة الأموية في قرطبة وهيمنة وسيطرة الكنيسة الكاثولوكية ودجل بعض المشعوذين فيها.

أعداد: الأستاذ المساعد: لقاء محمد بشير حسن
كلية اللغات/جامعة بغداد/ قسم اللغة الاسبانية

شارك المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

أحدث المواضيع

اختر كاتب

بالفيديو

شارك المقال