خفايا الحس ودلالاته في نصوص الشاعرة مبروكة رشوان

قراءة تحليلية بقلم عائشة أحمد بازامة

292
خفايا الحس ودلالاته في نصوص الشاعرة مبروكة رشوان
اجدابيا / ليبيا
قراءة تحليلية بقلم عائشة أحمد بازامة

اجمل الشعر ما كان مزهرًا يصاغ برهافة ورقة إمرأة تعشق فلسفة الكلم كزهرة فوق السطور يمتد شذاها إلى أنفاس الكلمات والحروف بنهم وشوق إلى الحياة . تغوص في عمق الإحساس الفني البسيط الممتع الممتنع ليشعرنا بحس شاعرة وهيجان أمواجها بهدوء يبعث على طمأنينة حرفها ويشتاق إلى رحابة الكون باشتياق الذات إلى الكينونة الموسومة في دهاليز الروح ودروب اللغة ببكر وطفولة الكلمة الشغوفة الأولى .
للوهلة الأولى قرأت أنّ لإحساسها فلسفة تنبع من حس غير العادة التي تشغل هموم شاعر ، فهي تحاول الفرار من رتابة قصيدة مكررة الحس اعتدنا على لمسه ظاهرًا على بطن الكلمات في العديد من قراءاتي لشواعر اخريات . الحس هنا المغامر لمطبخ القصيدة يشغل حيز كبير من تآلف الشاعرة مع نصوصها لذلك تحاول أن تبين لنا عمق مشاعرها في انضاج حرفها قبل تمام اشراقه واستشرافه على الملأ ، كأني بها فائقة الإحساس بذائقة المتلقي وخوفها الجزوع من ذلك الذوق تحاول ترضية الذوق الأدبي لمن يقرأها ونصوصها . رهافة الإحساس بالمتلقي لا يملكها إلا حس قوي نابع من حرص اقوى . وامتلكت هي هذا الحس .
لنرى شاعرتنا في هذا النص :
ظالعة أنا في إنضاج لقصائد لم تبلغ البوح بعد…
اعترف أني أحبها نصف نيئة
تلك التي لم يعجنها التأويل
و لم تخلط مذاقاتها ببعض .
يلذعك فيها بيت حار متوهج عاند
فتفرد وأعجز الأشباه.
وتردف شاعرتنا بحسها قوي الخوف على نفسها كذلك فتتقن المؤالفة بين حرصها على ذائقة المتلقي وعلى شهيتها في نظم القصيد فيفوق احساسها على المألوف على الرتابة والاستقرار . وعلى واقع متكاسل ، تفتك قيود كلماتها لتعلن هياج امواجها الحسية كمهرة جامحة إلى التحرر من قيد الأخيلة المملة والمجاز المعتاد . صوت هاديء بإحساس جامح وجارف
تقول الشاعرة مبروكة رشوان :
لاتستطيع ترميم شهيتي أبدا
أشتهي هوسا منغما يعلنني منفى وقرار
يساعدني على الشفاء من علة الواقع
يحرر أوصال كلماتي
من وصايا المعنى والمجاز
بخيال له صهوة شرود
إنّ الشاعرة تحتاج ، والحاجة مكمن مودع فينا نطلبه لمغالبة الشيء الآزر المحفز لشهية النفس ، فالروح لا تحتاج إلاّ ما تتأمل محصلته وأكثر ، وإن لم يكن قد تنتزع ذلك الأحتياج عنوة ، فالرغبة ستلح على التحصيل . الإحساس القوي لدى شاعرتنا عميق لحرف يحس عبراتها ويتأثر بمكنونية نفسها الحزينة لتكون مهمة هذا الحرف شحذ العبرات وإطلاقها كمتنفس عن شدة الألم ٠ حيث لن تملك بعدها إلاّ البكاء في هذه الأخيلة تكرار لصفة لصيقة بأبداع الغالبية من المبدعات لكننا لو تمعنا في قصيدتها وأعدنا القراءة نجد أنّ الحرف الغائب الذي تبحث عنه تحتاجه ،ولم تتوقف عند حد التباكي ذلك الحرف البهي بل الأكثر بهاءً في إطلاقها للصفة في صيغة المبالغة على وزن أفعل والذي غاب لتسترجع به شحذ العبرات . بختام هذا الاستدعاء للجود عليها بالمطر حيث لا تريده غيثًا ليزيد في عذابها وألمها ، مطرًا وليس غيثًا . طالبة منه أن يرتل الغيوم صورة غاية في الذكاء البلاغي فاللحن والموسيقى عادة ما تنسج مواويل حزينة مهيبة في تراتيل يتشوق السامع إليها بمهابة محببة النغمات فيكون تأثيرها أقوى ، وعندما تكون الغيوم هي مصدر الترتيل فهو النماء والخصب . الشاعرة تنشد حرفها بحس مرهف قوي كي يعبر بها إلى خصوبة الشعر ونماء القول والكلم .. هذا الإستجداء متمايز من نوعه لأنه حبيبها الأزلي والأبدي فهو الحرف أصل الكلمة وجزئها الأولي
إنّي احتاج ُ الى حرف ٍ
يذرف ُ آلاف العبرات
احتاج ُ لغائبنا الأبهى
يرجعني من زمن ٍ فات
أمطرُه ُ ترتيل َ غيومي
فيَهبُني للخصب ِ الآت
تستصرخ شاعرتنا ككل انثى _ وهذا المنحى لابد أن نتقبله من اكثر الشاعرات في خطوهن الأول _ واغلبهن ذقن مرارة العادة النمطية المجتمعية السائدة في غالب الأحيان عند ولادة الطفلة . فيا للعجب من أنثى تمثلها وترث منها كل أنثاها ، لكنها النظرة السوداوية عبر العصور الظلامية التي تحمل وزر مفاهيم العبثية بالبشر ، من إرث سلبي عقيم عن تحييد الأنثى حيث تعلن شاعرتنا سؤالها لهذا العبث غير المنطقي وغير المنصف الذي يحمل تناقضًا غريبًا
منذ .. ولدت .
صرخت امي
انثى…انثى
دُونَ معين
ماذا ..يا امي
هل كنت .
الاك
من بضع سنين
نبذة من عمرك
صورة من قهرك
ظاهرة ولدت
بشتات
.. حفنة …عورة
شيء لايظهر في الصورة
الحب سمو إلهي، وهالة إلهية مقدسة تغمر النفوس ، وتحيل القبح إلى جمال ، هبة الإله إلى أهل الأرض ، أوجده الله في قلب الإنسان ليمحو بها الكره والدنس ، شاعرتنا مبروكة رشوان دفع بها الاحساس إلى شحذ شيئًا قليلًا من الحب ولن تطال هذا الحب إلاّ بشيء قليل من الفرح . هنا يخفت الإحساس ويهدأ وتتواضع في حضرة قداسة الحب القوي
إذ تقول :
شيء من فرح يحييني…
رحمة تصنعني انسانا
فكرة توقد في كيانا
… حَفْنَةَحُبٍّ..
قَدْ تَكْفِينِي
بَلْ… تَكْفِينِي

…وبس…
تستهويها الوحدة فهي ترى بأم إحساسها أن قيودًا ستنتاب حياة حروفها التي تحن إليها دائمًا ، فالحنين إلى اطلاقها يهاجمها كأسراب الجوارح ربمًا ولن تقوى حينئذ على الدفاع عن حجزها وضمها لنفسها رغم محبتها لتلك الوحدة المتآلفة مع حروفها . لو نظرنا لهذه الصورة الأخيلية الرائعة لعلمنا الاحساس الفائق على حرصها لرزانة كلماتها لأنها تعشقها ومن هنا منبع الإحساس القوي بمدى اهمية الكلمة الفكرة عندها وجذوة انصهارها مع أفكارها الإبداعية التي تستشرف الغد الأجمل . تقول في هذا المجمل :
كلما نضجت كلما آنستني الوحدة …
أعرف..
ستهاجمني أسراب الحنين
.. وستدور بي افكاري في مجاهيل بلون واحد
فقط وحده التفرد من سيحتفي
بي لأتساقى وإياه كوؤس الجذوات المبهرة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع