حوار مع الأديبة جميلة مزرعاني أجرته الأستاذة القديرة فاطمة عبد الله

22

مجلة الضوء .العدد العاشر
حوار مع الأديبة جميلة مزرعاني أجرته الأستاذة القديرة فاطمة عبد الله

تحت مظلّة الضّوء كان لي هذه الدّردشة الماتعة مع الأديبة القديرة الأستاذة فاطمة عبد الله .
س1: كغيرك من الشّعراء والأدباء لا بدّ أن تكون لديكِ بدايات على درب الأدب والكلمة الجميلة الوضيئة متى وأين كانت أوّل تجربة شعريّة أو أدبيّة؟
ج1_
صباحكم عاطر كفوح أريج الرّيحان على التّلال والرّبى.
أستاذتنا الرائعة تحيّة تقدير واحترام لشخصك الرّاقي الجميل معك يحلو الكلام ويطيب الأدب .
بالعودة إلى السّؤال الأوّل فمنذ نعومة الظّفر نمت في خاطري بذور شغف للّغة العربيّة، اللّغة الأمّ لغة الضّاد والقرآن الكريم حيث شربتُ هواها من على مقاعد المدرسة الإبتدائية الخاصّة التي تُعنى باللّغة العربيّة كمادّة تعليم أساسيّة إذ لمع يراعي في التّعبير الإنشائي تنتدبني المدرسة للمشاركة في مسابقات عامة يشارك فيها تلامذة من المدارس كافّة لمناسبات عيدي الأمّ والطّفل ومناسبة ذكرى الإستقلال وسواها فكنت أحظى بدرجة تميّز ترفع إسم مدرستي عاليًا
ومن تحفيز ودعم والدي رحمه الله تعالى يربّتُ على كتفي يحثّني على المطالعة وتوفير القصص التي تصقل موهبتي
لكن ما قيّد طموحي وحال دون مواظبة جهودي الكتابيّة المحن والحروب التي تتالت على بلدنا الحبيب لتضيّع في كلّ مرّة ما نثر قلمي على قصاصات وكراريس كنت أحفظها في درجي الخاصّ. ودائما كنت أبدأ من جديد يعزوني الأمل يتعثّر لكنّه لا يموت رغم النزوح الدائم واللاعودة حيث كنّا.كانت الأزمات تلتهم كتاباتي المتواضعة فتطفئ جذوة موهبة صارخة.
ولا أخفيكم ذكرًا مدى تأثري في مرحلة الدراسات العليا بالأديب القاصّ والرّوائي توفيق يوسف عوّاد وقد دأبت على قراءة كتبه ومؤلّفاته أستفيض من بيانه وبديعه أشبع فكري بأسلوبه الأخّاذ حيث كانت رسالتي الماجستير تحت عنوان: نافذة على المنحيين الثقافي والإجتماعي في رواية طواحين بيروت لتوفيق عوّاد. فتخمّرت ذاكرتي بحصاد عمره ورحت بعدها أكتب بنهم إضافة كوني مدرِّسة للغة العربيّة أعشق المادة بآدابها وفنونها مدركة أنّه لا أحد يستطيع إخماد طوفان المداد في جسد اليراع ومازالت كتاباتي رهن خلوتها رهينة دُرْجٍ مقفل جرّاء ضياع ودائعنا وجنى العمر لقمة سائغة في فم الفساد جعلها حجر عثرة في طريق الطباعة الحلم .
أمّا فيما يخصّ أوّل تجربة لي في الكتابة فكانت في سنّ العاشرة فأنا من قرية في جنوب لبنان تدعى الريحان تشتهر بزراعة التين والعتب والزيتون وهي معلم سياحي هامّ
كنّا نقصدها لقضاء عطلة الصّيف كانت لي حينها هذه الخربشات لتبقى رهن الذّاكرة :

تسلّقت جبال الريحان
أعطّر أنفي
بطيب البيلسان
ملتُ إلى اليمين
قطفتُ سلّة تين
ربّاه. ما هذا الجمال ؟
هنا جداول رقراقة
هناك عصافير زقزاقة
وفي البال تمنّي
بليال ملاح
في الصيف والشتاء
ما أبهى المساء
والشمس تغيب
والصبح
والديك يصيح
كيكي. ….كيكي

جميلة مزرعاني

س2 يرى بعض النّقّاد أنّ الشّاعر أو الأديب إذا أضاف إلى شاعريته وأدبه روح الفلسفة وحكمتها يكون أقرب إلى تصوير خلجات النفس البشريّة والتعبير عن أحاسيسها بدقّة .. فكيف تجدين إضافة الفلسفة على الشعر ومظاهر تأثيرها فيه وفي نفس المتلقّي؟

ج _2
بما أنّ الأدب هو أحد أشكال التعبير الإنساني عن عواطف الإنسان وأفكاره وخواطره وهواجسه عبر الكلمة وهي أداته وجوهره ونبضه تحت لواء الفن وبما أن الفلسفة هي دراسة طبيعة الواقع والوجود عن طريق المنطق والعقل ضمن بحث وبيّنة فكانت عند الإغريق تعرف ب (فيلوسوفيا) أي حبّ الحكمة التي تشغل الفكر الإنساني في تطلّعاته مع هذا التباين نجد الرابط المشترك الوثيق بين الفلسفة والشعر ألا وهي اللغة فما تتوصّل إليه الفلسفة يجسّده الأدب وكان فيما مضى متلاحما حتى بدأ أفلاطون بفك أواصر التلاحم الحميمي على اعتبار أن الشعر يشتغل بالعاطفة بينما الفلسفة اشتغال بالمعرفة بحثًا عن الحقيقة والشعر يبعد عن الحقيقة مع ذلك ظلّ الكثير من الشعراء يقحمون الفلسفة بالشعر ظنّا منهم أن التعبير أرقى .
برأيي أن الشعر النابع من إحساس يتدفّق من خلجات وعاطفة صادقة لا يحتاج إلى فلسفة فهو نابع من نقاء وإلهام في أكثر الأحيان تأتي الصور بديعة كما لمعت في الخاطرة ومحاولة فلسفتها قد يفقدها من دلالاتها الجمالية فكلّما كانت نابعة من عفوية الخاطر كما نطق بها الإلهام تكون أعذب وأصدق وأكثر تقبّلا عند متلقّيها فهي كندى الزهر في الفجر الوضّاء وإلّا كمن يطرّز لوحة بخيط مصّيص .

س _3

هناك من يتساءل أين يمضي الإبداع الأدبي في ظلّ التّسارع المادي للحياة ؟

ج _3
لا شكّ أنّ الصراع قائم منذ زمن بعيد بين الإبداع الأدبي والتّسارع المادي حيت تطغى المادة على مؤثرات الحياة في ظلّ التكنولوجيا المهيمنة على واقع الحال فتحول بين جوهر الإبداع والحدّ من ارتقائه إضافة إلى عدم وجود قارئ عربي يسهم في مباركة الإبداع..لكن ما زال هناك دائرة قائمة بحدّ ذاتها .مملكة خاصّة لعشّاق الأدب يترصّدون كل جديد يغوصون في رحاب الكلمة يطّلعون على كل مصدور أو إصدار جديد قراءة وتحليلا ونقدا واستنتاجا فلا أحد يستطيع أن يوقف دورة الأدب أو يلغي الإبداع الأدبي وهو رهن المتعطّشين للمعرفة ما زالت حتى اليوم مؤلفات الأدباء تتصدّر المكتبات العامة ودور النشر كأدب جبران وميخائيل نعيمة والياس أبي شبكة وسواهم الكثيرين الذين زيّنوا العقول بجوهر الإبداع.

س_4
حفلات إشهار الكتب أصبحت موضة العصر ما رأيك بهذه الظّاهرة ؟
ج_ 4

حقيقة ما نشهده هذه الأيام من مهرجانات إستعراضيّّة على مدار السنة تعرض الكتب في معارض مؤقّتة أو دائمة ظاهرة واجب التّوقّف عندها والملفت أنّ العرض أكثر من الطلب ربّما ليعود لتيسير أمر الطباعة وتزايد دور النشر وهناك الكثير من يزعم أنه كاتب فيلجأ لاقتناص صفحات من مراجع ومصادر يطبعها ويضع إسمه كمؤلّف وهي ظاهرة تسود الوسط الأدبي .وهناك من يشتري الكتاب خجلا من صاحبه أو دعما له فيركنه على الرف دون القراءة والتّقييم.حيث تشهد المعارض حركة ناشطة تواقيع كتب تقديم هدايا بيع شراء هذا في الظاهر لكن جوهر الموضوع لا يوجد قارئ عربي والأكثر شراء هي كتب الأحلام وكتب الأبراج والقصص العاطفية أما الكتب الأدبية القيّمة فهي خاصّة أصحاب الشأن المهتمّين بالإبداع الأدبي والباقيات أسيرة الرفوف والغبار .يعني باختصارحفلات إشهار الكتب حركة بلا بركة. كما يقال. لذا تعني الطبقة المثقّفة فقط .

خالص شكري وتقديري للقائمين على مجلّة الضّوء
وألف شكر أستاذة فاطمة عبد الله الموقّرة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع