جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة(ثانياً)

220

جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة

ثانياً : لغة المرآيا والنصّ الفسيفسائي

1 – عصفور سومري…يعشعش في رحم احلامي.. بقلم : رحمة عناب – فلسطين

بقلم : كريم عبدالله – بغداد – 7 /2/ 2019 .

يقول ( هيجل ) : الشعر هو الفن المطلق للعقل, الذي أصبح حرّاً في طبيعته , والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادةالحسيّة الخارجية , ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطنيللافكار والمشاعر .

مما لاشكّ فيه انّ الموهبة قد تموت وتنتهيبالتدريج اذا لم يستطيع الشاعر تطويرها واستثمارها أقصى إستثمار عن طريق الاطلاععلى تجارب الاخرين والاستفادة منها والاتكاء على المخزون المعرفي لديه , وتسخير الخيال الخصب في انتاج وكتابة كتاباتمتميّزة ومتفرّدة تحمل بصمته الخاصة التي عن طريقها يُعرف ويُستدلّ بها على إبداعه, وقد تموت ايضا اذا لم تجد التربة الصالحة والمناخ الملائم لأنضاجها , وقد تنتهيحينما لمْ تجد مَنْ يحنو على بذورها التي تبذرها ويعتني بها ويُسقيها من الينابيعالصافية والنقيّة , فلابدّ من التواصل والتلاقح مع تجارب الاخرين الناجحة والعملعلى صقل هذه الموهبة وتطويرها والاهتمام بها وتشجيعها والوقوف الى جانبها قبل أنتُجهض . نحن سعداء جدا في مؤسسة تجديد الادبية ان نستنشق الان ملامح إبداع جميلوحضور مشرق من خلال دعمنا المستمر للمواهب الصادقة والناجحة في هذا الموقع , فلقداصبح لدينا الان مجموعة رائعة جدا من الشعراء والشواعر الذين يجيدون كاتبة القصيدةالسرديّة التعبيريّة , ونحن لم ندّخر اي جهد في مساعدة الجميع عن طريق الدراساتالنقديّة والنشر والتوثيق المستمر في المواقع الالكترونية الرصينة وفي بعض الصحفالورقيّة , وابداء الملاحظات من أجل تطوير وإنضاج هذه الاقلام الواعدة , نحن علىثقّة سيأتي اليوم الذي يشار الى كتابات هؤلاء والاشادة بها والى القيمة الفنيةفيها ومستوى الابداع والتميّز وما تحمله من رساليّة فنيّة وجماهيريّة .

فلم تعد قوالب الشعر الجاهزة ترضي غرور شعراءالسرد التعبيري لذا حاولوا ونجحوا في الانفلات من هذه القوالب ومن هيمنتها ولوبشكل محدود ( في الوقت الحاضر ) , وتجلّ هذا من خلال طرق كتابة النصّ والموضوعاتالتي يتطرق اليها , وترسخت فكرة التجديد لديهم وخطّوا لهم طريقا مغايرا فيكتاباتهم , وصاروا يواصلون الكتابة وياخذون منحا اخر لهم بعيدا عما هو سائد الان فيكتابة قصيدة النثر , صارت القصيدة أكثر حرّية وانفتاحا على التجارب العالمية, لقد منحت السرديّة التعبيريّة لكتّابهاالحرية والواسعة والفضاء النقيّ الشاسع والأنطلاق نحو المستقبل خاصة حينما يكونالتعبير أكثر شبابا وصدقا عن المشاعر الحقيقية المنبعثة من القلب الصافي كالينبوعالعذب , فلقد أحسّ الشاعر بمهمتة الصعبة في الكتابة بهذا الشكل الجديد والمختلفوالذي نؤمن به وبقوّة , فنحن نؤمن وعلى يقين بانّ القصيدة السردية التعبيريّة هيقصيدة المستقبل لقدرتها على الصمودوالتطوّر المستمر نتيجة التجربة الطويلة والتراكم الابداعي , بروعة ما تقدّمهوتطرحه على الساحة الشعرية , نعم أحسّ الشاعر بالانتماء والاخلاص لهذا اللونالادبي الجديد والذي نطمح في قادم الايام ان يكون جنسا أدبيا متميّزا , لهذااستطاع الشاعر ان يطوّع المفردة رغم قسوتها وعنادها وإعادة تشكيلها وتفجير كلطاقاتها المخبوءة , وأن يفجّر من صلابتها الينابيع والانهار وإستنطاقها نتيجة مايمتلكه من خيال جامح ابداعي وعاطفة صادقة جيّاشة وإلهام نقيّ وقاموس مفرداتي يعجّباللغة الجديدة .

سنتحدث اليوم عن صوت المرأة الشاعرة فيالسرديّة التعبيرية ونختار بعض القصائد كي نشير الى مستوى الابداع وكميّة الشعريةفيها , ونستنشق عبير هذه القصائد النموذجية .

انّ حضور الصوت النسائي في السرديّةالتعبيرية له تاريخه المشرق وحضوره البهيّ , فمنذ تاسيس موقع ( السرد التعبيريّ )كان حضور المرأة الشاعرة متميّزا ينثر عطر الجمال ويضيف ألقاً وعذوبة في هذاالموقع الفريد والمتميّز, وقدّمت قصائد رائعة جدا تناولها الدكتور انور غنيالموسوي بالقراءات الكثيرة والاشادة بها دائما , وتوالت فيما بعد الاضاءاتوالقراءة النقدية لهذه التجارب المتميّزة من قبل بعض النقاد ومن بعض شعراءها .فاصبحت هذه القصائد نوعية مليئة بالابداع الحقيقي وبروعة ما تطرحه من أفكار ورؤىومفعمة بالحياة وروح السرديّة التعبيريّة وخطّتْ لها طريقاً تهتدي به الاخريات ممنعشقن السرد التعبيري وحافظن على هيبته وشكله وروحه والدفاع عنه . لقد أضافتالشاعرة الى جمالية السرديّة التعبيريّة جمالا آخر وزخما حضورياً وبعثت روحالتنافس وحرّكت عجلة الابداع فكانت بحق آيقونة رائعة . القصائد التي كتبتها المرأةفي السرد التعبيري كانت معبّرة بصدق عن اللواعج والالام والفرح والشقاء والحرمانوالسعادة , بثّت فيها شجونها وخلجات ما انتاب فؤادها , ولقد أزاحت عن كاهلها ثقل الهموموسطوة اللوعة , ولقد جسّدت في قصائدها آلامها ومعاناتها في بناء جملي متدفق , منحتالمتلقي دهشة عظيمة وروّت ذائقته وحرّكت الاحساس لديه . كانت وستظلّ زاخرةبالمشاعر والاحاسيس العذبة ومتوهّجة بفيض من الحنان , نتيجة الى طبيعتهاالفسيولوجية والسايكولوجية كونها شديدة التأثر وتمتاز برقّة روحها فانعكس هذا علىمفرداتها وعلى الجو العام لقصائدها , فصارت المفردة تمتلك شخصية ورقّة وعذوبةوممتلئة بالخيال وبجرسها الهامس وتأثيرها في نفس المتلقي , فكانت هذه القصائدتمتاز بالصفاء والعمق والرمزية المحببة والخيال الخصب والمجازات ومبتعدة جدا عنالمباشرة والسطحية , كانت عبارة عن تشظّي وتفجير واستنهاض ما في اللغة من سطوة ,كل هذا استخدمته بطريقة تدعو للوقوف عندها والتأمل واعادة قراءتها لأكثر من مرّةلتعبر عن واقعها المأزوم وعن همومها وهموم النساء في كل مكان . فرغم مشاغلها الحياتيةوالتزاماتها الكثيرة استطاعت الشاعرة ان تخطّ لها طريقا واضحا وتتحدّى كل الصعابوترسم لها هويّة واضحة الملامح , فلقد بذرت بذورها في ارض السرد التعبيري ونضجتهذه البذور حتى اصبحت شجرة مثمرة . لقد وجدنا في النصوص المنتخبة طغيان النَفَسالانثوي واحتلاله مساحة واسعة فيها معطّرة برائحتها العبقة واللمسات الحانيةوالصدق والنشوة , فكانت ممتعة جدا وجعلت من المتلقي يقف عندها طويلا منتشيا ,وحققت المصالحة ما بين الشاعرة والمتلقي وهذا ما تهدف اليه الكتابة الابداعية .

لغة المرآيا والنصّ الفسيفسائي

لقد امتازت اغلب كتابات مجموعة السرديةالتعبيرية بسحر اللغة وأناقة الإيحاء , وفي نصّ الشاعرة : رحمة عناب – عصفور سومري…يعشعش في رحم احلامي , يتجلّى هذا السحر اللغوي من خلال اللغة المركّزة والمسبوكة بعنايةفائقة , وكأنّ الشاعرة تعمل في مختبر لغويّ كما يعمل الكيميائي في مختبره , فهيتختار المفردة المؤثرة وتغمسها في بحر من النور وتزرعها بعناية في مكانها المناسبداخل النصّ , تتعامل مع اللغة كما يتعامل النحّات مع قطع الأحجار الصمّاء , تحنوعليها وتعيد تشكيلها من جديد بطريقة أخرى لتبعث فيها الحياة وتجعلها تتفجّر كلّطاقاتها المخبوءة , وتجعل المفردات تتآصر فيما بينها دون ترهّل لتصنع منها نسيجاًمترابطا بدون أي نفايات لغوية او زوائد تسيء الى نسيجها الشعري الذي يكون زاخراًبالإيحاء , فنجد الإيحاءات تنبعث من خلال طاقات اللغة الحسيّة , أي ان هناكإنبعاثات وإشعاعات تنطلق من خلال الإيقاع والنغم ومن المعاني والدلالات التي توحيبها هذه اللغة , فيزيد هذا الإيحاء من قوة المفردة ونضارتها , فنحسّ بشيء يشبهالرعشة ينبع من هذه اللغة ويطغى عليها . هذا ما وفّرته القصيدة السردية التعبيريةلكتّابها , الفضاء الشاسع والحرية في استخدام اللغة وتفجير طاقاتها والإيحاءالشديد وعملية نقل المشاعر العميقة والزخم العاطفي والسرد الممانع للسرد , فنحنحينما نقرأ نصّا سردياً ينتابنا شعور باننا نقرأ حكاية , لكن فجأة نجد اللغة تنحرفانحرافا عظيما وغريبا من معناها الواقعي عن طريق الإنزياحات وتشظّي اللغة ووقعنتها– اللغة – عن طريق الخيال الخصب كما في هذا النصّ النموذجي , بينما الكتابةبالتعبيرية تعني لنا بأنّ ينطلق كل شيء في النصّ من داخل الشاعرة وخلجاتها البعيدةوتصوراتها والتحدّث بعمق وفردية طاغية . وهذا كلّه يمثّل روح السرد التعبيريوجماليتها الأبداعية .

انّ اللغة التي كُتب بها هذا النصّ هي لغة المرآيا والنصّ الفسيفسائيوهي احدى مظاهر السردية التعبيرية , انّ المتعارف عليه في اللغة لكل نقطة معنويةتعبيرا لفظيا واحدا الذي يعبّر عنها , لكن ماتفعله لغة المرآيا هو الانطلاق منمعنى واحد وبوحدات لفظية متعددة , وبمعنى آخر يعني وحدة المعنى وتعدد الالفاظ ,فيكون لدينا تناصات متكررة , أي تناص بين وحدات النصّ نفسه وليس تناص مع نصوص أخرى. ان تناول الفكرة والاشتغال عليها عن طريق تراكيب لفظيّة مختلفة يمكّننا من النظرالى النصّ من زوايا مختلفة , وهذا يعني بأنّ هذا لنصّ متعدد الزوايا , وفيما نظرناالى هذه التركيب اللغوية فيما بينها سنراها تراكيب فسيفسائية , أي انّ كل تركيبفيه يكون بشكل مرآة , فيمكننا حينها انّ نصف هذه اللغة بلغة المرآيا بينما نستطيعان نصف النصّ بالفسيفسائي .

انّ لغة المرايا والنصّ الفسيفسائي تحقق لنا تجلّي كبير للفكرةوالمعنى وترسّخ هذا المعنى لدى المتلقي هذا من جهة , ومن جهة أخرى انّ تعدد صورالفكرة داخل النسيج الشعري يحقق لنا الحركة فيه .

انّ نصّ / عصفور سومري…يعشعش في رحم احلامي / يتكون من ثلاث فقرات نصّية كل فقرة كُتبت ببناء جملي متواصل ولغةمكثّفة وببوح توصيلي شديد مصحوبا بهذا الكمّ من العاطفة .

المقطع الأول : / شفتاك حبتا رطب جنيتان كلما اهز جذعالامنيات تساقط في حضن احلامي جنينا سومرياً ينبجس معجزة تتوحد في رحم التّولهيليّنها صوتك حنانا يتدفق لؤلؤا يورق طيبا بنخيلك الباسق مذهولا أستجير دفء فؤادكاتناثر عصافيرا تغازل سعف صدرك تعشش أرشق الخجل بمجامير الفرح ابعثر اشلاءه افتحبكارته لأحلق على اجنحة أثيرك المتوقّد فتختمر نجومي هذيانا اذ ما عانقت تائقةبريق عينيك ../ . ويمتاز بوحدات تركيبية فقراتية في تعبير واحد , حاولت الشاعرة أنترسم لنا ملامح الذات الأخرى بدقّة وبشكل تعبيري غير معهود وبشخوص نصّية ملوّنةومتعددة تشترك جميعها في مهمة واحدة وهي الوصف ورسم ملامح هذه الذات الأخرى ../ شفتاك حبتا رطب / جذع الامنيات / حضن احلامي / جنينا سومرياً / معجزة / رحم التّوله / صوتك / لؤلؤا / طيبا / بنخيلك الباسق / فؤادك / عصافيرا / سعف صدرك / الخجل / الفرح / بكارته / اجنحة أثيرك / نجومي / بريق عينيك / . فنجد هنا كلّ هذه الشخوص النصّية تتحرّك داخل هذه الفقرة الواحدة, مما تبعث فيها هذا الزخم الشعوري والحركي والتجلّي . أما الفقرة الثانية ../ يااااا لمدااااارتك!!!!تهيم معها نواقيسي تصافح انهيال طراوة عطركفي فضاءاتي هاطلةً وشوشاتك تملأ مسامعي فيا حبذا لو تتكوم سحاباتك شبقا تظلل شموسي . / .فمهمتها كانت التعجب والأمل والطلب والأنتظار ../ يااااا لمدااااارتك!!!! ../ تهيم معها نواقيسي تصافح انهيال طراوة عطرك في فضاءاتي هاطلةً وشوشاتكتملأ مسامعي ../ فيا حبذا لو تتكوم سحاباتك شبقا تظلل شموسي ./ . بينما الفقرة الثالثة ../ كم تابعت شهقاتك تعزف انهاري اغنية على كلالسواقي زاهيةً تغسل أوهام العزلة بسلسبيل اللهفة فأتهادى عذابا منعّما على سدرةلا تنتهي فهلّا أدخلتني فردوسك حافية النعليْن؟!! ../ . فمهمتها كانت اللقاء والمتابعة عن طريق الحلم والأستمتاع به حدّالتولّه والتماهي مع الذات الأخرى والرجاء بتحقيق هذا الحلم الجميل ../ كم تابعت شهقاتك تعزف انهاري اغنية على كلالسواقي .. / زاهيةً تغسل أوهام العزلة بسلسبيل اللهفة .. / عذابا منعّما على سدرة لا تنتهي .. / فهلّا أدخلتني فردوسك حافية النعليْن؟!! ../ .

نرى هنا جميع هذه الفقرات والشخوص النصيّة المتعددة تنطلق من فكرةواحدة وهي / العصفور السومريّ / وتحاول ان تصور لنا كيف استطاع ان يعشش في رحمأحلام الشاعرة . وهنا لابدّ من الأشادة بإستخدام الأسطورة واستحضارها من عمقالتاريخ البعيد وإضفاء هذا السحر الذي بعث توهّجا اضافيا وحركية اخرى وبُعداًورؤية متجددة للنصّ , هنا جميع ما في النصّ يتجه إتجاها واحدا نحو هذا العصفور فيمحاولة لتجلّي الفكرة وترسيخها . يحق لنا أن نفتخر جميعا بمشروع شعري سيكون لهمكانة مرموقة في تاريخ السردية التعبيرية , استطاعت الشاعرة : رحمة عناب ان تصنعلنا نصّا زاخرا بالجمال استطاع هزّ مشاعرنا العميقة وجعلتنا نعيش داخل أجواءنسيجها الشعري الرقيق .. فشكراً لصنّاع الجمال في زمن القبح .

النصّ :

عصفور سومري…يعشعش في رحم احلامي .. بقلم : رحمة عناب – فلسطين

شفتاك حبتا رطب جنيتان كلما اهز جذع الامنيات تساقط في حضن احلاميجنينا سومرياً ينبجس معجزة تتوحد في رحم التّوله يليّنها صوتك حنانا يتدفق لؤلؤايورق طيبا بنخيلك الباسق مذهولا أستجير دفء فؤادك اتناثر عصافيرا تغازل سعف صدركتعشش أرشق الخجل بمجامير الفرح ابعثر اشلاءه افتح بكارته لأحلق على اجنحة أثيركالمتوقّد فتختمر نجومي هذيانا اذ ما عانقت تائقة بريق عينيك.يااااا لمدااااارتك!!!!تهيم معها نواقيسي تصافح انهيال طراوة عطرك فيفضاءاتي هاطلةً وشوشاتك تملأ مسامعي فيا حبذا لو تتكوم سحاباتك شبقا تظلل شموسي.كم تابعت شهقاتك تعزف انهاري اغنية على كلالسواقي زاهيةً تغسل أوهام العزلة بسلسبيل اللهفة فأتهادى عذابا منعّما على سدرةلا تنتهي فهلّا أدخلتني فردوسك حافية النعليْن؟!!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

آخر المواضيع