جدلية : حرية التعبير

17

حسن خالد/

قبل المفكر كارل ماركس بكثير والذي قال ( الدين أفيون الشعوب… ) ومنهم من
يلحق بها ( إذا استُغل) يُنسب إلى إبن رشد قوله ( التجارة بالأديان هي التجارة
الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل ).وكان المجتمع خليطا دينيا آنذاك.
ولم يزل الصراع بين أصحاب “العقل والنقل” محتدما ومنذ الأزل ، ويبدو بأنه
سيستمر ، وتأخذ طريقة الإنتقام أشكال شتى كالحرق والنحر والموت بالمقصلة ،
وأتذكر أن إعدام صدام حسين شنقا في عيد الأضحى كإضحية العيد جلبت تعاطفا معه
حتى من الذين عادوه ، ونحر المرأة بالسكين في حادثة كنيسة مدينة نيس الفرنسية
في يوم مولد النبي محمد ( ص)
تضع التفكير في حالة نفير ، لما اللجوء إلى هذه الطريقة البربرية في رفض مواقف
وسلوكيات بدرت من الآخر؟
فمحاكم التفتيش التي سيطرت على مجمل مفاصل حياة البشر في “أروبا الظلمات”
وأزمة الحلاج وابن رشد والمعري والاتهام “المعلّب” بالزندقة والإلحاد والخروج
من تعاليم المؤسسة “الدينية” في ” العصر الذهبي للدولة الإسلامية ” كانت دوما
الكرت الأحمر الذي يُشهر في وجوه من يخترق “محاولا ” تعاليم ومفاهيم “المؤسسة
الدينية” والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالسلطة السياسية متحالفة معها في غالب
الأحيان.
وأعتقد أن فهما صحيحا ومنطقيا لهذا الظاهرة يتطلب فهما صحيحا لمدى تدخل
السياسة في “تعاليم الدين” كمفهوم لدى الجميع ، وتجيير ذلك التحالف لصالح
مآرب سلطوية دنيوية واللجوء للمقارنات والمقاربات مفتاح للتفكير السليم في فهم
ما جرى في جغرافية أوروبا والجغرافيا الإسلامية
وإنّ الضجة التي أثيرت حول ما بعد أحداث “نحر” أستاذ التاريخ الفرنسي ، صموئيل
باتي بعد حادثة تناوله ل كاريكاتور لمجلة ” شارلي أيبدو” حول “حرية الفكر
والتعبير” “القديمة نسبيا” وردّة فعل “الناحر” الروسي من الأصول الشيشانية
وقيامه بنحر الأستاذ ، والمواقف التي ظهرت وانعكست على العلاقة بين تركيا
ووراءها بعض ” المسلمين” الرافضين لعرض الكاريكاتور وفرنسا ووراءها البعض
المتبقي من المسلمين الذين رفضوا القتل وطريقته الوحشية ، يعيد إلى الأذهان
قضية حساسية أزمة المخرج يوسف شاهين و منع فلمه (المهاجر) وكتاب سلمان رشدي
آيات شيطانية والضجة التي رافقته و فتوى إهدار دمه ، وقضية تناول شخصيات تعتبر
في الميراث التاريخي العالمي ، شخصيات مقدسة و تاريخية في المجال الدرامي
والفني ؟
فعندما أراد المخرج السينمائي السوري/ الأمريكي “مصطفى العقاد ” تسليط الضوء
على شخصية نبي الإسلام محمد وتجسيده في فلم “محمد رسول الله” عام 1976 ولأنه
وقع في معضلة عدم جواز إظهار البطل في الفلم لأن ظهور النبي محمد في الفلم لا
يجوز بأي شكل من الأشكال من وجهة نظر علماء المسلمين “السنة” ، مما إضطر
المخرج لتغير اسم الفلم إلى “الرسالة” ويقال إن لجنة من مؤسسة الأزهر شُكلت
لمراجعة النص صفحة صفحة لتمنحه الموافقة بعد تنقيح وتصحيح؟!!
وإضطر المخرج لتغيير ميدان التصوير أيضا من المغرب إلى ليبيا لاستكمال التصوير
، لوجود اعتراضات من السلطات الدينية السعودية وضغوطاتها على السلطة الدينية
المغربية والتي ضغطت بدورها على المخرج وحجتهم هذه المرة بأنه لا يجوز تجسيد
شخصيات الصحابة وإظهارها على الشاشة أمام المشاهد مما إضطر المخرج لقبول عرض
الزعيم الليبي آنذاك ” معمر القذافي” والذي كان يجاهر بعداوته للأنظمة
الملكية ، وهو الذي قاد انقلابا على الملك الليبي وإنهاء الحكم الملكي وإعلان
الجماهيرية . وبالمناسبة فلم الرسالة موجودة بنسختها الانكليزية أيضا …
فقد رضخ العقاد أو ساير قناعات المسلمين واحترم خصوصية مقدساتهم وكانت هوليود
وراءه ويستطيع بكل بساطة أن ينجز عمله “حلمه” دون تنازلات
وتناولت إيران شخصية “النبي يوسف الصدّيق” في مسلسل تلفزيوني ولاقى متابعة
كبيرة لدى الجمهور ، ويظهر فيه شخصية النبي يوسف منذ الصغر من خلال تجسيد أحد
الممثلين لشخصيته وبإتقان ، وبتفاصيلها المعروفة في “سورة يوسف” القرآنية .
وقبلها انتجت إيران مسلسل “عيسى المسيح” في مسلسل تلفزيوني أيضا دون اعتراضات
كالتي ظهرت لدى المسلمين في كاريكاتور “مجلة شارلي ايبدو” .
هنا السؤال : لطالما أن فكرة “المقدًس” واحدة في نظر معتنقي معتقد ما ، فلما
يشعر المتابع بأن هناك تباين في الإيمان والاعتقاد بجزئيات معينة على حساب
جزئيات أخرى مهمشة ضمن المنظومة الإيمانية الاعتقادية الواحدة ، ومن أركان
الإسلام ( الإيمان بملائكته وكتبه ورسله )
ما هي مضمون الرسالة التي سيفهمها الغرب فيما يتعلق بطريقة القتل (الذبح)
بسكين!!
هل يحتاج “النص” إلى تأويل ومن المخول ليقوم بذلك؟!
ألا يجلب التطرف تطرفا وفق معادلة كل فعل يقابله ردّة فعل في المدة والشدّة؟
على أقل تقدير ليكن قانون / العين بالعين/ ممكناً ، إن كانت قاعدة (العفو عند
المقدرة ) مستحيلة !!
هي دعوة للإجابة على استفسارات تثيرها مواقف وسلوكيات تريق دماءا و تحصد
ارواحا !!
وليست دعوة لحفلة شتائم وتخوين وتكفير بحق من لا يتوافق مع الرؤى والرأي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع