جثث الأحلام المحترقة(قصة)

17

قصة : ريبر هبون/
بينما كان زنار يتسوق في ماركيت الغوطة الكائن في الحي الذي يقيم فيه بألمانيا، وجد على الرفوف الأولى زيوت زيتون مكتوب عليها من جبال عفرين والباسوطة، زيوت يتم جنيها من محاصيل السكان بسعر زهيد يجبرون على بيعها لقادة ومشرفي الفصائل ليتم تصديرها عبر معامل في تركيا إلى ألمانيا ودول أوروبية أخرى،لتصل إلى محلات الذين يستوردون المواد الغذائية الآسيوية القادمة من تركيا ،لفت سمعه أحد العمال في ماركيت الغوطة يستمع لتوجيهات مدير الماركيت المسمى أبو عدي المتعلقة بالأسعار غير المقيدة على المواد الغذائية، فالمحال الغذائية العربية لا توضع على بضائعها الأسعار كي يتم ممارسة التلاعب المحبب كثقافة شرق أوسطية مقدسة ، بخلاف المحال الألمانية التي تقيد فيها الأسعار مهما كان حجمها ، حركة الناس متسارعة وأروقة المحل مكتظة بالزبائن،عاملة أدلبية تفرش سجادة صلاتها خلف الممر قبالة رفوف التوابل ، خليط من المشاعر حاصر زنار، أيضاً كان ثمة عامل من درباسية يعمل هناك الزبائن متعددوا المشارب ، انها سخرية القدر أن يكون عمال المحل تجسيداً عن الإئتلاف والمجلس الكوردي المنضوي تحت فيئه، همت سيدة مسنة بشراء قنينة زيت زيتون عفرين وكرتونة صابون غار اسمها من جبال عفرين ،كانت تحدث حفيدها الذي يرافقها ، شعرت انها تقتني الذل الذي لمع في عينيها كبرق أرعن، الآلام تتوافد من كل صوب وحدب، تآمر شرس على حبات الزيتون ، من المؤلم أن يشتري الإنسان دمعه وعرقه من سارقه ومغتصبه بمباركة المصدر والمستورد،هكذا تكتظ المحلات بمختلف البضائع القادمة من بلد القهر ،أو ممن تجلب البضائع السورية والتركية ،شريط من المشاهد تنقل في ذهن زنار وهو عائد إلى بيته، تذكر بدايات مجيئه لألمانيا ،حين وفد العديد من اللاجئين لمخيمات اللجوء ،تذكر أبو بكري الحلبي الذي قدم لألمانيا مع زوجته وصهره وابنه بعد نجاته من مغامرة الموت عبر البلم في البحر عند محاولته دخول أحد الجزر اليونانية ،رجل في الخمسينيات من عمره أشيب الرأس ،لا يكاد رأسه يستقر في كتفيه لشدة تلصصه وتفحصه لسحنات الناس ممن حوله، تتوافد عليه الكاميرات ليروي قصة نجاته مع العائلة من الغرق،صهره القصير البدين دائم اللصوق به، يتمتع بحس تلصصي فضولي هو الآخر،يملك كرشاً يبعث على الذهول ،يحكه كلما وقف قبالة أصدقاءه،اذ دأب على هذه العادة منذ قدومه لألمانيا، لمجرد أن تأتي المساعدات والهبات من جمعية تعنى بحماية اللاجئين ، حتى يسارعوا في التقاط الحاجيات مهما كانت جديدة أم قديمة ،وان أقامت جهة خيرية بوليمة غداء، سواء حزب اليسار التركي أو الاتحاد الاسلامي التركي حتى جمعية تونس الخيرية حتى يكونوا أول الواقفين على طابور الطعام والمساعدات لانتهاز الفرصة في جمع ما تيسر من حاجيات مقدمة ،ليزاحموا سواهم من لاجئين آخرين بحاجة للكساء والمساعدات، ذات يوم نشب خلاف حاد بين أبو بكري وصهره وصديقه بينما كانوا واقفين قرب بوفيه مسجد تابع للاتحاد الاسلامي التركي بالقرب من مكان المخيم
لماذا لم تخبرني أنهم يوزعون لحم بعجين ،وذهبت لوحدك –
لم أرك لأخبرك ،ونسيت البحث عنك-
أنا صهرك يازلمة ،يلعن هالحالة معك –
البعض تمكن من أخذ كرتونات لحم بعجين إضافية مع حلوى ولبن عيران واضطر المتأخرون للشراء من بوفيه المسجد ،ودب البغض بين جموع المهاجرين الواقفين في مسجد الأنصار حسب تعبير عماد القادم من ريف الباب الذي سيطرت عليه حينذاك تنظيم داعش والتي حلقت ذقونها لتنضم لفصائل المعارضة كما فعلت أخوتها في كل من جرابلس وأعزاز ، المتأخر عن الوليمة أخذ يزدري الآخذ حاجته من الطعام والحاجيات ذلك أكد لزنار مدى قوة الجوع في استملاك العقول والبطون والغرائز ،هم من بقايا السوريين الذين يفعلون كل شيء لأجل بطونهم وجيبوبهم ،يقتلون ويرتزقون ويفعل اي شيء يطلب منهم ان في عفرين عبر سرقة الزيوت والدجاج ومحاصيل الزيتون ،حيث ولأجل راتب 800 دولار ذهبوا خفافاً وثقالاً باتجاه عفرين وسرى كانيه و كرى سبي، أو عبر الطائرة جنوباً إلى ليبيا أو شرقاً إلى أرمينيا لإسقاط بشار الأسد، طامة حلت بجموع الجوعى ، ذلك المخيم البلاستيكي الأشبه بالبيوت البلاستيكية جمع خليطاً من شعوب فارة من رقعها وأنظمتها ، تفوح منها روائح القهر والعجز
أبو بكري شبع رقصاً مع أم النور المرأة المطلقة البصراوية على وقع أغنية تركية في صالة احتفال نظمها اليسار التركي ، في الآن ذاته شجار قرب طاولة الغداء بين أم النور وتلك السيدة الموصلية فيما يخص عوائد الشيعة والسنة وزواج المتعة والمسيار ، وأنباء عن سرقة بعض شباب مغاربة لبضع جوالات تركها البعض على الطاولات ليتم شحن بطارياتها حيث جلبهم الشرطة عبر باص للمخيم ليلة أمس أحد الشباب المصري السلفي يجمع حوله مجموعة من المصلين ،يفترشون بضع أقمشة بالية كسجاد على أرض الصالة الوسخ ليلفتو اعين البقية، ويدعونهم للمشاركة في تلك الصلاة الجماعية، على الجانب الآخر ، بضع زمجرات ومشدات كلامية بين بضع رجال وشاب نيجيري، حيث يأسوا من محاولة إقناعه بضرورة الخروج من حمام النساء، حيث اعتقد انه مكان مناسب لحلاقة ذقنه ومن ثم استحمامه ، والطريف أن بعضهم شاهده بأم الأعين يخرج موزة من القمامة نسي أن يكمل أكلها،الأمر
. الذي أثار قرف واشمئزاز الجالسين على طاولة الفطور
لا ينفك زنار عن مساكنة بلده في أحلامه كل ليلة، أو حين يمارس اليوغا ، يشغله واقع يشعله العبث
. ولا يأبه لوجع تحول لأغانٍ لا تتوقف عن إخراج دخان ينبعث من جثث الأحلام المحترقة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع