جارتي

78
جارتي
حسام نور الدين

 

كانت عندنا جارة… ربّي… وأي جارة!

لا تعيش إلا مع حمَامِها الأبيض، وصورة زوجها المُستَشهَد. وَدعتها سنوات زادت عن الخمسين، جمالها أنيق، عيناها تومض ضياءً مريحا… يشكي الجيران أحوالهم، لكنها تحمد، يلعنون وهي تصفح، يصرخون.. فتهمس.
كنت أطل من وراء شباكي قبل الذهاب للمدرسة، أربط (مَرْيَلتي)، وأَتفرَّج عليها، حيث تمد لحَمَامها الحبّ، تُطعم بيَد، وتضع الأخرى في العُش، فتُخرج منه بيضتين، ثم تتأمل الطير وهو ينفض عن جناحيه بَلل الندى، ويطير لأعلى، فأخطف كوب اللبن مسرعاً، أهرول على السلم، حتى آراها تسحب جريدة الصباح، وتداعب شعري الأسود، ثم تدس يدها الطرية في جيبي، لتُودعها – كعادتها- نَعْنَاعـة السُكَّر.
لا زلت أذكر يوم الغارة، تتخبط أقدامنا إلى المخبأ، يئز في سمعنا طلقات المدافع… لن أنسى (تَكْتكْة) الركبتين، وصراخ أختي الرضيعة على كتف أمي، ثم تدور أحاديث الجيران عبر بقعة ضوء تتمايل. أبى يتحاور ثائراً في شؤون السياسة، في حين يتجادل شابان في صحة هدف المباراة الملغى. لَغط وحوارات ترتفع هنا وهناك، أما جارتنا فيبسم ثغرُها، ويَلتَم حولها نسوة البيت، تبدأ كلامها باسم الله، فتمسك طرف الحديث، تغزله بدعاء، وتسرد من معين الحكايات، فتهفو لها الآذان، حتى تدوي الصفارة، فتفتح لنا باب شقتها، تدعونا للدخول، فتعتذر أمي، وتَعِدها بالحضور في يوم قريب، ثم نُكمل صعود السلالم، في حين يقترب أبي من أمي، قائلا: “ما أطيب هذه الجارة”
—————
تنطبع في نفسي زيارتي، لسَكنها أول مرة، فتقابلني بالترحاب، حولها أثاث يُومئ بالسَكينَة..
سألتني:
– هل رأيت حَمَامي الأبيض؟
تقودني لشرفتها، تناولني بضع حبات، فأنثرها داخل العُش، أسرح في منقار حمامة صغيرة، أفرد إصبعي، وأمر به على ريشها، ثم أسألها عدة أسئلة تبدأ بـ (كيف، ولماذا، و….)، فتحني قامتها نحوي، لتهمس لي : ياحبيبي للحَمَام مَعنَى.
رددت في سري (للحمام معنى؟!! )، ولم أفهم.
ثم عبثت يدي الشقية بعقدها الطويل، أُدوّره في الهواء برعونة، فتنط حمرة الخجل في وجهي، فور وقوعه على الأرض، ناديت الأرض أن تبلعني، فلا أطيقُ غضبَ نظرتها، وانتظرت قلقاً ما سوف تفعل، فاقتربت منى، تنظر لعقدها المنفرط ، وتَلم حباتِه صامتة، تعقدها في الخيط، فتفشل، تجرب ثانية، ثم شجعتني، لأعقده معها، في تَمهُّل، فأمضينا وقتاً، حتى اكتمل العقد بحباته، فأسمعها تُناجي ربَها:
– رَبّ اجعل فـــصـوص الصبر زينة نفسي.
أتسلل بعيداً عنها، فأدير زر(تليفزيونها)، وأنتظر الصورة، لكن يأتيني فقط صوتُه، أخبرتني بعُطل في الجهاز منذ فترة، لم أجد شيئا يُسلّيني، فتآلفت مندهشاً مع (تليفزيونها) المُعطّل، أتابع برامجه بأذني، وأتخيل كيف يكون المنظر!
وعندما دقت الساعة المعلقة دقتين، أحسست بالعطش، لم أجدها حولي، لا أسمع خَشْخَشة الأواني في المطبخ، تساءلت عنها بداخلي، وتسحبت على أصابع قدمي، حتى باب حجرتها، فأبصرتها تستلقي فوق بساط الأرض، ترمى يديها في استسلام، ترنو نحو السقف، تطول اللحظات.. كدت أنبهها بوجودي، ولكن لمحت فجأة دموعها تطفر، تزفر معها تنهيدة، فيم تَسْرح.. ولماذا تتألم؟! أأرتمى بجانبها مواسياً، أو أرجع لأمي، فأفشي خبايا أنينها؟ جرجرت ساقي، أكتم أنفاسي المرتبكة، وفتحت الشرفة مرة أخرى، يطيب لي الاتّكاء على جدارها، كي أتشاغل بحركة الطريق، فتزول من عقلي صورتها وهي تَدْمَع، لكن سرعان ما اقتحم سمعي رنين (التليفون) المتواصل، فترفع السماعة، تتكلم، وتحكي، حتى ألقاها تجاهي، بأسارير مُنشرحة، فتفاجئني بالسؤال:
-هل تــحـب عـصـيـر المـشـمـش؟
————-
في الصيف سافرت تزور شقيقتها، وانشغلت أنا في عُطلتي، مع الأصحاب واللعب، لكن طالت غيبتها، يسأل عنها أغلب سكان العمارة، فيُقبل خريف، ترافقه في نفسي وَحْشة، وأطل من شرفتي على العش المقفول، أين يا ترى راح حمامها؟! ولِمَ نَسْت على الحبل منديلها يترنح تحت المَشبك؟! أجهدني عبث السؤال، فأسدل الستارة، على أمل…
وأعود يوماً من مدرستي، تصطف في وجهي أسياخ الحديد ببابها الموصود، وأصعد لشقتي، فتفتح لي أمي وتغمزني، لأنظر وراءها، فيفر قلبي إليها عندما آراها أمامي، أنتشي بحنان ضمتها، تضع قُبْلتها على خدي الناعم، فأردها لها قُبْلتين، وتشرح أمي لها حالي، وقت غيابها، فتزيد لي دفء الضَمّة.
————
تدحرجت الأيام، فنرحل إلى بيت آخر، بيت بعيد عن بيتنا القديم. وصرت – حينها- شاباً يزين وجهي شارب كثيف. صوتي تخشن، تحورت الأحاسيس لأخرى، فألهو مثل غيري، وأُولع ببريق الشهوة، لكن لم ينطفىء بداخلي ضياء جارتنا، فأعاتب أمي:
سبعة أعوام، ولم نبادر بالزيارة؟! –
ثم يزعق احتياجي يوماً، لرؤيتها، فقطعت زحام الطريق، وبُعد المسافة، ثم عبرت الرصيف، يسبقني ظلي. ودخلت من باب العمارة المخلوع، وقفت أمام شقتها، لكن لا أحد يفتح!! هاجت سَكَناتي، ارتجف إصبعي فوق الجرس، لكني أسمع الآن وقع خطوتها يدنو، فتستقبلني بالبسمة، هي كما هي لم تتغير، لم يقدر الزمن على بهاء جواها، تنطق باسمي، كأنها تحتضني، ثم تعتذر لي، بالأهداب المبتلة:
أسفة على التأخير .. كنت أتوضأ. –
أتت لي بالماء والشاي وهي تحكى وتسهب، تخبرني بزواج ابنة أختها، وتُريني شالها الجديد، يتدفق منها الكلامُ سَلساً، تُشعرني بمدى قربي لها، وتختزل في عفوية قطيعة سنوات، بينما يرمق بصري مقلتيها، سائلاً ” هل لازالت تختلي كما كانت، وتبكي؟”
:تتوقف عن الكلام، وتقترب
وأنت ما أحوالك؟ ولِمَ غبت عن جارتك أم نسيت؟-
لمست بفطنتها عبوس الروح في وجهي، فقلت لها كلاماً من حرف اللسان، فلم تقتنع، فتلعثمت، وداريت، فالبوح أحياناً أصعب، فعادت، تُهَون عليّ:
ما بك؟ احْكِ، ألم الكتمان لايرحم. –
لملمت أشجاني، ومتاعبي المتنافرة، تحدثت كما أتحدث لمرآة النفس:
– خانتني الحبيبة، سافر الصديق، لم تعد لأيامي بهجة، يكرهني زميل عملي، يفصلنا هواء مسموم، والوحدة بصدري تتنفس، بينما تنشغل أمي بأختي، وأبي صار يحتكر بماله السوق، ويتلاعب، متعللاً بأن الكل الآن يستثمر.. الكل صارت تمتطيه شهوة، وأنا اليوم أشتهي لون طفولتي، هل تَدرين أني كلما مشيت في طريق، انكمش، فأعود، صرت يا جارتي كالصغير الذي يَهاب العَسكر.
مالت علىّ برقة، قائلةً:
اصبر-
عَلَا صوتي، منفعلا
– من أين لي؟
فبان صوتُها محايداً، وهي تنظر في قلبي:
إن صَفيت نفسك، ستتغير قِبلتك لمن حولك.-
رشفت من كوب الشاي، ثم وشوشتني:
أذكــــــر ربـــــك-
وكأنني لم أسمع، فكررت الطلب، ثم نبهتني:
-أذكـــره من قلــــب القـــــلب.
فشَرعت ملولاً، أعيد عليها الشكوى:
-يا جارتي، أقول لك تركتني الحبيبة، ولم يعد لي صديق، كل من حولي تغير، وأطفأت غربتي أملي.
فاستمهلتني، ورفَّ رمش العين، قبل أن تُلقي عليّ القول، بنبرة تعز على الوصف:
– صَلِّ على الحــبــيـــب.
سكتّ… ، ثم غفوت…
خيوط الصمت الهامس تنسج الفراغَ حوالينا، ذرات السكون تُصلي وتُسلم، أُحدق في اختلاج شفتيها، هَديلُ الحمام يشاركنا الجلسة، صورة زوجها الشهيد تكاد تنطق، تنقر جارتي بطيب الكلم على أوتار الوتين، يكسوها ثوب الإحساس، وتمد لي يدها، لا لنَعرُج تلقاء المقام الأمين فحسب، بل لنَكتشف كذلك درجات النفس الأعمق، فكان للقلب من رهبته وَجِيب، عندما سحبتني بداخلي نحو المخبأ، تشدني من تلابيب الروح، فتُذكّر نفسها، كأنما تُذكّرني بأن.. “الله أكبر”…. تريد أن تقتل فيها – قبلي- وعكة تعتري اليقين، تطمع في إرادة تُنهِي أوجاعها العَصيَّة، ثم صحبتني، لتُريني كيف أجمع من غَرْس الصبر محصولي، فتسكب لي في الحنايا البلسم، ويرخي الحمام أجنحته قرب السحاب، يشكل خطوطاً تتدلل، فما شغلتني ترنيمة المشهد، عن قطف ثمرة المَغزَى…
وتتلألأ أمامي عيناها، فهل تشم عبيراً من رسول الجنة؟! يُدهشني- والله – مذاقُ نظرتها، أهي لهــفـة؟ أم.. رهــبة؟ أو ربما.. سجـــدة؟! تتجاورالأفكار، يتَهدْهد الشعور، بما لم أحس به من قبل، وأقسم بأنني الآن.. أجــمــل، حينما تُعطّر الحرف، فتحنو على الحاء، وتؤكد على الميم، فيشرق لسانها ب.. (مُحمَّد).

قمت أطلب الانصراف، بعدها، فودعتني بلطف:
-أنا موجودة طول الوقت، لا أغادر مكاني إلا ساعة بالنهار.
أخرج بعدها للطريق، ، يستقيم عُودي، أرى نفسي أوضح، لكن سرعان ما يداهمني الزحام داخل العربة، فأجدني محشوراً وسط لزوجة الأجساد، يلتف الخناق حولي، يشرعُ لساني بالسبّ واللعنة، لكن لم تزل صورتُها بَعْد في خيالي (تبسم لنا بسمتها الصَفيَّة يوم الغارة)، فأقلدها محاولاً، في حين تتسلل أصابع يدي داخل جيبي، لتتحسس هديتها المعتادة.. نـَعْـنـاعــة السُكَّر.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع