تعريف الحضارة

22

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

كل ما نراه من أنظمة حولنا يحتاج إلى تعريف لنعرفهم في عقولنا ونشير إليهم بألسنتنا ونحدد حدوده في مساحة وجودنا. ولتعريف أي شيء، عليك أن تفكر بجد فيه لتدرك مدى عمقه وتأثيره وهيئته. فالأمر ليس سهلاً، لأنك سوف ترجع إلى ذاك التعريف مراراً وتكراراً، كلما مررت بالموضوع أو أحسست بوجوده أو حتى رأيت خاصية وتركيبة صغيرة منه. بل سيُبنى كل ما يأتي وراء تلك القاعدة عليها، وبها توضع الأهداف نحوها، وتُقارن على غرارها الأشياء الأخرى، ويتميز به الشيء عن الآخر. أي خطأ في أي جانب من التعريف سوف يُدمر كل ما تم بناءه فوقه وبعده.
لو بحثت في الكتب والأبحاث والتاريخ عن تعريفات للحضارة، لوجدت معظمها منتهية الصلاحية أو أثبتت بطلانها خلال الزمن. فلننظر إلى حفنة منهم ولنأخذ بعضاً من تعريفات العرب أولاً.
يقول ابن خلدون في كتابه (ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب) إن الحضارة هي : تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله [1].
يُفهم من هذا التعريف بأن الحضارة هي في حالة ترف وليست في خضم البقاء والتمسك بالحياة، وهذا تفسير خاطئ. نحن نعلم أن المدينة لا تبالي بحال جميع أفراد الساكنين فيها، ليس كل الذين يعيشون في المدينة في حالة ترف ورخاء، بل الشخص الساكن في الحضارة لا يختلف أهدافه الأساسية من إيجاد مأكل ومشرب والسعي وراء الحاجات والملذات التي يسعى وراءها القروي.
تخيل ابن الخلدون المدينة مختلفاً عن القرية بسبب وجود تعقيدات اجتماعية فيها وتطورات عمرانية وطبقة حاكمة بالقانون والدستور. فرقْ كيفما شئت المدينة عن القرية لكنك سوف ترى بأن الاختلافات التي توصلت إليها هي وهمية، وحدود ما بين المدينة والقرية ليست واضحة المعالم بإستثناء في أعداد وكثافة سكانهم. توجد في القرية أيضاً قوانين تحك أهلها وتعقيدات أجتماعية تلون ديناميتها وربما حتى عمران غير الذي نراه في المدينة كالدواجن والمزارع. بالإضافة إلى ذلك، البنايات من الفنادق والعمارات التي نراها في المدينة ما وجدت إلا بسبب الحاجة إليها وليست بسبب الترف والتسلية ولو استثنينا منها الملاهي وحديقة الحيوانات.
الحاجة ثم الحاجة ثم الضرورة والحاجة إلى أغراض معقدة لتحل مشاكل التي تظهر في المدينة هي التي جعلتها ما هي عليها، ولونتْ طرقها بالإضاءات الليلية، وسماءها بالبنايات العملاقة، وأهلها بالصناعات متنوعة. ربما تكون المدينة قد انشقت من القرية من ناحية حدودها الواسعة التي تغطي مساحات شاسعة من دون إنقطاع مُدرك، لكننا لا نقدر أن نفصل بينهما عند تعريفنا للحضارة. كلتاهما تتميزان بالبشر وبالعمران وبالملذات وبالنظام. ويمكننا القول بأن المدينة هي عبارة عن تضخم القرية وتكاثر أهلها وازدهار أحوالها بعد مرور زمنٍ معين عليها.
ننتقل للنظر إلى ثلاثيات مالك بن نبي في تعريف الحضارة. وضع بن نبي نظريته الخاصة لفهم مفهوم الحضارة وشرح تعقيداتها وتطوراتها وعوائق التي تقف في طريقها. يقول بن نبي أن الحضارة تتكون من إنسان+تراب+وقت، ويضيف فوق تلك المعادلة فكرة الدين ويجعله واحداً من ركائز الحضارة أو من متطلبات وجودها. يرى بن نبي إن المجتمع البشري وجدت من غريزة الإنسان ولكي يتطور إلى فوق ما هو عليه، فإنه يجب أن يمر بمرحلة روحية ودينية [2].
يمكننا الاستنتاج من أفكار بن نبي أن الحضارة من إختراع الإنسان فقط مستثنياً الخلائق الأخرى التي بدأنا للتو بالاعتراف بإنجازاتهم. لو أخذنا حضارة النمل مثلاً، ولو درسناها بعمق وصدق، لقلنا إنها لا تختلف بحدة عن حضارتنا. فمجتمع النمل متحضرٌ مثلنا، لديهم قوانين اجتماعية واتصالات معقدة وبيوت عريقة ومجتمعات متعددة. لكن الأهم من ذلك، هي قدرة النمل في السيطرة على بيئتها وتغييرها لصالحها. فبعض أنواع من النملات تقطع أوراق الشجر وتأخذها إلى جحرها ليس للتغذي على تلك الأوراق، بل هي تخصصها ليتغذى عليها نوعاً من الفطريات، فمن ثم ذلك، تقوم هي بأكل الفطريات الناشئة فوق تلك الأوراق. هذه التصرفات الراقية من النمل تجعل مجتمعاتها وإنجازاتها وفعالياتها تستحق أسم الحضارة وإن كانت غير بشرية. أما عن الحيوانات الأخرى التي تتلاعب بالبيئة ولكنها تخلو من أعداد هائلة متقاربة هي النسور والطيور التي تجمع عيدان الخشب من أجل صنع أعشاش لها، وهذا تغيير واضح للبيئة ولكنها تبقى تفتقر إلى أعداد مناسبة لتكوين حضارة لها.
تراب الذي يقصده بن نبي هنا هو ليس التراب بمعنى الحرفي، بل بمعناه المادي. أي المواد والمركبات الخامة التي يغيرها الإنسان إلى شيء مفيد له، كتحويل الحديد إلى مطرقة. لكننا نقول إن الحضارة لا يقتصر أيضاً على المواد والمركبات غير الحية كما لم تقتصر على الإنسان فقط. إذ إن تغيير والسيطرة على الكائنات الأخرى هي من فعل الحضارة المتقدمة. فالعبودية وإن كنا نعتبرها سيئة، كانت متواجدة في الحضارات الراقية فقط وأستمدت من تلك الحضارات وباتت شائعة بسببها. كذلك الأمر بالنسبة للسيطرة على الحيوانات. يمكنك تخيل بداية اكتشاف الإنسان في قدرته على تربية الأغنام والمعز للتغذية عليها. ويمكنك أيضاً رؤية هذا الإنسان يتكبر على الصياد الجامع ويستصغره لعدم قدرته على فعل المثل. بل وربما رآه كإنسان متخلف أو همجي ووحشي لا يعلم ما يعلمه ولا يفعل ما يفعله ولا يتخلق بما تخلق به. وهكذا، ظهرت مجتمعات أخرى متطورة تعلم ما لا يعلمه المربين والمزارعين وباتوا هُم المتحضرين والمستحقين للقب الحضارة. نلاحظ هنا إن السيطرة على المواد غير الحية وتحويلهم إلى سهام ورماح وسلات لم يفد الصياد والجامع للتحضر أمام المزارع والمربي.
مسألة الوقت في معادلة بن نبي للحضارة هي غامضة كغموض الزمن في علم الفيزياء. مرور الزمن على شيء ما ليس له أي معنى ولا يضيف او ينقص منه إلا بوجود شيء آخر غيره يؤثر عليه. ربما يكون الحضارة في دوامة من التطور والتخلف على مرور الزمن، فهذا لا يعني إن اللاحق سوف يصبح أفضل من السابق. إنما الأمر يعتمد على المعلومات المقتناة خلال التاريخ في عقل البشري لكي يجد طريقاً جديداً وحلولاً لمشاكل متحضرة.
فلننظر الآن إلى تعريفات الحضارة عند الأجانب ولنقم بتحليله لنرى مدى صموده أمام الأزمنة والأمكنة وحدودياتهم.
يعرف قاموس مريم-وبستر الحضارة : كمستوى عالٍ نسبياً من التطور الثقافي والتقني [3].
نقول، يمكن قبول “تطور التقني” كترقي المجتمع إلى الحضارة بالرغم من أنه يقصر من شمل مجتمعات الأخرى. ولكن لا يمكننا أن نقبل تطور الثقافي كمعيار لوجود الحضارة في مجتمع ما. وذلك لأنه مهما تطور المجتمع بافكاره وتعقيدات تفاعله ولغته وعلومه وفنونه، فهو لا يدخل إلى تعريف الحضارة حتى ينسجم كل تلك التعقيدات والتطورات العقلية مع واقع البيئة ويستخدم لصالح ذلك المجتمع.
وكذلك الأمر بالنسبة لتعريف قاموس كامبريدج للحضارة : كمجتمع الإنساني مع تنظيماته الاجتماعية [4]. وهذا أيضاً يعد تعريفاً خاطئاً. التنظيمات الاجتماعية المختلفة التي تخصص وظائف معينة لمجموعة من أفرادها لا تعتبر بالضبط حضارة، ولا تعقيداتها التي تجعل الفرد المنتمي إليها في حالة اجتماعية معينة بدلاً من الحالات الفردية، فالحضارات البدائية لا تحتاج إلى سياسة لتلقب بذلك.
ومن تعريفات الجميلة للحضارة هو تعريف الاقتصادي وعالم الاجتماع ألفرد ويبر له. فيقول بأن الحضارة: هي نمو فروع المعرفة وتقدم سبل السيطرة على القوى الطبيعية، ذلك التقدم المتماسك الذي له نظام منتظم ينتقل من شعب إلى آخر [5].
هذا التعريف يكاد يكون مثالياً ودقيقاً لقدرته على تفسير وتضميم جميع الحضارات تحت جناحه. لكننا نقول بأن المعرفة هي ليست ركيزة الحضارة لإن مجتمعات الحضارة لا تحتاج إلى معرفة سبيلها أو ما تقوم بها لكي تبني حضارةً لنفسها. الحضارة ليست بالضرورة رؤية أو خطة يمكن تصورها أو التخطيط لها (لم يتوقع البشر شكل الحضارة أن تصبح هكذا قبل مئتي عام ولم يظنوا بأنهم يسيرون إلى تلك الغاية). لكن بالرغم من ذلك، تهيأت الحضارة وتكونت من دون إعياء أفرادها بها وبإزدهارها. القصد من ذلك هو إن الحضارة يمكن أن تنشأ من دون معرفة أو خطة مسبقة تماماً مثل الكهوف في الجبال، كما هي يمكنها أن تنشأ أيضاً على غرار مشروع أو خريطة هندسية ما تماماً مثل بناء المنازل والعمارات. لذلك لا يتطلب الأمر نمواً في المعرفة. لا تحتاج الحضارة إلى العقل والمنطق لكي تنمو وتزدهر، فالمعرفة بالأمور وتخطيط للمستقبل وكتابة التاريخ والتعلم من الأخطاء هي خاصية يمكن أن يختص أو لا يختص بها مجتمع لحضارة ما. فالحضارة لا تحتاج إلى عقول لتفكر أو لكتبٌ لتدرس أو لمهندس ليخطط من أجل أن تتفتح وتتقدم. بالرغم من أن تلك المعارف قد تسرع من عملية الازدهار والتطور. أما مسألة إنتقال النظام الحضاري من شعب إلى آخر فهي ليست متوجبة. قد يكون نظام شعب ما متضاد مع نظام شعب آخر.
لجأ المؤرخ أوسفالد سبينغلر إلى تشبيه الحضارة بالكائنات الحية. فهناك تشابه كبير بين نشوء وتطور وموت الحضارة وبين الكائن الحي. والمزية الخفية في هذا تشبيه للحضارة هي قدرة اجزاء الحضارة التفاعل مع بعضها البعض وترابطها معاً لتنتج ردات فعل مناسبة للمؤثرات الخارجية والمشاكل التي تضرب واحد من أجزاءها. أي إن الحضارة تستجيب بالكامل لجزء من المشكلة الموجودة في احدى اعضائها أو أزقتها. وهذه ربما تتواجد في الحضارات المتطورة الى ذلك الحد ومرتبطة الاعضاء ومنظمة الأجزاء. ومثالها هي الدول المتقدمة اليوم كحضارة البريطانية التي تستجيب كامل اعضائها للحرب التي تقام ضدها والمشاكل الاجتماعية الاقتصادية التي تظهر في داخلها. نقول إن ترابط وإنتظام أفراد الحضارة مع بعضها البعض قد تتواجد فقط في الحضارات التي نشأت فيها سياسة ونظام اجتماعي معين (كنظام الدين). لكن ماذا عن الحضارات التي تكون أفرادها مرنة وغير مرتبطة مع بعضها البعض وبالرغم من هذه يساهم كل واحد منهم لتشكيل جزء من الحضارة، أليست هذه تعد حضارة أيضاً؟ تشبه بعض الحضارات في مرونتها المطاط الذي يمكن أن يتم التلاعب بقطعة منه دون تأثر باقي الأجزاء بذلك، أو تشبه العازل الحراري الذي يمكن أن تسخن جزءاً منه دون أن ينتقل أو يتأثر أو يرد باقي الأجزاء على ذلك القوة. وأكون على خلاف مع سبينغلر بقولي إن الحضارة لا تشترط عليها الموت. الحضارة الاساسية والمشيدة بأصول سليمة، ومتصلبة باعضاء اقوياء لا تموت وليس من الواجب عليها الموت، بل تموت اذا مات اعضائها، والأناس العايشين فيها، لان كل انسان في حضارة، هو تجسيد لروح حضارة نفسه، ومصغر لأُسسها وبناياتها العظيمة. فان مات ذاك الانسان ماتتْ الحضارة معه، فالحضارة لا تموت ما دام هناك انسان واحد يحمل رسالتها ومعانيها إلى جيل القادم. فاذا دونت كل ما فيها على كتاب وقرأت وتعلمت فانها مثل الجينات البشرية، او كحبة لقاح مخزونة، التي اذا قمت بزراعتها في مكان الصحيح تولد منها النبات وتحيا، تتوارث وتزدهر اذا شاء الناس خلقها. ومع هذا الخلاف فأنا أتفق مع سبينغلر بأن النظام لا يأتي من الفوضى، يجب أن يتميز أفراده الحضارو بإنتظام معين ويجب أن لا يكونوا في تضاد مع بعضهم البعض (على أقل ليس بشكل دائمي).
بعد أن قمنا بانتقاد تعريفات الحضارة عند العرب والغرب. سننشأ الآن تعريفاً دقيقاً للحضارة يشمل جميع ما نسميه اليوم بالحضارة ويصف مميزاتها عن المجتمعات غير المتحضرة.
نعرف الحضارة: كمجموعة من الكائنات متمركزين في حيز معين، يقومون بتغيير نظام *البيئة* المحيطة بهم لنظامهم ولمنفعتهم ولخدمتهم. بداية أغلب الحضارات تتكون من قبيلة صغيرة العدد متكونة من عائلتين على الأقل. إلا أن الحضارات المتقدمة تكون ذات أعداد كبيرة نسبياً مما يقارب على أقل 360 فردا.
وما اقصده بتغيير نظام البيئة هو قيام الإنسان بتشكيل بيئته وما فيه إلى اشياء نافعة له، أو تغييره الى نظام اخر مفيد لهدفه ومصلحته. مثلاً يقوم الانسان بتغيير شكل الحجر غير النافع إلى صوان الذي يقوم به الإنسان للاستفادة منه في حاجاته اليومية.
المجتمع الذي لا يقوم بتغيير نظام آخر من بيئته لا يعد مجتمعاً متحضراً، والآثار التي يتركها ليست نفس الآثار التي تتركها المُتحضرين. يختلف تعريف الحضارة عن تعريف المجتمع بعامل تغيير البيئة. تعريف المجتمع هو مجموعة من الناس متمركزين في حيز معين، ومتصلين بنظام اجتماعي معين، كقبلية التي تربطها صلة الدم، أو مجموعة تربطهم هدف معين. ويستهلكون موارد الغذائية الموجودة في بيئتهم ولكن من دون احداث تغييرات فيها ولا تأثير عليها. ومثاله هو مجتمع القردة الذين يعيشون في الأشجار ويأكلون ثمارها من دون احداث اي شيء متغير في بيئة مثل استغلال اوراق الشجر كملابس لهم. وحتى لو عمل تغييرات بسيطة في البيئة فهو لا يبالي به ولا يستخدمه ولا ينتقل معه، اما الانسان الحضاري يمشي مع ادواته وتغيرات التي أحدثته على بيئته مثل ملابسه الذي صنعه مما هو قابل ليصير ملابس في بيئته.
ويختلف الحضارة ايضاً عن المجتمع من مخلفاته، فالمخلفات هي تغييرات بيئية أصبحت غير مرغوبة أو لا يمكن تغييرها اكثر من ذلك من اجل المنفعة، فيترك تلك المخلفات من أجل تخفيف العبء عن البشرية. تتكون مخلفات المجتمع من فضلات انسانية ومن بقايا أجزاء من الثمار غير صالحة للأكل، وتعبير أفضل لتلك المخلفات هي مخلفات صدرت نتيجة الاستهلاك البشري فقط. اما المخلفات الحضارية فتكون أكثر تطوراً للغاية عن المخلفات المجتمع، نرى فيها مجموعة من تغيرات واضحة من مواد التي تلاعبت بها لتحويلها إلى شكل معين ومن ثم تركت من أجل تخفيف عبأ السفر أو لأسباب أخرى أصابت الحضارة (مثل موت اهلها، أو انتقال اهلها الى مكان اخر بسبب الحروب أو كوارث بيئية). نرى في تلك المخلفات الحضارية منازل وبنايات وعمارات، وادوات التي صنعت من تشكيل مواد البيئة، مثل البلاستيك والحديد والنحاس على هيئة نظام مفيد له أو كان نظاماً مفيداً ولم يعد كذلك الآن، أو كتأثيرات جانبية التي تخلفت من عملية التحويل والتغيير مثل مخلفات النووية.
تطور النظام الأجتماعي نفسه من دون تغيير أو تأثير على الأنظمة الأخرى في الطبيعة لا تعدُ حضارة. فالتغيرات التي نراها داخل مجتمع الإنساني من الفنون ومن الفلسفة ومن نظريات علمية ليست مفيدة (بمعنى حضاري) للمجتمع ما دامت تأثيراتها منحصرة داخل المجتمع، حتى وإن كانت تساهم في تركيبة ذلك المجتمع وفي بقائها وفي سعادة أهلها، مثلها مثل الأقوال الخالية من الأفعال.
فلنأخذ بعض الأمثلة على تغيرات التي يفعلها الإنسان لإنشاء الحضارة: قطع الأشجار لصنع المنازل، فالبيئة هي الشجرة المنتظمة غير ملموسة، وتغيير يأتي من قطع تلك الشجرة وتشكيل أخشابها الى الواح وتنظيمها بشكل آخر مغاير لما كان أصلها عليه (وهو الشجرة) من أجل مصلحة القاطع في صنع بيتا له.
ومثال آخر هو قيام الإنسان بتربية الحيوانات والسيطرة عليهم من أجل منفعته. هنا، نظام البيئة ليست معدة لخدمة الإنسان، فطبيعة الحيوان المدجن مستقلة عن منفعة البشر، الا ان احداث تغيير في نظامه يؤدي به الى منفعة الإنسان، وهذا التغيير يتمثل في قيام الإنسان بتقييد الحيوان وتطعيمه وعناية به والى غيره من المتطلبات. ومثال آخر كذلك هو قيام الإنسان بالزراعة، نظام النباتات من دون تدخل الإنسان لا يخدم الانسان، فالنبات قائم على حد ذاته ومعتمد على تغييرات وقدرة بيئته للنمو والتكاثر والموت. التغيير هنا يأتي في قيام الإنسان بتغيير نظام النبات وتوفير ماء وزراعته في قطعة معينة من الأرض وتقطيعه في وقت مناسب من السنة. ونقول مثالا آخر من يومنا الحاضر لتقريب الفكرة أكثر هو تعديل نظام البكتريا والكائنات اخرى لصنع مركب كيميائي معين، وتعديل يأتي عن طريق إحداث تغيير في الجينات.
تتغير التغيرات التي يقدمها الانسان لبيئته من اجل مصالحه في اوقات التي تستمر فيه ذلك التغيير. منها تظهر لفترة قصيرة من الزمن ويجب على الانسان احداث تلك التغييرات بشكل مستمر لابقاء نظام البيئة نافعا له. مثلا الزراعة هي احداث تغيير بسيط في بيئة النباتات، ولكن مع اهمال تلك النظام المحدث (الزراعة) يرجع النظام الى سابق عهده او يتغير الى نظاما اخر غير صالح للانسان ومما رغب به الانسان. وكذلك الامر بالنسبة لتربية الحيوانات، فهي نظام متغير لفترة قصيرة من الزمن ويحتاج الى تربية مستمرة حتى تأتي منفعة منها بشكل مستمر. إذا مات الانسان المزارع او مربي الحيوانات، فان تلك الكائنات لا تتطلب وقتاً طويلاً لرجوعها الى طبيعة نظامها غير النافع للبشر. اما بعض التغييرات تستغرق وقتا اطول لتحولها الى شيء غير نافع للانسان المقدم للتغيير؛ مثالها المطرقة او ما صنع من الحديد والفضة او ما صنع به المنزل او بنايات الاخرى. فهي تبقى آلاف السنين إن لم تبقى مئات حتى تغيرها البيئة إلى شيء آخر.
يجدر الإشارة إلى إنه ليس كل تلاعب في نظام البيئة وتغييره يعد من منشآت الحضارة. مثلاً اصطياد الحيوانات باليد العارية لا تعتبر من الحضارة ولا الصياد المتمارس لمهنته من دون أدوات يعد مُتحضراً، وكذلك الأكل والشرب بما يملكه الانسان من أعضاء لا تعتبر حضارة بحد ذاتها. كذلك الأمر لجمع الغذاء و اقتطافها من الأشجار والنباتات وخزنها في مكان معين لا يعد حضارياً. إذاً نستنتج أن الإنسان القديم الصياد بيده والجامع للطعام باليد لا يشتمل ضمن تعريف الحضارة، وإنما يصنفون كمجتمع. وكذلك لا يعد تغيير الفرد للبيئة كحضارة، فلا بد من وجود أعداد مناسبة من افراد ليكونوا مجتمعات تقوم بتغيير البيئة معاً لصالحها. والاختصاص في الوظائف هو ليس عاملا قويا في الحضارة. من الممكن إنشاء حضارة من دون تخصصات وظيفية، إلا أن التعقيدات التي تظهر مع تطور الحضارة تحتاج إلى أختصاص أهلها إلى حِرف مختلفة تقوم كل منها بواجبات هائلة وضرورية لقيام الحضارة بهذا التعقيد والتشابك والتطور.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الحضارة لا تعد حضارة من دون أهلها. فالحضارات الماضية التي ماتت أهلها لا تعد اليوم حضارة بل تصنف إلى قسم آثار الحضارية. وكما قلنا في السابق، بعض التغييرات البيئة التي أضافتها أهل الحضارة تتلاشى مع مرور زمن وبفترة قصيرة من موت صانعها، وذلك لأن البيئة التي نتحدث عنها هي متداخلة الانظمة ومتشعبة ومتشابكة، مثلها مثل الرسم على رمل الشاطئ، فلا يبقى طويلاً حتى تغيره الماء أو يمحيه أرجل الناس والطيور والحيوانات الأخرى، أو يُمطر عليه، أو يعاد تركيبه بشكل مغاير لما كان عليه في الأصل.

المراجع:
1- ابن خلدون. (1988). ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (الطبعة الثانية). بيروت، دار الفكر.
2- تأملات، مالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، بيروت، د.ط.ت (197).
3- https://www.merriam-webster.com/dictionary/civilization#:~:text=1a%20%3A%20a%20relatively%20high،of%20written%20records%20is%20attained
4- https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/civilization
5- Loader C. Alfred Weber، ‘The Sociological Concept of Culture.’ Cultural Sociology. 2015;9(2):256-270. doi:10.1177/1749975514546701

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع