تطور الحضارة

67

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

هدف التطور يعد واحداً من أصعب الأهداف التي تواجه الحضارة. نرى في جميع الحضارات رغبة في بلوغ التطور وشهوة إليه, ولطالما ظن البعض إن التطور يكمن في أهل الحضارة ورقيهم أجتماعياً وعلمياً ومعلوماتياً على باقي الحضارات المعاصرة لكي تبقى الحضارة وتنمو وتزدهر, وبالفعل هكذا تظهر التاريخ تطور الحضارات؛ حيث إن الحضارات البشرية اليوم لم تكن لتصبح ما عليها لولا اكتشاف العالم فاراداي للمحرك الكهربائي, أو لولا عزم أخوان رايت على الطيران, أو لولا نجاح إدوارد جينر في التلقيح. هؤلاء الشخصيات من أهل الحضارة غيروا بالفعل مسار الحضارة ودفعوها نحو التطور.

إذاً, اكتشاف أهل حضارة للمواد الخامة الجديدة وفهمهم لها وقدرتهم على تغييرها لصالحهم هو الذي يجعل حضارة ما أفضل من سابقها وأحسن من الحضارات المتجاورة. تقدم العلوم تعني تقدم الحضارة, وقدرة أهلها على استيعاب تلك المعلومات والإفادة منها في الحياة الواقعية هي التي تحدد مصير الحضارة وقدرتها على التأقلم ومواجهة مشاكل التي أصابتها وتصيبها وقد تصيبها. وطريق تطور العلمي غامض ومتوعر, ومن صعب جداً اكتشاف كيفية تلاعب واستفادة حتى من ابسط الاشياء, فالعلم والعلماء يدركون هذا, ولذلك هُم حريصون على أن يكونوا منهجيين وعشوائيين في بحثهم عن اكتشاف جديد ومفيد (فهم يبحثون في جميع الزوايا وفي جميع المجالات وفي جميع اماكن والطرق لكي يجدوا شيئاً يجعل الحضارة البشرية أفضل من سابقه, وحياة أهلها أسهل مما هي فيها).

نجد مثلاً محاولة أطباء الباحثون في البحث عن دواء جديد وفعال من خلال تجربة بروتينات مأخوذة من شتى الكائنات الحية (من عدة بكتريات وفايروسات وحيوانات بحرية وأعشاب نادرة), وكذلك بحث علماء الكيمياء عن مركب جديد غير مؤذي للإنسان ويمكن استفادة منه في طلاء جدران ربما من خلال جعل مركبات عديدة تتفاعل مع بعضها البعض لتنتج جزيئات اخرى. أو عالم الفلك الذي يبحث منهجياً وعشوائياً في الفضاء عن نجم من النجوم ذات الكواكب الصالحة للعيش البشري.

هذه التقنيات الحديثة للبحث عشوائياً تارة ومنهجياً تارة أخرى تقول لنا بأن التطور قد لا يقع فقط على عاتق أهل الحضارة – كثير من الاكتشافات السابقة كانت بمحض الصدفة أولاً والحظ ثانياً – فالأحداث التي أصابت البشرية خلال التاريخ هي التي جعلتهم يبحثون أو يقعون على منجم من العلوم الجديدة المفيدة, وبالتشبت بتلك المسلمات, سلك عقل البشري مسلكاً منهجياً في البحث عن اشياء جديدة من خلال الاعتماد على تلك المعلومات المسلمة القديمة. فعندما يبحث العالم عن مركب جديد, فهو يعلم إن المركبات الجديدة يمكن أن تتواجد في مكان ما او مكان اخر لما سبق وان بحث فيه, أو عند وضع مركب معين مع مركب آخر, وهو قد يقدر أيضاً على تكهن ما يحتمل اكتشافه على أساس معلومات سابقة التي جمعتها البشرية والتي ابتدأت بمحض الحظ والصدفة.

هل هذه أفضل طريقة لتطور الحضارة؟ هل اعتماد اهل الحضارة على معلوماتهم السابقة هي التي تجعلهم يطئون على مراحل جديدة من الرقي؟ هل البحث عشوائياً هو السبيل لحل مشاكل الحضارة؟ هل انتظار الفرصة ووقوع الحظ عن طريق الاحداث المؤلمة والدروس التي يتركها هي ما تميز الحضارة المتطورة عن المتخلفة؟

المعلومات السابقة عن الطبيعة والبيئة وكيفية تغييرها هي حتماً تفيد في تطور الحضارة. حيث إن ذاكرة الإنسان الخازنة للمعلومات وما توصل إليه من أختراعات لخزن المعلومات وكذلك قدرة الأجيال القادمة على التعلم تجعل تقدم الحضارة ممكناً وتمنعها من الرجوع إلى وراء كلما مات أهلها وعلماءها. بينما نرى إن الاحداث التي تمر على الحضارة تلعب دوراً أساسياً في تشكيل الحضارة وتحويل مسار تطورها. وهذه الأحداث قد تكون نادرة أو دورانية أو دائمية تعطي لأهل الحضارة فرصة للتأقلم معها وإيجاد شيء مضاد لها؛ حيث إن الشمس والمطر جعلنا نبني منازلاً, والحرب والسفر جعلنا نستغل الأحصنة, والبكتريا والفايروسات جعلنا نجد لقاح وأدوية. أستجابة أهل الحضارة لتحديات البيئة هي من أولى مراحل التطور (يبحث فيه الإنسان على مضاد الحدث المؤلم لكي يبطل مفعولها أو يردها ويقي من شرها).

تطور الحضارة يجب أن يقاس على طول خط الغاية. ولا يمكننا أن نقارن تطور حضارتين مع بعضهما البعض ونحكم على أحداهما بالرقي والآخر بالتخلف دون أن نلجأ إلى مسطرة الأهدف والغايات التي تشترك بها تلك الحضاراتين ونقيس كلتاهما بها.

أهداف الحضارة كما قلنا هي الأهداف المشتركة التي تريد أن تحققها أهل الحضارة, وأهداف أهل الحضارة تنبع من طبيعتهم وبيئتهم. لذلك يجب علينا أن نفهم ما الذي يهدف إليه الإنسان في حياته لكي نحدد هدف الحضارة وبالتالي تطور الحضارة ومدى قربها من تحقيق تلك الأهداف.

جميع الكائنات الحية تهدف إلى تحويل بيئتها إلى نظامها وترتيبها الخاص؛ نحن نأكل الحيونات والنباتات لنهدم نظامهم ونبني نظامنا البشري, وكذلك الأمر بالنسبة للحيوانات والنباتات. ومن ثم نقوم بالتكاثر لكي نزيد من سرعة تحويل تلك الأنظمة إلى أنظمتنا وطبيعتنا وجيناتنا وبروتيناتنا. ويجري هذا الأمر حتى ينتقل ترتيب جميع المواد في الأرض إلى داخلنا ويتحول إلى ترتيبنا. لكننا لا نقوم فقط بهدم تلك الأنظمة من الحيوانات والنباتات لكي ننمو ونتكاثر, بل ربما نحولها إلى نظام قريب من نظامنا ليفيد ويخدم نظامنا حتى وإن كان لا يطابق نظامنا; على سبيل المثال, نقوم بتقطيع الأشجار وتحويلها إلى كراسي مهيئة لكي يريح من مؤخرتنا وعمودنا الفقري. أو نقوم بتربية الكلاب وتدريبهم على حمايتنا (فهذا يحول نظامهم إلى خدمة نظامنا). أو حتى عندما نريد أن نقنع شخصاً ما بأتجاهتنا السياسية والأجتماعية, فنحن نريده أن يتحول من نظامه وما كان عليه إلى جزء من نظامنا. فنقول إذاً, إن مدى تحويل الحضارة للبيئة حوله إلى نظامه أو لخدمة نظامه هو الذي يحدد مدى تطورها وتطور أهلها.

بالنظر قليلاً إلى أفرع ذلك الهدف, نجد أن هناك ثلاث أهداف أساسية متسلسلة يريد الكائن الحي تحقيقه:

  • أولاً – البقاء على قيد الحياة: جميع الكائنات الحية تطمع في أن تبقى على قيد الحياة, وتعيش لكي يقدر على تحويل ما يقع على يديه في الطبيعة إلى نظامه. وهذا الهدف يتقدم على جميع الأهداف الأخرى التي سنشرحها لاحقاً. البقاء نعني بها ضمان الكائن الحي لنظامه بالوجود. ويندرج تحت هذا الهدف جميع الحاجات التي تحتاجها الكائن للبقاء على قيد الحياة (مثل الماء والغذاء عند الحيوانات).
  • ثانياً – الجنس (التكاثر): جميع الكائنات الحية تتكاثر, وهذا هدف الكائن بعد أن يضمن بقاءه ويحقق نموه. عند توافر المصادر الغذائية للكائن في الطبيعة (المادة الأساسية للبقاء), يقوم الكائن بالرغبة في الجنس والتكاثر. ويصبح هذا الأمر جل أهتمامه وتفكيره وغايته في الحياة.
  • ثالثاً – التقليل من الطاقة المصروفة وتقصير (زمن) سبل الوصول إلى الأهداف المذكورة آنفاً: وهذا الهدف تمثل نهاية الغايات بالنسبة للكائن الحي. يصب جميع أهتمامه وتركيزه وتطوره وزمانه للتقليل من الطاقة المستهلكة لبلوغ تلك الأهداف. ونقصد الطاقة المستهلكة هي الطاقة التي تصرفها الكائن لكي تحقق ذلك الهدف؛ نأخذ مثالاً عن الإنسان الذي يبحث عن الجنس ليتكاثر, فلتحقيق هذا الهدف, يجب على الذكر البحث عن أنثى مناسبة ومن ثم إقناعها بأنه هو الرجل المناسب ومن ثم توفير ظروف ملائمة للجنس, كل هذه الخطوات تتطلب صرف طاقة ووقت من الإنسان, لذا فإن أي تقليل من تلك الطاقة وتقصير سبيل الوصول إلى الجنس سوف يكون مرغوباً عنده. وكذلك الأمر في البقاء على قيد الحياة, فالإنسان يجب أن يضمن بقاءه بأقل طاقة ممكنة وأقصرها عند البحث عن الطعام وعند مقاتلة الأعداء وعند الاستجابة لتحديات البيئة. قد لا يسعى الكائن إلى هذا الهدف بكامل وعيه أو قد لا يعي به إطلاقاً, لكنه حتماً تعد القضية الأساسية بعد البقاء والتكاثر.

كوننا نركز هنا على الحضارة الإنسانية, فيجب علينا أن نشير إلى بعض الأهداف الأضافية عند أهل الحضارة البشرية, وهما هدفين:

  • السعي وراء الرتبة الأجتماعية: كل إنسان يبحث عن مكانة عالية محترمة في مجتمعه. لكنه لا يقدر أن يقدم هذا الهدف على الهدفين السابقين (البقاء والجنس), فلذلك يوضع هذا الهدف بعدهم ويأتي قبل الهدف الثالث للكائنات الحية (تقليل من الطاقة المصروفة). الفخر والشجاعة والكرم والحكمة, كلها صفات أجتماعية يسعى المتصف بهم للتعلية من رتبته الأجتماعية ورفع قدره وقيمته في عين مجتمعه. وربما ظهر اصل هذه الرغبة بسبب حاجة الرجل بالتميز عن رجال الاخرين لغرض جذب الانتباه وتلبية حاجة التكاثرية.
  • اشباع الشهوة الدماغية من المتع الحسية والمشاعر الجيدة: يمكنني القول وبثقة إن العقل بشري بكامل منطقه وقدرته على التحليل وحل المشاكل وبكامل ذاكرته ومعلوماته, مرتبط بشكل تام مع المشاعر والشهوة الدماغية. إذ لا يخلو أي فكرة من المشاعر, بل يبدأ جميع الأفكار بالمشاعر (المشاعر هي التي تجلعنا نفكر ونحلل, فهي التي تنبهنا بوجود مشكلة ما تحتاج إلى الحل بالمنطق والتحليل, وكذلك ينتهي جميع المشاكل بالمشاعر, فهي المؤشر التي تقول ما إذا انحلت مشكلة ام لا).

هناك عدة شهوات للإنسان, منها: شهوة اللسان (الطعام), شهوة القضيب (الجنس), شهوة الراحة من التعذيب والجهد (الإستراحة). كل هذه شهوات تلعب دوراً مهماً في تحديد أهداف الإنسان اليومية.

ونقصد بالمشاعر الجيدة أي تلك المشاعر التي تبرز في العقل السعادة والنشوة والتسلية. فهذه المشاعر تعطي لعقلنا إشارة للإستمرار برؤية ما نراه (كلوحة فنية جميلة), وبسمع ما نسمعه (كموسيقى عظيمة), وبالفعل ما نفعله (كالرقص).بمعنى آخر, تلعب تلك المشاعر دوراً في تقوية ما نقوله وما نفعله لكي نستمر في قوله وفعله لجذبه مشاعر ممتعة في عقولنا.

والمخدرات هي خير الدليل على الفرق بين الشهوات الحسية والمشاعر, حيث إن المواد المخدرة ليست لها أي قيمة حسية ما قبل دخول الدماغ.

من الجدير القول إن تلك الأهداف مرتبطة مع بعضها البعض بترابط متشابك ومتشعب ومعقد. حتى وإن جاءوا بالتسلسل في الأهمية, إلا أنهم يبقون مساندين لبعضهم البعض. مثلاً, الشهوة اللسانية تكون مرتبطة مع البقاء على قيد الحياة من قبل أكل الطعام, والسعي وراء الرتبة الاجتماعية وإدراك أعلى المناصب قد تكون بسبب الجنس. لكن هناك فرق بين الأكل من أجل البقاء والأكل من أجل الشهوة, فالأول يأتي أولاً.

لو أخذنا أي إنسان في أي حضارة كان, فهو يمر طبيعياً بهذه الأهداف كمراحل مثل مرحلة الطفولة ثم المراهقة ثم ال؛ بدءاً من مرحلة ضمان بقاءه في الأول ثم مرحلة ضمان تكاثره ثم مرحلة تعلية رتبته الأجتماعية ثم مرحلة الشهوة والمشاعر ثم مرحلة تقليل من الطاقة واتباع اقصر السبل.

كل تلك الأهداف, والتي أصبحت مجموعها خمسة في الحضارة البشرية, تعطي قيمة للأشياء في الحياة على أساس فائدة تلك الأشياء لتحقيق تلك الأهداف. ومن ثم تضع معياراً آخر لمدى تطور أهل الحضارة بناءاً على قربها من تحقيق تلك الأهداف بأقصر وقت وأقل طاقة ممكنة.

الآن, لكي نقدر تطور الحضارات, علينا أن ندمج معالم الحضارة الأساسية مع أهداف أهل الحضارة. لنقم بتقسيم تطور الحضارة إلى مراحل:

  • مرحلة الحضارة البقائية: تكون الحضارة في هذه المرحلة في بداية طريق التطور, حيث أنها تبالي فقط ببقاء أهلها والمنتوجات التي صنعتها. نرى في هذه الحضارة قلة سكانها لعدم قدرة أهل الحضارة على مواجهة التحديات البيئة بشكل كامل والسيطرة عليها. هذه الحضارة تتطور بالفعل في مجال البقاء على قيد الحياة, وقد تتواجد فيها مزارع ودواجن هائلة وعالية الجودة, وادوات حرب دفاعية فتاكة, ومستشفيات عملاقة تعالج فيها العديد من الأمراض والجروح. لكن تلك الحضارة لم تستطع أن تغير من البيئة في سبيل تحقيق اهداف اخرى لأهل الحضارة ونظام الحضارة. أستطاعت فقط أن توفر حاجات الإنسان الضرورية من دون توفير ما يرغبه ويشتهيه. تتحقق في هذه الحضارة هدف البقاء على قيد الحياة أو هو في طور التحقيق, ومن ثم التكاثر بنسبة متوازنة فقط لاستبدال الأفراد المفقودة من أهل الحضارة (نسبة الوفيات تساوي نسبة الولادات). نرى أن المواد الخامة داخل الحضارة قد تغيرت وتشكلت لغرض إبقاء الكائن على قيد الحياة وليس لأغراض أخرى. وكذلك نجد إن الحضارة في هذه المرحلة تكون ضئيلة الحجم ضيقة الحدود. ويكون جل اهتمام اهل الحضارة هو التخلص من المشكلات التي تهدد حياتهم وبقاء ممتلكاتهم, ويمكن ان تكون تلك المشكلات ناتجة عن الحضارات الاخرى أو عن طبيعة البيئة المحيطة نفسها أو بسبب ضعف الأهل ووجود مشاكل في ترتيبها. وهي حضارة ذات عالم مادي نادراً ما ترى فيها اغراض فنية وروحية.
  • مرحلة الحضارة الشهوانية: في هذه المرحلة من التطور, تكون الحضارة قد تجاوزت هدف البقاء الأهل والمواد المغيرة فيها, وضمنت مستقبلهما. فحولت انتباهها إلى الأهداف الأخرى التي يرغب الإنسان في تحقيقه. في داخل الحضارة, يرجع ليتحول كل شيء إلى ما يشتهيه الإنسان, فالأغذية تتنوع وتصبح مرغوبة بعد إن كانت ضرورة, والماء يتلون ويُطعم, والجنس يمارس من أجل الشهوة فقط, وتتواجد المخدرات كروتين يومي في حياة اهلها. وكذلك تزداد فيها الفنون بشكل مفرط من القصص والروايات واللوحات والموسيقات والرقص واللعب. وهي تركز على التفاصيل الحياة الدقيقة المملة بدلا من تركيز على المشاكل الكبيرة, لانها بالفعل قد عالجت المشاكل التي تهدد البشرية فبقيت لها ان تعالج مشاكل صغيرة والدقيقة التي تأتي في طريقها.

وكثير ما ترى إن المواد الخامة داخل تلك الحضارة قد تغيرت بالفعل من أجل اشباع شهوة اهل الحضارة. وهم في حالة من البحث الدائم عن تقليل الزمن اللازم لبلوغ الشهوة والمتعة والطاقة المصروفة لتحقيقها. تتذبذب في هذه مرحلة قوة الحضارة الحقيقية امام مواجهة حضارات اخرى وتحديات بيئية, وتكون معالمها ضعيفة وأهلها في رخاء وعدم الرغبة في تكليف انفسهم بالجهد تغيير المواد الخامة او توسعة الحضارة او السعي وراء رتبة الاجتماعية (ويأتي هذه من شهوة الراحة من التعذيب والجهد). تكون حدود الحضارة متوسطة وتتوسع فقط عند استنفاذ مصادر الشهوة والرغبة.

هذه المرحلة من التطور ليس شرطاً بان يقف عندها جميع الكائنات الحية, فهي ناتجة عن الدماغ المبرمج للكائنات الذكية.

  • مرحلة الحضارة النظامية: هذه المرحلة هي مرحلة تطور الحقيقية للحضارة, لان اهل الحضارة يرجعون لينظروا الى الانظمة الاخرى في الطبيعة, ويحاولون تعديلها لتخدم حضارتهم. جميع مواد الخامة في بيئة هذه الحضارة تخضع لتغيرات مستمرة ومتتالية لغرض تحقيق اقصى استفادة ممكنة منها. وتنقسم هذه المرحلة الى عدة اقسام حسب قدرة اهلها في السيطرة على الانظمة الاخرى: كمرحلة الحضارة النظامية الأولية, ومرحلة الحضارة النظامية الثانوية, ومرحلة الحضارة النظامية الثالثية, وإلى اخرها. هذه الاقسام تتمثل بقدرة الانسان في تغيير والتحكم بنظام اخر في بيئته اما بشكل مباشر وبخطوة واحدة (أولية), او بشكل غير مباشر ثانوي عن طريق سيطرة على نظام اخر الذي يسيطر على النظام المرغوب تغييرها, أو السيطرة على نظام الذي يتحكم بنظام اخر والذي بدوره يتحكم بالنظام المرغوب تعديله (الثالثي). مثلاً, يمكن للإنسان ان يتحكم بموضع الحجر بيده مباشرةً ونقله اينما يريد (الأولي), او يمكنه نقل الحجر بالحبل (ثانوي), او يقوم بشد الحبل على الحصان ويوجهه الى مكان وضع الحجر (الثالثي). هذه التحكمات الترتيبية بالنظام لكي يخدم نظامنا يجب ان تقارن مع هدف تقليل الطاقة المصروفة وسرعة انجاز العمل وإلا سوف تُشيد هرماً تحكمياً بلا فائدة, لذلك يسعى اهل الحضارة الى التحقيق الهدف الثالث للكائنات الحية. بمعنى اكثر قرباً لسمع القارئ, هذه الحضارة تمتلك احدث التقنيات وتصنعها, والتقنية معناها المواد المتغيرة الى نظام اهل الحضارة او الى منفعتهم, والحداثة تعني امتلاك مادة متغيرة تقوم بوظيفة معينة بفعالية وبأقل طاقة ممكنة وبأقل زمن ممكن.

الحضارة التي استطاعت ان تتحكم في جميع الانظمة وتحولها الى خدم لنظامها تعد حضارة متطورة جدا لا يمكن ان تضاهيه اي من الحضارات الاخرى, ولا يمكنها الموت والفناء بسهولة بالرغم من تداخلات بيئية في نظامها. وحدود حضارة هنا يكون حاد وبارزاً جداً, حيث يمكنك معرفة مباشرةً انتقالك من خارج الحضارة الى داخل الطبيعة غير المتغيرة.

  • مرحلة الحضارة التوسعية: وهذه اخر مراحل التطور الحضاري, حيث يقارن تلك الحضارات المتطورة بمدى قدرة احداها على توسيع حدودها من الاخر. تم في داخل هذه الحضارة اشباع جميع حاجات ورغبات اهل الحضارة, ولم يتبقى سوى احتلال الاماكن الاخرى وتغيير المواد فيها اما الى نظام اهل الحضارة او الى شيء يخدم الحضارة.

تجدر الاشارة ان هذه المراحل نفسها تكون متداخلة حيث لا يمكن لحضارة ان يقتصر على نوع معين من التطور في زمن معين من دون الخوض الى مراحل الاخرى. لكنها تغلبها تلك المرحلة التطورية فوق جميع انواع تطورات الاخرى, فلذلك نقول ان الحضارة في مرحلة معينة من التطور. مثلاً, قد تكون الحضارة في مرحلة البقائية ولكن هذه لا تعني انها تخلو من تطور الشهواني. وقد تتوسع الحضارة وهي في مرحلتها النظامية. ما عدا حضارة البقائية, فان الحضارة لا تستطيع وصول الى مرحلة تطور التوسعي اطلاقا الا اذا حلت مشكلتها البقائية.

كذلك الانتقال عبر المراحل التطورية تكون مستمرة بدلا من ان تكون منفصلة. اي ان الحضارة تنتقل بشكل تدريجي بين المراحل التطورية وليس بشكل متقطع.

بعض الاحيان تظهر هناك تباطؤات في تطور مجموعة معينة من اهل الحضارة وتسارعات في مجموعة اخرى. هذه التباطؤات والتسارعات تصدر بسبب عدم وجود سياسة متينة ومجتمع متين داخل الحضارة. ومن تلك التباطؤات والتسارعات تنقسم اهل الحضارة الى قسمين: المجموعة اقل تطوراً (الفقراء), والمجموعة الأكثر تطوراً (الأغنياء). الفقراء هم الذين لا يملكون احدث التقنيات أو يصلهم تلك التقنيات متأخرة نتيجة تباطؤهم, وهم كذلك عادة اقل تعلماً وقدرةً ومهارةً من الاغنياء حيث لا يستطيعون تغيير المواد الخامة الى نظامهم او الى نظام مفيد لهم.

للاستكشاف ثلاث أنواع: أولاً هي استكشافات العشوائية التي يقوم بها اعضاء الحضارة بالتقدم وطلب علم عشوائيا من دون اهداف معينة بل فقط لمعرفة السيطرة وربط وكذلك فهم الاحداث الطبيعة, ثم بناء واقامة مشاريع على غرارها. ثانيا هناك استكشافات استجابية, وهي تكون محفزة من قبل البيئة على افراد الحضارة يقومون بالبحث واستكشاف علوم ومعارف التي تلبي حاجة والبيئة وتكفي من شرورها, وكذلك تغذي المجتمع وتخلصهم من شعور السيء المحسوس. ثالثا هناك استكشافات مستهدفة, وهذه تكون ارقى استكشافات وفيها منافع كثيرة للحضارة, والحضارة التي يتمارسها هي تعد من الحضارات المتقدمة. وهذه الحضارات تقوم باستهداف شيء معين ثم ايجاد اقصر السبل واسنها واقلها جهدا اليها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع