تاريخ الكورد للأجيال(الجزء السادس عشر)

49

تكملة تاريخ الكورد للأجيال
الجزء السادس عشر

المصادر
دراسة فلاح ميرزا محمود عن الأقوام والطوائف التي سكنت بلاد مابين النهرين
الدراسات التي قام بها المؤرخين العرب والأجانب
المصادر التاريخية التي تمتد إلى قرون قبل الميلاد وقبل الإسلام
تكملة إمتداد الجذور التأريخية للشعب الكوردي في أعماق كوردستان

إنّ الإسم السومري لمحافظة ميسان (العمارة) هو (ميشان)، حيث أنّ كلمة “ميش” في اللغة الكوردية تعني “حيوان” و اللاحقة “ان” هو علامة الجمع و بذلك إسم “ميشان” يعني “حيوانات”. في يومنا هذا تعني كلمة “ميش” في اللغة الكوردية “الحيوان”، و كذلك تعني “الفأر و الذباب” و “ميشوله” تعني “بعوض”. كما لا تزال هناك منطقة تقع بين مدينة العمارة و مدينة الأهواز تُسمّى ب”دَشت ميشان”، حيث أنّ “دَشت” باللغة الكوردية تعني “خارج أو إمتداد أو براري” و ذلك لكون “دَشت ميشان” تُشكّل إمتداداً لمدينة ميسان (ميشان). كما أن الأستاذ محمد جميل روژبياني يذكر بأن كلمة “الهور” هي مفردة كوردية و أن الكلمة الكوردية “هوراو” تعني “المستنقعات”.

من الدلائل الأخرى التي تُثبت بأن السكان الحاليين في جنوب و وسط العراق هم أحفاد الكورد و لا ينتمون الى العرب بأية صلة تُذكر، هي الأسماء الشخصية للمواطنين الشيعة في وسط و جنوب العراق، حيث أن أسماء الكثير من أسلافهم هي أسماء كوردية خالصة، ربما قد تمت عليها بعض التحويرات البسيطة التي حدثت خلال الحقب التأريخية المتعاقبة التي مرت بها المنطقة. على سبيل المثال، لا الحصر، الأسماء الشيعية (سباهي) متحورة من الكلمة الكوردية (سپاه) التي تعني (جيش) و (إبريسم) المأخوذة من الكلمة الكوردية (هوريشم) التي تعني (الحرير) و (چلاب) الآتية من الكلمة الكوردية (گول آو) التي تعني (ماء الورد) و الإسم الشيعي (خنياب) المأخوذة من الكلمة الكوردية (خوين آو) والتي تعني (ماء الدم أو ماء الحياة). كلمة (شروگي) التي تُطلق بالعامية العراقية على الشيعة والتي تعني (شرقي)، هي للإستدلال على أن منبع الشيعة هو الشرق أي شرق دجلة (كوردستان).

الشعبان الشيعي و الكوردي كلاهما ينحدران من السومريين الذين أسسوا أول حضارة مدنية متقدمة في العالم. الشيعة، كإخوانهم الكورد و الفرس و البلوش و الأفغان و غيرهم في المنطقة، ينتمون الى الأقوام الآرية و ليست لهم أية صلة بالساميين. من هنا يتأكد المرء بأن الشيعة في وسط و جنوب العراق و في خوزستان هم مستعربون. بعد الإحتلال العربي الإسلامي لبلاد الرافدين، تم تعريب القسم الأكبر من الكورد القاطنين في وسط و جنوب العراق و الذين يُشكلّون الشيعة العرب (المستعربين) العراقيين، بينما إستطاع قسم آخر من سكان المنطقة الإحتفاظ بقوميتهم و لغتهم الكوردية وهم الكورد الفيليون. من هنا نرى أن الشيعة و الكورد ينتمون إثنياً الى شعب واحد و يرتبطون برابطة الدم و القرابة، بالإضافة الى العلاقات التأريخية و رابطة الجيرة و المصالح التي تربط بين الشعبين منذ فجر التأريخ. بعد الحكم الطائفي في بلاد الرافدين الذي بدأ في أواخر عهد الخلفاء الراشدين، تحمل الشيعة و الكورد معاً الإضطهاد و القتل و الإلغاء و الفقر الذي فرضها عليهم الطائفيون الغرباء، الى أن تكللت جهودهم و نضالهم المرير، التي إستمرت لقرون طويلة، بالنجاح، حيث إستطاعوا إزاحة الحكم الطائفي البدائي في العراق في سنة 2003 ليصبحوا أحراراً في بلدهم لأول مرة في تأريخهم الحديث. إذن العلاقة بين الكورد و الشيعة هي ليست وليدة اليوم، و إنما تمتد جذورها في عمق التأريخ، حيث ينحدرون من السومريين. إنها علاقات صميمية شامخة، متأتية من تراكمات وشائجية هائلة عبر التأريخ.

من الجدير بالذكر هو أن أول نزوح عربي بدأ الى الحيرة في القرن الرابع الميلادي، حيث وافق الساسانيون على نزوح العرب و جعلهم رعية لهم لإستخدام العرب النازحين في محاربة البيزنطينيين الذين كانوا يحكمون سوريا آنذاك. البيزنطينيون أسكنوا بدورهم قبائلاً من العرب االغساسنة قبالة الساسانيين، مستخدمينهم كدروع بشرية ضد الهجمات الآتية من الساسانيين. عند نزوح القبائل العربية الى العراق الحالي في القرن الرابع للميلاد، كان الكورد يُشكّلون أكثرية سكان العراق، حيث أن الكورد هم الذين وضعوا اللبنات الأولى لصرح مدينة بغداد.

قد يتساءل المرء لماذا تم إستعراب سكان وسط و جنوب العراق بعد إحتلال المنطقة من قِبل العرب خلال العهد الإسلامي، بينما كان من المفروض عملياً أن تصبح الأقوام الغازية، التي كانت تشكل الأقلية بين سكان المنطقة المحتلة، جزء من السكان الأصليين و تذوب فيهم! إن هذه الحالة العكسية حصلت نتيجة أربع أسباب رئيسة. العقيدة الإسلامية و لغة القرآن العربية ساهمتا بشكل كبير على هيمنة اللغة العربية و الثقافة العربية على لغة و ثقافة السكان الأصليين في وسط و جنوب العراق. العرب المحتلون كانوا أكثر قوة من السكان الأصليين، بدليل تمكنهم من إحتلال بلاد الرافدين، و شدة بطش و عنف المحتلين العرب، كانت عاملاً آخراً في تعريب شيعة العراق. منطقة وسط و جنوب العراق هي محاذية و قريبة للجزيرة العربية، التي منها إنطلق العرب المسلمون للإستيلاء على المنطقة، مما سهّلت من عملية إستعراب الشيعة، حيث أن وقوع المنطقة بجوار موطن المحتلين، ساهم في إحكام قبضة المحتلين على المنطقة و السيطرة عليها و التحكم بحياة السكان الأصليين و إرسالهم قوات كبيرة الى الوسط و الجنوب العراقي لتعزيز حكمهم و سيطرتهم على المنطقة و التي أدت الى زيادة هيمنتهم و نفوذهم فيها. كَون جنوب و وسط العراق منطقة سهلية مفتوحة، تفتقد الى تضاريس أرضية دفاعية، ساهم في تسهيل عملية تعريب الشيعة لسببين: الأول أن تضاريس المنطقة أجبرت سكان المنطقة على الخضوع للمحتلين بسبب عدم قدرتهم على المقاومة، و السبب الثاني هو أن الطبيعة السهلية للمنطقة ساعدت على سهولة إختلاط و إحتكاك السكان الأصليين مع المحتلين العرب و التي ساعدت في سيادة اللغة العربية و الثقافة العربية في المنطقة و تعريب سكانها.

لولا الطبيعة الجبلية المحصنة لكوردستان و ُبعد القسم الجبلي من كوردسان نسبياً من الجزيرة العربية، ربما كان الكورد الجبليون سيواجهون نفس المصير الذي واجهه إخوانهم الكورد في وسط و جنوب العراق و كانوا يستعربون مثلهم. هكذا بالنسبة للفرس و الباكستانيين و الأفغان و غيرهم من الشعوب التي أُجبرت على إعتناق الدين الإسلامي، بعد إحتلال بلدانهم من قِبل العرب المسلمين، حيث أنه لولا بُعد بلدانهم عن الجزيرة العربية و الطبيعة الجبلية لبلدانهم، لَكانوا قد إستعربوا، كما حصل لسكان الوسط و الجنوب العراقي الشيعي.

المصادر
المسعودي (1981) . مروج الذهب ومعادن الجوهر. الجزء الرابع، الطبعة الرابعة، دار الأندلس / بيروت، الصفحة 60.

باجلان، إبراهيم (2002). حول العلاقة بين السومريين و الكرد الفيليين و الحقائق. جريدة الإتحاد، العدد (455) و الصادر في 11/1/2002.

يتبع
الدكتورة ڤيان نجار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع