بلا مخرج

22
بلا مخرج
سميرة سامي عواد

ذات مساء رائع، دعوته إلى العشاء، وعملت ما بوسعي لأجعله مسروراً وراضياً، أما زوجتي القلقة المتكبرة والعصبية منذ الولادة؟! كانت طوال الوقت تفرك راحتيها بعضها ببعض تعدل في أصناف الطعام، وفي هندامها وطلاء وجهها.
الآن أصبح كل شيء جاهزاً، ولم يبق أمامنا سوى مشكلة صغيرة!! أمي ماذا سأفعل بها؟ كيف سأقصيها أقصيها؟ وهي امرأة بلا أهل! أأضعها عند الجيران هذه الليلة؟ ولكنهم نمَّامون سأصبح مضغة في الأفواه! سألت: زوجتي فردَّت متأفِّفة متذمّرة: هذا شأنك، لن أحشر نفسي بينكما، تذكر أيضاً أنها تمشي بنومها، وحين تطلق شخيرها توقظ أهل الكهف وما خفي أعظم..
دخلت إليها أول المساء، كانت جالسة على سريرها في سلام روحي مطلق، ووجهُها المغضَّن سابح في الصلوات والدعاء….
قلت متلجلجاً وحلقي الجافُّ يخونني:
– أمي يجب أن تنامي مبكراً هذه الليلة.
صُدمت… رمقتني بنظرة ذابلة وقالت باستكانة:
– سأفعل.
– حاولي أن تكتمي شخيرك.
– سأحاول… ثمة أوامر أخرى؟ واستطردت بشجن، أودعني دار المسنين لأُمضي ما تبقى من عمري هناك، إني أعاني من الوحشة والوحدة المطلقة… وتابعت صلواتها بعصبية صامتة.
غادرت مطأطأ الرأس، بدون أن أنظر في عينيها لأهتم بباقي التفاصيل .جاء الضيف الموقر برأسه الكبير ووجهه المترف، جلسنا حول المائدة نتسامر ونتبادل الأنخاب، وحين دارت الصهباء في رأسه، بدأ بلا أيّ داعٍ يطوف بغرف المنزل، وأنا أتبعه بوجل. فتح باب غرفتها الكهفية المهملة بجدرانها العارية إلا من حزم القش الملونة، هنا على السرير ترقد متقوقعةً تطلق من فمها أصواتاً ناشزةً منفرة….
فقهقه عالياً… استيقظت واستوت في الفراش مرتبكة، غطت شعرها الثلجي، وحاولت أن تحيّيه، فأخفقت!؟ قبّل يدها بتواضع كاذب وتمتم بشيء ما. أخبرته بأن أمي من أصول ريفيَّة تحب الأشياء التراثية، و تبرع في صناعتها.
– أتريد أن تصنع لك طبقاً مزخرفاً من القشِّ؟
– لِمَ لا؟!! وأنا أيضاً أعشق التراث.
– سمعتِ يا أماه؟
ابتسمت بوهن وقالت: أنا متعبة. حكَّ لحيته… تطلّع إلى النافذة, شكرها، واتجه إلى المائدة ثانية، وعلى وجهه مسحة من الخيبة.
مع انبلاج الفجر فاجأتنا أمي بدخولها تحمل بكلتا يديها تحفة فنيَّة حقيقية، قدمتها للضيف الذي جحظت عيناه وعانقها بقوة قائلاً: أبدعت يا أماه، فبدا جسمها الضئيل هشّاً هزيلاً أمام جسمه الضخم والقوي .
دمدمت وهي تلهث: لعله يرضي ذوقك، لأنه أنهكني. فقلت بغضب:
– هل يعقل؟ قد نحتاج لاحقاً لتحفة أخرى.
وهمست لها: إنه من (أولي الأمر) وولي نعمتي، سأحصل منه على ترقيات ومكاسب كثيرة….
تغرغرت بالفرحة وقالت:
– أنت وحيدي وينبوع أفراحي، سأفعل ما يسعدك ويرضيك حتى أُوَارى الثرى.
فقلت بطريقة آلية ونفاد صبر:
– أمي دعينا وحدنا وعودي إلى سريرك.
21- 3- 2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع