بلادُ الأحلام تلوَّحُ لي

70
بلادُ الأحلام تلوَّحُ لي
مرام عطية

 

في بلادٍ وارفةٍ كالعيدِ ، مطعَّمةٍ بالزعفرانِ كطبقٍ شهيٍّ ، معجونةٍ بالحليب واللوز كأقراص العيدِ، كانَت الحياةُ صديقةً حميمةً لنا، وكنَّا طيبين كالوفاء .

في بلادٍ قديمةٍ كلوحةٍ فسيفسائيةٍ أثيلةٍ، مسكونةٍ بالوردِ كأفئدةِ الطفولةِ ، كان لنا وطنٌ قشيبٌ يسرِّح هدبهُ بين الغيومِ فتغطي وجهها خجلاً ، ينقش سطراً من زروعٍ فتضحكُ الفيافي اخضراراً ، كان الرعاةُ يفترشون القلوبَ بأغنياتهم و يسرِّحونَ قطعانهم في فضاءاتِ الروحِ ، و كان النهرُ يسهرُ مع العاشقين ، يهمسُ بالشوقِ في أذن نجمةٍ عاشقةٍ تسلَّلتْ في العتمةِ من نافذةِ بيتها إلى سعفِ الحورِ والصنوبرِ ، ثمَّ يسكبُ لهم كؤوسَ النورِ بغبطةٍ حتى يسكروا بخمرةِ الصباحِ
كانت الشمسُ تقبلُ وجوهَ الناسِ المشرقةِ بالحبِّ وترشُ على الأوقاتِ الكثيرَ من الياقوتِ والفيروزِ ، فيفرحون بهدايا السماءِ وتزدانُ اللحظاتُ بألوانِ الشَّغفِ و أقواسِ الفرحِ
وحين تودعُ الشَّمسُ النهارَ يصيرُ الليلُ وسادةً ناعمةً من الزهرِ الفارهِ للمتعبينَ والمقهورينَ
أما الآنَ فالقمرُ يسهرُ وحيداً يبحثُ بين الكرومِ وتحت عرائشِ البنفسجِ و الزيزفون عن نبضِ ربيعٍ ، يفتشُ في الشرفاتِ المطلة على الروابي الخضر عن أحبةٍ كرامٍ غادروهُ إلى أماكن بعيدةٍ ، فيلفُّ وجههُ بغيمةٍ شاحبةٍ ودموعه تسيلُ كالسواقي على وجنتيَّ
اليومَ جيوشُ الأسى تحتلُّ النهاراتِ ، تغتالُ الصباح وهو طفلٌ وليدٌ ، وتصطادُ عصافيرَ الحبورِ من عيون المحبينَ ، والفقرُ يملأ جرارَ الفلاحين الفارغةِ بالآهاتِ ويجرعهم الغصصَ تلو الغصصَ
بلادُ الأحلامِ تلوحُ لي ، أسائلُ الزهور ُعن فراشةٍ كانت هناكَ تدور ، عن سمراءَ كانت يوماً صديقةَ عصفورٍ ، فتبكي عيناها ، و أرى جسدي النحيلِ معلقاً ما بين الأرضِ والسماءِ كشمعةِ رجاء .

مرام عطية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع