“ان بعض الظن اثمٌ” الشـّك

42

ارتعش الضوء على شبّاكها ومات . وحل الظلام ضيفا ثقيل الظل , اذ جلب معه الوحشة ووثاقا يمنعها من الحركة والانسياح كما تريد في ارجاء المكان . تلمست خطاها العواثرالى المطبخ حيث شمعة حنون تساعدها وتريدها ان تجتاز عتبات الظلمة الى موعد عودة النور .
عاودت الجلوس في مكانها الاثير . لتلتهم افكار الوحدة والانفراد روحها , ها هي قد سقط عنها غطاء القربى وخيمتها ولم يعد يشدها الى الحياة غير رباط واحد , هو انتظار الاجل المحتوم . ما كانت لتخشى الموت فأوله انصهار بالام الكبيرة – الارض – . غير انها كانت تخشى العجز اللئيم . وتخشى ان تحتاج لجهود الآخرين لتسد عجز جهودها الشخصية عن بلوغ الذي تريده . جيرانها أو اقاربها الابعدين . وتخشى انكشاف العيوب ونظرات العيون اللاتي تفضح رغبات التخلص من ربقة من لا نبالي به . كانت تفكر براتبها الضئيل والذي سيموت بموتها . فلا وريث لها يستحق الراتب الشهري . اذن من سيخدمها سيخدمها مجانا الا من بضعة ارائك وتلفاز قديم . حتى جدران هذه الغريفة والمطبخ ليست لها الا لحين وفاتها .
ذلك الفتى – قريبها من بعيد – الذي يساعدها احيانا بالتسوق لها واحيانا بتنظيف الغرفة والاثاث . يظن انها تملك شيئا , ترى ذلك في عينيه ترى الطمع يتقافز فيهما مثل حصان حرون . هو لا يتكلم ابدا في ذلك , وهي تتغافل عن بقايا مال التسوق الذي تضعه بين يديه كل اسبوع . ليأتي لها بما يعمر ثلاجتها . تطبخ ويأكلا معا . وحين ينصرف الى ذويه يكون شبعا مرتويا .
طالما امسكت نظراته الى ارجاء الغرفة تلك النظرات العميقة التي تمسح الاثاث والزوايا , كأنها تتمنى ان تشف عمّا وراءها . كانت نظراته – في رأيها – أشبه ما تكون بمثقب تدخل في العمق . وكانت نظراته تحمل من طاقة التفكير الكثير . جُلّ ما يتمناه كما تعتقد ان يكون حاضرا ابان موتها . ليسبرغور كل شيء قبل ابلاغ الآخرين به . كانت ستكون جولة مجدية في رأيه بلا ادنى شك .
ما كانت تجرؤ على النوم ولا على استعمال الحمام في وجوده بل كانت تنتظر حتى خروجه مهما كلـّفها الامر .
يوما ادعى انه بحاجة ماسة الى شيء من المال ليسدد به دينا عليه . لكنها افهمته من فورها ان ما لديها يكفي طعام الشهر فقط ودواءها . صمت وهو يخفض رأسه متمتما بما لا تدري .
أخذت منذ بضع سنين تشك بنوايا اي امرىء يقترب من بيتها الصغير وتظن الطمع في كل منهم , وبدا ذلك في معاملتها لزائريها بخشونة , فانفضوا عنها , غير ذلك الشاب الذي الجأه الفقر والحاجة اليها ليخفف عن كاهل ذويه . فهو بذلك يوفر بضعة وجبات اسبوعيا لاخوته الكـُثرالاصغر سنا . وان كان سيوفرها ايضا لو انه ارتبط باي عمل لساعة أو ساعتين يوميا . لكنه هنا يحسن للمرأة ويؤدي فروضه المدرسية فبيتها هادىء جدا , هذا ما كان يقوله لنفسه , ولم يكن يعرف بدواخل افكارها وسوء نيتها نحوه .
كان ايام امتحاناته يتأخر عندها ليكمل دراسته وكانت تتضايق جدا دون ان تجرؤ على الطلب منه ان ينصرف لمنزله .
أوشك العام الدراسي الطويل على الانتهاء , وكانت الامتحانات النهائية تأخذ وقت الفتى وتلتهمه . ولكنه لم يترك المرأة بل كثـّف مكوثه لديها ليدرس أكثر . وحين نجح في الامتحانات العامة اسرع اليها قبل ذويه ليبشرها بنجاحه . فهي قد ساهمت فيه بطريقة ما – كما يظن – فوجيء الفتى بجمود وجه المرأة وبخروج كلمة مبروك من فمها كما لوكانت حجرا ترميه به . صحيح انه كان ينتظر ان تعطيه بعض المال على سبيل الهدية , ولكن ذلك لم يحصل . بل كل ما حصل هو هذه التهنئة الباردة المتكلفة مما ادهشه كثيرا . حتى انها لم تكلف نفسها بان تعد له كأسا من الشراب الذي يقدم في مثل هذه المناسبات .
شكرها وخرج الى ابويه ليبشرهما . ابتسم والده عن اسنان متآكلة واطلقت امه زغردة مرتفعة واسرعت لشراء قنينة من شراب ما , لتعدها لجيرانها المهنئين بنجاح فتاها منقذ.
لم ينصرف الفتى عنها بل ظل يواصل التسوق لها. والاطلال عليها كل حين ورعايتها قدر الامكان . فقد وجد وظيفة صيفية بمرتب بسيط . كان يعطي نصفه لوالده ويحتفظ بالنصف الآخر لأنه كان ينوي اكمال تعليمه الجامعي . لم يتحدّث لاحد غير نفسه بامنياته ووساوسه . لان الخجل كان يركبه وكان يحدث نفسه قائلا : ربما لا تقبلني الجامعة , وربما اقبل بفرع لا اريده فلا اتم تعليمي , فلأصمت اذن .
كان يؤدي بعض الخدمات الى رب عمله وكان الرجل يكرمه . فكان يضم هذا المال الطارىء الى ما لديه من أنصاف راتبه . لم يكن يبر نفسه ولا يدللها لانه يعرف انه سيكون بحاجة شديدة للمال في الايام المقبلة .
بعد أشهر قـُبل الفتى في الجامعة بعيدا عن بيته واهله . احتار ماذا يفعل ؟! . أيذهب الى حيث لا أهل له ولا اصدقاء . فكـّر في قريبته ولمن سيتركها ؟؟ من سيرعاها ؟؟!!. من سيرعاها بعده ؟ّ أوشك ان يرفض الدراسة غير ان والده نصحه بالسفر وانه سيرسل لها بديلا عنه .
سافر الفتى وهو مطمئن . وارسل والده ابنه الاصغر الى قريبته المرأة الوحيدة لرعايتها والتسوق لها . غير انها طردت الفتى الجديد مدعية انها ليست في حاجة لهم ابدا .
صمت الاب منزعجا مما حصل . لكنه لم يفتح فمه باية كلمة .
كان الفتى منقذ يتقدم في دروسه ويتفوق دائما على اقرانه . وقد التحق بوظيفة مسائية تتيح له ان ينفق على نفسه ويعطي والده ما يفيض عن حاجته .
وكانت المرأة وقد قضمها الكبر مثل لقمة سائغة وتتالت عليها السنون واقعدها المرض . لا تزال تركب رأسها وتدعي كذبا انها ليست بحاجة لاحد . كانت تمضي الى مطبخها شبه زاحفة . وتهمل غسل اوانيها وتترك الاوساخ العالقة بملابسها في مكانها لانها لا تستطيع ازالتها .
وحين عاد الفتى فرحا بشهادته التي نالها بصعوبة . لا لقصور في جهوده ولا لبطىء في تفكيره . بل لقصور ذات يده ويد ذويه مما صعـّب عليه الحياة الجامعية .عاد منتصرا ليزف بشرى التفوق للمرأة التي كان يساعدها ويأمل ان تساعده – وكانت تستطيع – غير انها لم تمد يدها اليه أبدا ومع ذلك لم يتخل عنها كما فعلت هي .
عاد ليراها على فراش المرض , لا يرعاها احد لانها لم تفسح مجالا لاحد ان يساعدها تكبرا وعنادا وشكـّا بالجميع . اسرع الى طبيب جار فطلب اليه ان يسرع اليها بالنجدة . حين حضر الطبيب اشمأز من الدار وصاحبتها , لكنه قام بواجبه الانساني ففحصها ووصف لها الدواء فاسرع الفتى الى جلبه وسقاها اياه وهي ترفض ظانـّة انه يسقيها السم ليقتلها ويستولي على ما لديها .
ظل منقذ يرعى المرأة حتى شفيت . وكان قد نظف الدار وازال الغبار واعاد كل شيء لمكانه . فابلت من مرضها لترى بيتها نظيفا مريحا . وترى الفتى ينفق عليها من ماله الخاص على قلته . هنا , وهنا فقط اتقد خيط من ضوء الحقيقة في ذهنها الذي تراكمت عليه عتامات الشكوك فطمسته , فادركت مدى خطئها وسوء ظنها بالناس وعرفت ان الدنيا لا تزال بخير .

*****
سمية العبيدي

تعليق 1
  1. avatar
    إبراهيم يوسف يقول

    قرأت النص بكثير من العناية والاهتمام، ووجدت مضمونه مميزا كما توقعت، وذكرني أيضا بنص كتبته على أطراف الماضي بذات المعنى.. وهذا
    – مع خالص مودتي – الرابط إليه:
    https://www.oudnad.net/spip.php?article910

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع