اني والله أغار

24

اني والله أغار فتأكلني الغيرة وتسحقني سحقاً , أغار إذ أشهد أوطان الآخرين ترفل بالسلام وتلك نعمة ما فوقها نعمة , إني أغار من صفاء سمائهم الدنيا , من ابتسامة أحدهم في وجه الآخر , ومن كلمة طيبة يقولها بعضهم لبعض , حتى إني أغبطهم بل لنقلها صراحة أغار منهم لنظافة كل شبر من أرضهم التي وكلها الله اليهم لحفظها وإعمارها ونمائها , وأغار من روعة كل زاوية لم تترك لغبارها ولم تبتلى برمي المخلفات , مثلما إنها لم تترك لعريها ليتبعثر ثراها تحت أقدام السابلة بل كسيت بالعشب الأخضر النامي المتألق على وجهها وربما طرزت ونقشت بالورود والزهور الملونة . أعرف أن يد الجماعة خير من يد تفرقت أصابعها فساء عملها فاستغرقت في الأذى والجور- الذي طال الأرض والأشياء لا الناس فحسب – ونسيت صفة من صفات الله الا وهي الرحمة كما نسيت حسن التصرف , أغار من شارع آمن بلا مطبات لا للسيارات بل للبشر ولربما سقط بسببه الضعيف لكبر أو لمرض أو لطفولة سقط فيه على وجهه الذي كرمه الله فتمرغ في ترابه .

إني أغار من أن يمشي الآخرون الى الأمام ونمشي نحن الى الخلف كأن القهقرى قدرنا وما هي بقدرنا بل نحن من سرنا في هذا الدرب مختارين فهذا هو خيارنا الجماعي … أن نحبو في دروبنا غير اللواحب بالمقلوب , وأرى الامم تمشي سوياً نحو مستقبل تبنيه بيديها وتخطط له قبل أن تفعله فتنجزه على خير وجه وتجعله واقعاً تفخر به وتتباهى , أما نحن فنتخبط  في أخطائنا التي تنبثق من حيث لا نعلم إذ لم نخطط ولم نفكر مسبقاً بالأمر من كل جوانبه ونعرف سقطاته ومطباته ولم نُحط جيداً بأي عمل نعمله لذا لا يتم لنا عمل كما ينبغي وإن تم فضعيف خائر سرعان ما ينهار ويحتاج الى إعادة وإعادة .

إني أغار من العاملين بإخلاص  ليكسبوا رضا الله ورضا أنفسهم ورضا الناس وأرى المهملين يبعثرون ساعاتهم بما لا يجدي ولا ينفع . يبعثرون العمر والشباب – وكلاهما عملة صعبة قابلة للنفاد – يبعثرونها بين لهو وبين لغو وثرثرة لا تسمن ولا تغني من جوع . أغار من وطن رتب نفسه وشغّل شبابه وكوادره جميعاً ولم يدع يد البطالة تعبث بالناس وأعمارهم وأقدارهم فخلق جواً يقود الى منزلق خطير الا وهو  الفساد وقديما قال الشاعر

إن الفراغ والشباب والجدة              مفسدة للمرء أيّ مفسدة

فما بالك إن كان الفراغ شديداً والشباب لا يجدون شيئا الا الفقر والحاجة والفاقة .

أغار من أخذ الآخرين بأسباب الحضارة من مواصلات حديثة منتظمة الزمن والإيقاع رخيصة نسبة الى مدخولاتهم مما لا يضطر كل فرد منهم الى شراء سيارات تضيق بها الطرق وتزدحم المدينة بها وبمحروقاته حد الاختناق . كما أغار من بعضهم الذي لجأ لاستعمال وسائط نقل بسيطة وعملية لا تفسد جو مدنهم الرائع بالمحروقات غير متعال ولا مستنكف ولا مدعي حياء لا سبب له الا أوهامه .

أغار من سهولة تعامل الفرد مع المنشآت والدوائر في البلدان الاخرى ومن تسهيل أمور الناس لا تعقيدها ومن النظام والترتيب الذي يأخذ به الآخرون فلا يدعون الناس في حيص بيص ولا في توتر دائم وزحام قاتل .

أغار على أرض أهدرت طاقاتها وجُمد أبناؤها فلا يطمحون الى عمل يمارسونه غير الوظيفة إذ لا مصانع في البلد تعمل لتلم شمل العاطلين وكل الشباب الطموح بين قاعاتها وأقسامها ولا مزارع ليرتع العمال الزراعيون بين حقولها وبساتينها ولا ضمان اجتماعي مكفول ليتجه الأبناء الى أعمال اخرى وينصرفون عن الوظائف إذ كل عمل يقدمه المواطن مضمون ومكفول في حالتي التقاعد والعجز . أغار من الشوارع الفسيحة بمقترباتها الجميلة التي تلمس الفؤاد وتجعل السير فيها فرحة والجلوس على مصاطبها نزهة تلك المصاطب التي يحافظ عليها المواطنون كما يحافظون على أثاث منازلهم لا أن يخلعوا مساميرها ويكسروا روابطها كي تنهار أو تتحطم  لتشوه صورة المكان وتملؤه بالقبح والقذارة فضلاً عن فادح الخسارة .

أغار من بلد وجه جهود أبنائه ووزعها حسب الحاجة ونسي إن الأعمال كلها محترمة ما لم يكن فيها غش ولا استغلال ولا سرقة ولا فحش وإن من يقوم بها يستحق الاحترام مهما تواضعت مهنته ونسي إن المهن التي يقدرها ويحث عليها إنما هي فرض كفاية فكيف سيكون وسيستقيم مجتمع كل أفراده أطباء أو كلهم مهندسون أو كلهم قضاة مثلاً .

أليس من حقي أن أغار ؟! .

*****

سمية العبيدي

هذه المقالة تنشر غدا 15 /7 / 2016إن شاء الله في جريدة الزمان

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع