المغنية و الكاتبة الامازيغية ماري لويز طاوس عمروش

أو حكاية المنفى و الكينونة الممزقة

124

المغنية و الكاتبة الامازيغية ماري لويز طاوس عمروش أو حكاية المنفى و الكينونة الممزقة

بوخلاط نادية

ماري لويز طاوس عمروش

 

ماري لويز طاوس عمروش أديبة و فنانة امازيغية مسيحية من الجزائر حيث تعود أصولها إلى قرية “إغيل علي” الواقعة في أعالي بجاية، القرية تمتد على امتداد علو الجبال تطل على منطقة الصومام و”إفري أوزلاڤن” التي شهدت انعقاد مؤتمر الصومام التاريخي أثناء الثورة التحريرية.
هي ابنة فاطمة آيت منصور وشقيقة الكاتب جان عمروش، وهي أول روائية جزائرية وقد نشرت باكورة أعمالها في العام 1947 ” الياقوتة السوداء “الذي كتب بلغة بالغة الحيوية عامرة بالثقافة الشفاهية وقد استوحت موضوعها من تجربتها كامرأة، و عندما نشرت مجموعتها القصصية “البذرة السحرية” في العام 1966 وقعته باءسم مارغريت- طاوس عرفانا بفضل والدتها المناضلة الامازيغية الشاعرة “فاطمة آيت منصور” التي علمتها الكثير من الأغاني والحكايات والكثير من التراث الشفهي ومارغريت هو اسم أمها بعد أن اعتنقت المسيحية.
أدت بصوتها العذب بالتوازي مع كتاباتها الأدبية، الأغاني الأمازيغية بلغتها الأصلية، والتي كان أخوها جان قد ترجمها، وشاركت بهذه الفعاليات في مهرجانات مثل مهرجان دكار 1966.
الجدير بالذكر الجزائر بلدها الأصلي لم يقدر نشاطها هذا ولم تدع إلى المهرجان الثقافي الإفريقي في الجزائر العام 1969، مع ذلك دخلت الجزائر لتغني أمام الطلبة الذي حرمت منه ،و يرجع سببه في تنكر الحكومة الجزائرية لها هو دعمها للثقافة الأمازيغية التي كانت الحكومة ترفض الاعتراف بها و ترفض الاعتراف حتى بوجود شعب أمازيغي، عملت طاوس على الدفاع عن شعبها و هويتها وقد أسست في العام 1966 الأكاديمية الامازيغية بباريس.

ماري لويز طاوس عمروش

 

بمناسبة مئوية رحيلها أيضا أصدرت اكاديمية الآداب بفرنسا طبعة جديدة تضم كتبها الروائية والقصصية الأربع “البذرة السحرية”، “شارع الدفوف” (1969)، “العاشق المتخيل” (1975)، و “عزلة أمي” (1995) التي صدرت بعد وفاتها.
كتب لها الناقد دونيز إبراهيمي مقدمة هي عبارة عن دراسة قيمة عن كاتبة لم تكرس لها أية دراسة تليق بمكانتها، إضافة إلى أنه من الصعب الآن العثور في المكتبات على أعمالها والتي لا تقتصر على الروايات، بل صدرت لها ألبومات منها (أغان قبلية امازيغية 1967حازت الذي توج ، تلاه البوم بعنوان” أغان من جبال الأطلس” سنة 1971، “أغاني حجر الرحى والمهد” الذي أصدرته سنة 1975.
و ظل الجدل يدور حول ما إذا كانت هي أو جميلة دبيش الرائدة في ميدان الرواية لأن هذه قد أصدرت روايتها “ليلى صبية من الجزائرفي 1947، ولكن يقال أن رواية طاوس كانت جاهزة للطبع منذ 1939 وتأخر طبعها بسبب الحرب.
و طاوس عمروش هي القائلة” أنا هجينة الحضارة”، لم تكن وحدها تعاني من التمزق ما بين لغتين وثقافتين، ودينين ربما، بل كانت هذه مشكلة شقيقهاأيضا، و بهذا الخصوص يقول المؤرخ “فينسنت مونتيل” في تقدمة لكتاب أمها الذي عنونته “قصة حياتي” الصادر سنة 1967 بأنه سمع جان يردد هذا الشعر: ” لا أملك إلا اسما/ اسم إنسان/فرنسا ليست سوى اسمي الأول” ومن ثم اردف قائلا:” لكن هذا الاسم الأول مهم”.
حذفت طاوس اسمها المسيحي “ماري لويز” مع أنها نشرت كتابها الأول به، واحتفظت باءسمها الأمازيغي. غير أنها وقعت مخطوطة روايتها الأخيرة تحت “مارغريت طاوس إكراما لوالدتها.
وظل ذلك الصراع الهوياتي قائما في اعماقها حتى وفاتها ، ولكنها كانت طوال حياتها ما بين الولادة والممات بربرية أمازيغية قلبا و قالبا و معتزة باءرثها و تراثها بالرغم من أن أطول إقامة لها في الجزائر لم تتعدى مرحلة طفولتها.
كانت طاوس في مجمل كتاباتها كأنها تلقي الحبر على الجروح ولم تكن تفعل بهذا إلا جعلها أكبر وأكثر تقيحا، بدءا من جروحها الشخصية و الحنين إلى الطفولة، والعذابات الأنثوية، إلى الانتماء إلى ثقافة مقموعة ومأساة شعب يعيش محروما من ارثه العرقي و التراثي .
في سن العشرين أمسكت القلم لتفتح به بابا لم تستطع بعد ذلك أن تغلقه طوال حياتها، لأن ما رأته خلف ذلك الباب لم تكن تطيقه، فاللغة، بوصفها كينونة مستعارة وبديلا للحياة، وضعتها في قلب إعصار التعبير وجعلتها ترى ما جهدت لأن تجد له تفسيرا، لقد ” رأت” بعيون أمازيغية اللون تناقضات وجودها، وربما كان الغناء هو حلها الأمثل ودواءها لجروح عجزت اللغة عن مداواتها.
في احاديثها و لقاءاتها الصحفية كانت تتفتق جروحها دون تحفظ كانت تحكي عن تلك المأساة التي عاشتها والدتها فاظمة آيت منصور ، مأساة تكررت و سارت هي على دربها .
ولمن لا يعرف عن طاوس عمروش سوى أناشيدها الأمازيغية المؤثّرة حيث كانت مغنية و صاحبة صوت جهوري تشكّل هذه الروايات الأربع مشروعاً جريئاً وضخماً حاولت من خلاله إعادة امتلاك نفسها، هي المولودة من عائلة هاجرت إلى تونس قبل أن تستقر شخصياً في فرنسا، حيث عاشت الجزء الأكبر من حياتها، وتختار الفرنسية لغة للكتابة.

طاوس عمروش و جروح المنفى المتفتقة

منفية ستبقى تلك “الملكة الشابة ذات العرق الغامض والدم الأفريقي”، كما نقرأ في “ياقوتة سوداء”، والتي ستتساءل صديقاتها إن لم تكن امرأةً مجنونة متعطّشة لتدمير النظام والعادات والقواعد المتّفق عليها، منفية مثلها مثل شخصية “ماري كوراي” في رواية “شارع تامبوران”، التي تعبر أزمات تصوّف وتعرف جيداً أنها ليست متأقلمة مع محيطها الاجتماعي، و هي أيضا ومثل شخصية أمينة، في “عزلة يا أمي” و”العشيق الخيالي”، التي تقول إنها “فتاة الكهف وعصر الصوان” وتسرّ لنا بأن اعتناق عائلتها المسيحية جعل منها شخصاً موبوءاً يتجنّبه الجميع، منفية لكونها ترى في نفسها كائنا هجيناً، مسكوناً بالمغالاة، وقادراً فقط على أقصى الإثارة والاحتدام، تحركه حمى الجسد وصوفيته.
ولا مبالغة في شعور عمروش بالنفي حيث كانت زهرة مقتلعة من تربتها، تتوجّه نحو الشرق، حين كانت تشعر بأن الغرب يلفظها على أمل أن يكون أكثر رأفةً بها ونحو الأدب، حين كان الشرق يخيب أملها أيضا، فتكتب كما لو أنها تشرّح نفسها والآخرين، فلطالما أججت داخلها تلك الرغبة في تشريح ما تبقى لديها من أوهام، خصوصاً حين انطلقت بموازاة عملها الروائي، في كتابة دفاتر يومياتها الخمسة، بين عامَي 1953 و1960.
يذكرها شقيقها الأكبر الكاتب “جان الموهوب عمروش” في مذكراته حيث يقول : “إنها كانت تمثّل في العائلة الجانب المؤلم والمتحفّظ، وإنها لم تكن تُثبت نفسها إلا في التمرّد المطلق، وهذا ما يتجلى بقوة في دفاترها الحميمة التي تصدر للمرة الأولى حتى و ان كانت قد اعتبرت نفسها كعاشقة “سهلة الانقياد بشكلٍ مؤسف”.
لكن ما يتجلى خصوصاً في هذه الدفاتر هو العشق الذي غذته طوال ثماني سنوات ل”جان جيونو”، الكاتب صاحب “القلم الإلهي” الذي كان يناقض إعجابها به من فرط “خساسته وعدم إخلاصه وفظاظته”، وفي هذا السياق، تقول أيضاً إنه أدخلها إلى حياته من الباب الخلفي فبقيت تحت سلطة حبٍّه الجائر إلى حد ولّد فيها ضغينةً ودفعها إلى عدم فتح قلبها في دفاترها إلا كي تقول رغبتها في الانتقام، وبينما كان جيونو يسمّيها “أنتيغون” حياته، كانت هي تتماثل أكثر مع النحاتة “كامي كلودِال” التي سحرها النحات “رودان” وسممها حبها له”.
ومثل كلودِال استسلمت عمروش لافتتانها بجيونو فتركت نفسها تُهان وخضعت لإرادة هذا الكاتب الذي قال مرارا بأنه كان يقاومها بكل قوته، كما لو أنها كانت خطيرة، متطلبة جداً، ومستأثِرة جداً.
و أمام هذه الحقيقة لم يبق أمام عمروش سوى الكلمات التي كانت تنتظر منها الشفاء، لأنها كانت تشعر بأنها مبتورة، مُتلَفة بتلك “الشوكة في القلب” التي كأنها جيونو في حياتها.

امرأة أمضت حياتها تبحث عن نظير لها لتغترب فيه

كانت ماري لويز طاوس عمروش تكتب مثل نظير حلمها ، الفتاة أمينة في “عزلةٌ يا أمي”، عبر التواري في ما كانت تكتبه، كما في حريق غابة، عبر السكن في عالمٍ من لهبٍ ونيران كي تتطهّر من عواطفها تجاه جيونو. وكانت قد فكّت ارتباطها المرضي به منذ زمن طويل لو لم يكن يملك تلك “الموهبة السحرية” في التعبير التي كانت تفتنها كلياً ووضعتها تحت سلطته، حتى قبل صيف 1952 الذي رافقت فيه شقيقها جان إلى مدينة “غريو لي بان” لإنجاز سلسلة حوارات مع صاحب “ملك بلا سلوة”.
و الجدير بالاشارة فاءن الكتابة بالنسبة إلى طاوس عمروش، كانت أيضاً وسيلة لإعادة امتلاك نفسها والتحرّر من ذلك الذي كان يجب، بحسبها، أن يكون فخوراً بأن الحب اللامتناهي الذي ربطها به كان يثير رغبتها في الكتابة و يثريها ويدفعها إلى إعادة خلق ما لم يكن سوى عذابٍ، لأنها كانت من أولئك الذين ينسجون بأنفسهم، وبتفنونٍ كبيريرسمون خيوط تعاستهم.
مثل التونسية الأمازيغية رين (ملكة) في “ياقوتة سوداء”، كانت مغوية ترى نفسها كمراقبة “خارج المجموعة” و تترصّد ذلك الجانب الغريب في كل شخص، علماً أن بعضهم كان يرى فيها عبقرية الشر.
فعمروش، التي ابتكرت جميع تلك الشخصيات النسائية الحائرة والضائعة، تظهر لنا في دفاترها الحميمة كامرأة مشغوفة ومتّقدة، كل شيء يجرحها من فرط حساسيتها. ومع ذلك، حين كانت تكتب، لم تكن ترغب في بلوغ شيء آخر، داخل لعبة العواطف، سوى الدقة في “التحليل الذي تذهب به إلى حدود القسوة”.
على مدى سنوات طويلة، لاحقت عمروش العاشقة “سرابا جميلاً وقاتلاً” حتى فقدان نفسها، ولم تكن إلا انتظاراً وألماً، ولكن أيضاً إثارةً ورغبةً في إعادة ابتكار الحب، حتى في قلب خيباتها. وبالتالي، لم تكتب لتضمّد جروحها فقط، بل لتعثر أيضاً على وطن خيالي تنفي نفسها فيه ويقيها شر وتمزقات كينونتها.
سواء في الحب أو في الأدب، طاووس عمروش كانت تشبه “أورفيوس” و كانت الأدوار مقلوبة، إذ كان جيونو هو “أوريديس”، لأنها كانت تضيّعه دائماً ، وفي كل مرة كان يحصل ذلك و حينها لم يكن أمامها سوى “تحويل هذا الحب الخائب إلى كتب”.
ولا شك أن “ريلكه” كان قد بجلها، لو عرف تلك المنفية من الحب، تلك “العاشقة الخارقة” التي أمضت حياتها تبحث عن نظير سامق تغترب فيه.

التهميش و النسيان في وطنها، القدر الذي فرض عليها حتى وفاتها

عاشت الطاووس عمرووش التهميش والنسيان والتنكر، حيث لم تتردد على الجزائر إلا نادرا إذ تمت دعوتها في نهاية الستينيات لتحاضر حول أخيها “جون المهوب عمروش”، وعادت مرة أخرى بدعوة رسمية من الطالب الإبراهيمي، وزير الثقافة والإعلام، لتكون ضيف شرف المهرجان الثقافي الإفريقي الذي احتضنته الجزائر سنة 1966 بدون أن تعتلى منصة الغناء، لكن الطاووس عبرت يومها عن رفضها لهذا القرار الذي رأته إجحافا في حقها بمقال مطولا نشر في “لوموند” لفرنسية وتحدت قرار السلطات يومها واعتلت منصة الغناء أمام الطلبة والشباب في بن عكنون، فكانت بداية تردى العلاقة بين الطاووس عمروش والسلطات الجزائرية، خاصة عندما فتحت النار في ثالث زيارة للجزائر على العديد من المسئولين والوزراء أين تم احتجازها بمطار هواري بومدين ولم يطلق سراحها لا بعد تدخل سفير الجزائر في باريس يومها “رضا مالك”، ومن تلك الحادثة لا أحد يجرؤ في الجزائر على الحديث عن الطاووس عمروش، حيث تم إتلاف تسجيلاتها من القناة الثانية وتهميش بل وطمس سيرتها وسيرة عائلتها، وعادة ما يفسر الشارع الثقافي عندنا هذا الإمعان في التهميش لكون الطاووس وعائلتها من ديانة مسيحية، وكان قدرها التهميش إلى أن رحلت بعد بداء السرطان بمشفى “سان ميشال” في 2 أفريل 1976 ودفنت في فرنسا، حيث أوصت أن لا يكتب أي شيء عل شاهد قبرها سوى اسمها “طاوس”، كأنها تصر حتى آخر نفس لها أن ترسخ اسمها ومن ثم هويتها الجزائرية.

 

بوخلاط نادية / غليزان / الجزائر

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع