المعرفة حقيقة في ظل الوجود

99

المعرفة حقيقة في ظل الوجود
ريبر هبون/

إن تراكم الفساد في المؤسسات جعل الفئات المسحوقة في هيجان دائم، للتخلص من الأغلال التي فرضتها قوى الجهل والأنانية، فحين ينتفي العدل والحق في مؤسسات الدول تصبح نداءات الثورة والتظاهر وسيلة ناجعة للتعريف بالظلم والجبروت الذي ألحق الدمار بالوجود الوطن والانسان، لقد كان التاريخ خير شاهد على عصور الموت التي كان المتسلطون يسمونها بالفتوح فما كانت هذه الحملات إلا بمثابة غزوات جائرة لأجل ضرب المنظومة القيمية والبنية التحتية للمجتمعات التي تعرضت للسحق مما عمَّ الاضرار بالوجود وموارده الحيوية ، وتسهم هذه الغزوات في إعاقة وصول المجتمعات إلى المعرفة ، فابنتفاء العدل والأمان يصبح الوجود مهدداً وبالتالي تنتشر نداءات العنف والدعوة واسترداد الفئات المغلوبة لحقوقها الطبيعية التي صانها لهم الوجود، فالطريق الذي يعم بالظلام والجهل لا يمكن أن يكون سبيلاً إلى الحب والمعرفة..
لقد كان للغزو المغولي تأثيراً فطرياً على الحضارات السائدة في بغداد وما حولها نتيجة اتلاف المغول للعديد من الكتب المهمة التي كانت حصيلة المعارف التي استخلصها علماء ذاك العصر، مما يعني إن الحرب كانت تعيق وتكبح لدى الأمم تقدمها المعرفي ، فحيث تسود الحرب تتلاشى المعرفة وينتهي الوجود..
فظاهرة الصراع ظاهرة أولية تصدرت قمة تساؤلات ووعي الانسان بذاته ووجوده والآخر لاسيما ان العلاقة بين الذات والآخر علاقة متناقضة قائمة على الصراع لأجل بلوغ المنفعة والخير الأناني، فالمعرفي يرى أنه لا بد من إيجاد علاقة أكثر مواءمة وتوافق واعتدال بين الذات والغير، والفلسفات التي قدمت الأنا عن المجموع وجعلت الحياة الانسانية قائمة على الصراع مهدت لفتح بوابات العنف والجور والقوة، والمعرفيون أبلغ طلباً في الوصول للسعادة سعادة الفرد والآخر في ظل الجماعة وفي إطار التآلف والتوافق والسعي نحو التبادل المعرفي
فحضور الذات في الجماعة والعكس نتاج معرفة الانسان ونظرته المتوازنة تجاه الوجود والعالم.
يُعنى المعرفيون بالانفتاح لمعرفة سبل الخلاص للوجود، فالانغلاق شبح يستخدمه رواد الجهالة والاستبداد في إعاقة دور الشعوب في تقدمها ورقيها نحو الأفضل، وظاهرة الصراع ظاهرة لابد من بيان إيجابها من سلبها، والدفع باتجاه الايجاب لنفي السلب على مبدأ الصراع نحو الجميل والراقي دوماً، فالمعرفي يؤمن بذاته ويثق بها ويعمل لأجل المعرفة دون أن يحس بعبء أو إعاقة وجمود ، لأن كل فرد معرفي يطور نفسه من خلال الآخر ولا يتأثر بالآخرين إلا تأثيراً يخدم وعيه ورقيه باعتماده على ذاته..
إن قيادة المعرفيين لذواتهم قائمة على التواصل الايجابي مع الناس ، التواصل القائم على مفهوم الحركة وتتبع لمجمل الحالات الشعورية لدى الجماهير ومعرفة ردات الفعل الجسدية والروحية الباطنية وبذلك تتحقق العلاقة التكاملية بين المعرفيين، فالمعرفة الحقيقية تتضمن في صميمها الحالة السوسيولوجية والاخلاقية للمجتمعات في تعاملها مع الآخر وتقليص الهوة المجتمعية فيما بينها.
المعرفيون يرون في الصداقة أسمى تعبير عن بقاء الناس في ظل الوجود بقاءً حقيقياً يشبع الحاجات الأساسية للإنسان ، ولذا فهم يجدون في التحرر من سلطة الانزواء في أوكار الأنانية والمنفعة الضيقة المتصلة بالنزوات مطلباً حيوياً وذلك بالتنقيب عن الصداقة الثابتة متصلة مباشرة بحاجات العقل والقلب من فكر وفضيلة وأخلاق..
فالمعرفة تتضمن الخلاص من غربة الانسان عن ذاته وعن سبره لمكامن الضعف والمعاناة وطرق استخدام العقل والتغلب على المفاهيم الجامدة التي عمادها السيطرة على العقول ووضع اليد على حياة المجتمعات واسرها بمنظومات الفكر الرجعي والذهنية الحاكمة فلا علمانية واهنة ولا أصولية دينية متطرفة، فالمعرفي يرد على هذه الاتجاهات الجامدة المستبدة من خلال مفهوم الصفاء الكلي للامتداد الفلسفي للوجود الذي يدعو لنبذ الكراهية من خلال الحب الحقيقي الذي يضخ مفاهيم السلام والرحمة والفكر المنصف..
والقول بالفكر المنصف هو ذاك الفكر المتماشي مع احتياجات وتطلعات الشعوب ، حاجتها إلى الأمن والحرية والرفاهية والمعرفة وتطلعها باتجاه السلام العالمي والمنفعة العالمية فلا وجود لقومي شوفيني ولا ديني متطرف أو علماني ردايكالي واهن القوى ، فهذه الأوبئة تقوض منظومة الأخلاق المعرفية ..
إن الوجود اليوم للمعرفيين الذين ينتعشون في ظل فكر واسع متسع ممتد وأصيل يستقي أصالته من البنية الخصبة الحضارية للشعوب، غير منحصر وفئوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر المواضيع